البردى نبات مائى كان يزرع فى مصر السفلى فى عهد الفراعنة فى مساحات واسعة . وقد وصف ثيوفراست (١) هذا النبات وطبيعة نموة فقال : " كان بزرع البردى المصرى فى المياه الراكدة التى قلما يزيد عمقها عن تسعين سنتيمترا ، وكانت كل شجيرة من شجيراته تنشأ عن جذر يمتد فى الأرض امتداداً افقياً ، طوله يقرب من أربعة أمتار ، تنبثق منه جذور صغيرة تمتد فى الطين . أما سيقانه فعليظة تنمو وتعار حتى يبلغ ارتفاع كل منها نحو مترين . ولكل ساق رأس بتفرع فروعاً خضراء متدلية تشبه الخيوط ، وإذا رأيت إحدى الشجيرات وجدتها مثلثة الشكل " .
وكان هذا النبات لا يقطع من المستنقعات التى بنيت فيها ، بل كان ينزع ذرهاً لان الجزء الأسفل من الساق خير من بقيته بالنسبة لغلظه . فإذا نزعت سيقان البردى من مستنقعاتها قطعت الاجزاء السفلية منها قطعا متساوية الطول وربطت حزماً أما السيفان المتوسطة الغلظ فكانت تشد بعضها إلى بعض شداً وثيقا لصنع القوارب الخفيفة التى كانت تستخدم لعبور المستنقعات او لاجتياز النهر من شاطئ إلي شاطئ . أما سيقان البردى الدقيقة جداً فكانت تشق نصفين وتستعمل كأربطة لحزم الربطات .
ولاستخدام هذا النبات فى الكتابة كان الفراعنة
يشقون البردية شرائح يضعونها جنبا إلى جنب موازية بعضها لبعض ثم يصفون فوقها طبقة من الشرائح بوضع عكسى ثم تلصق الطبقتان بمواد ملصقة . وبعد ذلك كانت تدق لتسويتها ثم كذلك بقطع من العاج أو الصدف المصقول ليصير سطحها مستوياً ناعم الملمس .
وكانت صحائف البردى تضم بعضها إلى بعض وتلصق بعحينة خاصة فتتألف منها أدراج أو لفائف طويلة ، حتى إن بردية "هيرس " وصل طرفها إلى ما يقرب من ١٣٠ قدماً. وهذه اطول وثيقة انحدرت إلينا من هذا الماضى الفرعونى المجيد .
وكان المصريون القدماء يستخدمون فى الكتابة قلماً من البوص أو القصب بعد إعداده يجعل طرفه مدبباً ، ثم استبدلوه فيها بعد بريش الطيور وبأفلام معدنية . أما الداد فكان أغلبه ذا لون ثابت ، ويكفى للدلالة على ذلك بقاء هذه المخطوطات الفرعونية فى حالة جيدة حتى الآن .
وكانت الكناية فى أوراق البردى فى غالب الأمر على الوجه الذى تكون فيه ألياف البردى أفقية الوضع حتى يسهل سير القلم . أما الكتابة على الوجهين فكانت فى حكم القلة .
وكانت لفائف البردى تطوى بحيث يكون وجهها المكتوب إلى الداخل . وكانت الفافة تثبت فى نهايتها بمصدأ ، وكان يلحق بها فى أغلب الأحيان قمامة صغيرة تحمل اسم الخطوط وبعض نباتات عنه .
وقد ظل المصريون القدماء يزرعون هذا النبات ويصنعون منه لفائفهم دون أن ينافسه فى ذلك منافس ، إلى أن فتح العرب مصر فكان هذا بداية تحول ، فإذا بالورق العادى يكتسح أمامه البردى شيئاً فشيئاً ، فما إن حل القرن العاشر الميلادى حتى كانت صناعة الورق من نبات البردى قد بطلت ، وحل محلها صناعة الورق من الخرق البالية ومن بعض الأعواد النباتية .
وقد كان للعرب فضل نقل زراعة البردى وصناعته إلي أوربا . فعندما فتحوا جزيرة صقلية زرعوه بها ، فكان ينمو هناك بكثرة فى مستنقعات " بالرمو" ولا يزال يوجد حتى الآن فى هذه الجزيرة .
وبفضل صناعة أوراق البردى من هذا النبات كانت مصر القديمة كما قال الدكتور جوستاف لوبون مغرمة بتأليف الكتب التباينة ؛ فمن كتب دينية إلى شعر إلى مراسلات ، ومن نبذة علمية وأخلاقية إلى وثائق وإحصائيات ، حتى القصص كانت تشغل حيزاً كبيراً من هذه الأوراق .
ومن أقدم أوراق البردي " كتاب الموتى " الذى كان يوضع مع الميت فى تابوته وهو يحوى توسلات ودعوات موجهة إلى عدة آلهة استعطافاً على الروح الصاعدة إليها ، أو إلى الشمس حيث تستجلى هذه الروح إليها وهى خالصة من اللحم . ثم تأتى فيه فصول أخرى باحثة فيما وراء المادة فتوضح أن الميت لا يؤتى النعيم الأيدى إلا إذا كان يعرف خفايا النفس والدين وسر طبيعة الآلهة .
وقد احتوت أوراق البردي على كثير من الأدب الفرعونى ؛ فيها نصائح فلسفية لبعض الحكماء أمثال " بتاح حتب " و " آنى " وتناولت أيضاً سرد الكثير من القصص أمثال قصة سنوحى وقصة البحار الغريق وقصة نحوتى . وكان التلاميذ فى هذا المهد الفرعونى يحفظون الكثير من هذه الأدبيات عن ظهر قلب وبنسخونها فى كراساتهم .
أما من الناحية العلمية فقد تناولت لفائف البردى الكثير من النباتات الطبية وطرق استخدام بعض الأدوية البسيطة التى لا يزال استخدامها شائعا حتى اليوم مثل زيت الخروع .
وقد أوضحت الأوراق البردية الفرعونية مدى تقدم المصريين القدماء فى علوم الحساب والهندسة والفلك
وأوضحت لنا كيف عرفوا مساحة المربع والمستطيل والمثلث والدائرة .
وها هى أوراق البردى تحتل مكانها ، لا فى متاحف القاهرة فحسب ، بل فى متاحف لندن وبرلين وباريز وليد ؛ ففى المتحف البريطانى نجد عدة أوراق بردية ، منها واحدة غاية فى النفاسة ، نروى بدء قتال المصريين ضد الهكسوس . وفى متحف برلين وجدت مذكرات سينيه المشهورة تحتوى - غير شكوى كاتبها من نفيه - على كثير من العادات الحربية عند الأسرة الثانية عشرة وما كان يجرى فى بلاط فرعون والعصائب التى تنزل بمن يحل عليه غضبه والشرف الذى يناله من كسب رضاء . وفى متحف ليد توجد أوراق بردية تعالج موضوعات حلقية وفلسفية .
وفى الجمعية التاريخية فى نيويورك نجد قرطاساً طيبياً اشتراه إدوين اسميث وأهداه للجمعية ، ويحتوى على وصف ٨٤ حالة مرضية .
من هذا العرض القصير نرى أنه بفضل البردي دونت كل مظاهر النشاط الفكرى والسياسى والعلمى فى عهد أجدادنا الأول ، فكان هذا مثابة النواة الأولى التى تجمع حولها كل ما استجد من نشاط فكرى علي مر الأيام والقرون .
وهنا نتساءل : ماذا يكون تصويرنا لحياة أجدادنا القدماء ، لو لم تدون مظاهر حياتهم والوان معتقداتهم على أوراق البردي ؟ !
لاشك أنه سيكون مليئا بالغموض والتشويه فى كثير من نواحيه .
وعلى العموم يمكن القول أن الحضارة القديمة مدينة فى نموها لورق البردى ، كما أن الحضارة الحديثة مدينة فى انتشارها للورق العادى الذى نستخدمه فى أيامنا هذه لطبع صحفتا وكتبنا .

