كلما سرحت الطرف حولي وجدت أرض مصر الخصبة تنبت نباتات قيمة ، يعرض عنها عامة الشعب ، لجهلهم بمنافعها ، ولا يعيرها المتعلمون اهتماما ، تهاونًا وتكاسلا ، ولو أن كل خبير بهذه النباتات أجهد نفسه قليلا لأمكننا أن نوفر على أنفسنا آلاف الجنيهات ، تدفعها مصر سنويا ثمنًا للأدوية المشتراة من الخارج .
في منطقة قنا جُرِّب نبات الكركديه فنجح نجاحا باهرا ، وهذا النبات ينمو جيدا في الجو الحار ، فهو من نباتات السودان المشهورة ، ولذلك يطلقون عليه اسم (زهر السودان) يستعمله خاصة الناس في الصعيد كمشروب شايي في الشتاء ، ومنقوع مبرد في الصيف .
أثار اهتمامي هذا النبات ، فأخذت أبحث عما كتب عنه في كتب النباتات الطبية ، فلم أجد شيئًا يبل الأوام وينقع غلة المتعطش للمعرفة . وعند ما أوشك اليأس أن يتسرب لنفسي ، وجدت كتيبًا صغيرا كتب باللغة العربية ذكره ، وذكر عنه بعض أسطر ليست نتيجة لبحث باحث ، ولكنها تشير إلى وجوده بالسودان ، وطريقة استعماله لدي المصريين .
أجهدت نفسي لبحث هذا النبات الشائع استعماله ، المجهول لدى المتعلمين جهلا تاما ؛ فخرجت بالمعلومات الآتية : اسم هذا النبات العلمي : " Hibiscus Sabdariffa , ويسمونه باللغة الفرنسية Oseille Rouge , وبالانجليزية Indian Sorrel .
وهو من فصيلة النباتات الخبازية شجيري يُزرع من بذوره في شهر فبراير ، ويجني عند إتمام نضجه في شهر ديسمبر .
وشجيراته ارتفاعها حوالي متر ، وله أوراق مكففة خضراء ذات بقع حمراء على كلا السطحين ، وهي متبادلة على السيقان ، وأزهاره لها لون جميل جذاب ، وثماره حمراء غامقة (محافظ متفتحةٌ ذات خمسة مسا كن) , وكل زهرة لها سبلات حمراء وفوق الكأس ( Epiealyx) , وسبلات الثمار وما تحت الكأس حمراء غامقة في اللون ، وهي التي تستعمل لعمل المشروب الحمضي اللذيذ الطعم الذي اشتهر النبات من أجله .
أما عن الصفات التشريحية ، فالأوراق بها الثغور على سطحي الورقة ، وهي واسعة ومحاطة بثلاث خلايا إحداها أكبر من الخليتين الأخريين ، والخليتان الصغيرتان موازيتان لفتحة الثغر .
وإذا قطعنا في الورقة قطاعا مستعرضًا وجدنا أن العرق المتوسط محدب الطرفين . والأوراق تحتوي على بلورات أوكسلات الجير وردية الشكل . أما عن الساق فإذا قطعنا فيه قطاعا عرضيًا وجدنا أن تركيبه لا يختلف عن سيقان ذوات الفلقتين ، ولكن نلاحظ أن بالقشرة مجموعة من الألياف كثيرة جدًا ، وكذلك في منطقتي اللحاء والخشب .
وفي القطاع الطولي نرى الألياف الكثيرة والأوعية الخشبية مثقبة ، ويجاورها خلايا بها بلورات أوكسلات الجير وردية الشكل ، والخلايا البينية طولها ١٠ خلايا وعرضها خليتان .
أما السبلات الحمراء فسوارية الشكل هي وما تحتها ، إذا قطع فيها قطاع عرضي أو سحقت نرى فيها تحت المجهر أوعية خشبية حلزونية وخلايا متخشبة ، وأليافًا وكمية هائلة من أوكسلات الجير .
ولقد حاولت إجراء بعض تجارب كيميائية على هذا الجزء الأخير المستعمل من الثمرة ، أي السبلات وما تحتها ، إذ أن الثمرة بعد نضجها تظل السبلات وما تحتها متصلا بها ، ويجف ويصير لونه أحمر فانيًا وبعد الجفاف ينزع باليد ويستعمل لتحضير مغلي الكركديه اللطيف الطعم . وقد أهدتني تجاربي إلى ما يأتي :
أولا - المادة الحمراء الموجودة تنتمي إلى فصيلة المواد الكيميائية الملونة المسماة anthocyanidines& ) ( anthocyanins لأن المعروف أن هذه المواد هي الموجودة غالبا في الأزهار والثمار . ومن المعروف كذلك أن هذه الألوان تختلف من حمراء إلى زرقاء إلى عديمة اللون ، نظرًا لطبيعة السائل الخلوي في الأزهار ، فإذا كان حمضيا كان لونه أحمر وإذا كان متعادلا كان عديم اللون ، وإذا كان قلويا كان أزرق وهي تذوب في الماء ، والكحول المحمض بحامض الخليك أو حامض الكاوردريك والماء الغالي يذيبها بسرعة عن الماء البارد وهي لا تذوب في الأثير مطلقًا .
ثانيًا - أن الخلاصة المائية لهذه السبلات حامضية مما يدل على وجود بعض الأحماض العضوية فيها .
ثالثا - أن هذه السبلات غنية جدًا بأوكسلات الجير وكربونات الجير .
وهذه الخلاصة تختزل محلول فهلنج مما يدل على وجود سكريات سداسية أو شيء أشبه بذلك .
رابعا - الخلاصة المائية لا تحتوي على تنين ولا حامض بيروجليك (مواد قابضة) ولا أشباه قلويات ولاجلو كوزيدات
والخلاصة من كل هذا : - (أ) أن النبات له مستقبل باهر في الصيدلة لأن تلك المادة الملونة الحمراء موجودة بنسبة عالية فيها يمكننا أن نستغني عن الحشرة القرمزية التي تحضر منها ( الكرمين )
والتي تستعمل بكثرة في الصيدلة ولوازم الزينة ، وهي غالية جدًا في الثمن ، فثمن الكيلو أكثر من جنيه مصري (ب) نظرًا لأن هذا النبات ليست موجودة به أحماض معدنية ولا مواد قابضة ، فهو كمشروب منعش سيكون له مستقبل زاهر .
(ج) نظرًا لوجود ألياف متينة كثيرة في سيقان النبات ، ربما اتجه النظر إلى استعمالها في الصناعة مثل الجوت والقنب .
(د) نظرا لوجود أوكسللات الجير بكثرة في هذا النبات ، فهو يصلح كمصدر نباتي لتحضير حامض الأوكساليك الذي يستعمل في تحضير مواد الطلاء .
وبهذه العجالة المقتضبة أحب أن أوجه نظر الشعب المتعلم إلى التدقيق في بحث نباتاتنا المصرية التي لم تبحث بعد ، فربما أغنتنا عن شبيهاتها من النباتات الأجنبية .
المطاعنة - قنا
( الثقافة ) : بمناسبة هذا المقال نذكر أن نبات الكركديه هو أحد منتجات الهند وقد دُرس أمره في كلكتا دراسة علمية عام ١٩٠٨ وقبله . ودرس من وجهة الصبغة الحمراء التي يحتويها في جامعة ليدز Leeds بانجلترا عام ١٩٠٩ - وهو يزرع بكثرة في الهند في أحر بقاعها ، وفي جزيرة سيلان كذلك . ويُطلب هناك للشراب المستخرج من الزهرات ، وللألياف المستخرجة من سيقانه وتسمى في التجارة Rozelia Hemp أو قنب روزلا . وتستخدم زهرته كذلك للصبغ في بعض جهات الهند . وقد فصلت المادة الصابغة من النبات فعلا ودُرِست وعُرف أنها تنتسب إلى نفس الصبغة التي بزهرة القطن . وقد بلغت الصبغة المستخرجة من ٥٠٠ جرام من الزهر جراما ونصف جرام تقريبا .

