المعروف عن النبات أنه يستمد غذاءه من طريقين طريق الأرض ، وفيه يمتص النبات محاليل الأملاح بواسطة جذور ، او غيرها ، وطريق الجو ، وفيه يمتص النبات بواسطة اجزائه الخضراء غاز الكربونيك ليكون مع الماء مواد سكرية . ومن هذه السكريات وتلك المحاليل الملحية يكون النبات من الغذاء ما هو اكثر تعقيدا ، وبدا يضمن لنفسه الغذاء الذي يعينه على اداء وظائفه ، سواء منها ما كان لازما لبقائه كفرد ، أو لبقاء نوعه . هذه قاعدة النبات في غذائه عندما توجد مادة الكلوروفيل أي المادة الخضراء في أنسجته .
لكن هناك أنواعا كثيرة من النباتات تشد عن هذه القاعدة ، وتسلك طرقا اخرى للتغذية ، كأن تعتمد مثلا على غيرها من النباتات في امتصاص ماء الأرض وما به من أملاح ، ثم تستقل عن غيرها فيما عدا ذلك .
ومثال هذا النوع المزلتو1 وهو معروف في انجلترا وفرنسا . ومثال اخر نبات اللورنتس الذي يلتصق بالسنط فيمتص منه المحاليل التي كان يقوم بإمتصاصها الجذر لو كان له وجود فيه ، ثم يقوم بالتمثيل كأي نبات آخر
وقد يعتمد النبات اعتمادا كليا على غيره ، فيصير عالة عليه يمتص منه كل ما يلزمه من المواد ، بسيطة كانت أو معقدة ، فلا يمتص بنفسه من الأرض محلولا ، ولا يقوم
بنفسه بتمثيل الكربون او غيره ، وإنما يرسل إلى عائله من الممصات ما يكفل أن يوصل إليه كل ما يلزمه من الغذاء عن طريق هذه الممصات . وربما يكون القارئ قد كلع عن نبات الهالوك الذي ينمو مع الفول ، فيمتص غذاء منه . ولا نجد للهالوك غير شمراخ يحمل أزهارا تكون ثمار تنتثر منها بذور تبقى النوع للعام المقبل . ولا نجد لهذا الهالوك جذورا ولا اوراقا ، فليست به حاجة لها ما دام الغذاء يجهز له بواسطة نبات آخر .
وهناك نباتات تتوسط بين المعيشة المستقلة وبين التطفل فهي تقوم بصنع غذائها وتنمو ، ولكنه نمو ليس بالقوى ، إذ انها تحتاج إلى مورد اوفي ليزيد من أزهارها وأثمارها ، وهذه النباتات هي التي نسميا آكلة الحشرات ، فهي تمتص وتمثل وتنمو ، ولكنها تحتاج إلي غذاء آخر ، يعينها على مقابلة ظروفها ، ذلك لأنها تعيش حيث تكثر الغابات التي يترسب في تربتها كثير من المواد العضوية ، وتكون المواد الازونية نادرة أو قليلة ، ولذلك نراها تستكمل هذا النقص في غذائها من جسم الحيوان ، ولكي يتم لها ذلك نجد الطبيعة قد ساعدتها بأن جعلت لها من تركيبها ومن شكلها ما يساعدها على اقتناص الفريسة الحيوانية وتحويلها إلى مادة بسهل امتصاصها والانتفاع بها كغذاء .
فهذا نبات الجرة nepenthes وطنه بلاد الملايا ، ولا نجده في مصر إلا في البيوت الزجاجية فهو محتاج إلى جو حار. وفي حديقة الزهرية بالجزيرة عينة منه
شكل ١ ، أوراقه طويلة قد تبلغ القدم . وقد نحور جزء من الورقة إلى ما يشبه الجرة ، ويقرب طول هذا الجزء من عشرة سنتيمترات ، وتتصل الحرة ببقية الورقة من اسفل ، وقد تحور هذا الجزء إلى شكل لولبي ، يسمي بالمحلاق١، ويلتف قدر لفتين أو أقل ، ليتخذ مما حوله دعامة تحفظ الجرة في وضعها وفي نهاية الاناء جزء من بقية الورقة ، يعمل كغطاء ولكنه غير متحرك .
هو يظلل فتحة الاناء فيقلل من تبخر ما محتويه ، كما انه يظل دائما في وضعه هذا لاستقبال آية فريسة . وللجرة الوان زاهية عيل إلى الاحمرار . وتبقى قوهة الحرة مفتوحة على الدوام ، إذ محيطها حلقة من نسيج متخشب . وما اشبه هذه الوظيفة بوظيفة الغضاريف في القصبة الهوائية للانسان . وللفوهة الوان جذانة يليها من الداخل إلى أسفل الوان زاهية ، وتتوسط هذه المنطقة غدو تفرز رحينا بعمل على جدب الحشرات ، فإذا ما اقتربت الحشرة من هذه
الغدد ، وحاولت ان تنال منها بنيتها فلا تلبث أن تنزلق إلى قاع الجرة ، وذلك لنعومة تلك المنطقة الداخلية إلى حد كبير ، كما يساعد على ذلك كون هذا السطح رأسيا إن لم يكن مائلا باتساع إلى اسفل . على ان بعض الحشرات قد يكون لها من مخالبها ما يساعدها على الالتصاق بجدران الجرة . وهذه ايضا لا سبيل لنجاتها ، إذ أن محاولتها الالتصاق تدفع بها إلى القاع ، وذلك لأن هناك بعض قشور من الشمع تلتصق بالمخالب فتجعلها تنزلق وتفسير ذلك ان جدران الجرة من الداخل بها نتوءات عليها تلك القشور من الشمع. وهذه القشور لا تلبث ان تنفصل بمجرد لمسها . وهكذا نجد اشراكا بلغت حد الكمال قد نصبت لتلك الحشرات ، فلا تنجو منها إلا الحشرة الطائرة إذا أفلنت من لمس الماء الذي بالجرة .
وهذا الماء الذي يملأ نصف الجرة أو أكثر منه بقليل عبارة عن سائل تفرزه الغدد الموجودة في هذا الجزء من النبات، وهذا السائل يعمل المطر على زيادة مقداره أضعافا . أما تأثيره فمتعادل ، ولكنه لا يلبث أن يصبح حمضيا إذا ما استقبل الفريسة . ثم إن السائل يحتوي كذلك على خمائر لا تلبث في هذه الحالة ان تحدث اثرها في الحيوان فيهضم ، ثم يمتص النبات ما يمكن امتصاصه منه ، وقد وجد انه لا يحدث تعفن فيما احتوته الجرة . وتفسير ذلك أن السائل يمنع كذلك نمو البكتريا التي تسبب التعفن .
وعندنا في مصر نبات بأكل الحيوان ، لا ينمو على الأرض بل يكون مغمورا في الماء ويسعى حامول الماء ، الدات وتراء في شكل ) ٢ ( ، وهو يوجد في الواحات الخارجة ، وله وريقات رفيقة مشرحة أو مشفقة في اعجاء طولها ) وهذه طبيعة اوراق النبات الم الثاني ، والحكمة فيها زيادة السطح الذي عنص النذاء من جهة ، وتقليل المقاومة لحركة الماء من جهة اخرى . ( وتجد بين الوريقات في هذا
النبات مثانات صغيرة ) تراها في أسفل الشكل جهة البسار في حجم العدسة . ضاقت من جهة وفلطحت من الجهة الأخرى . ولو فحصنا إحدي هذه المثانات لوجدنا لها في اسفلها فتحة يغطيها صمام قد ظهر في القطاع العولي للثانة ) وهو الجزء العلوي ( إذ نجده في نهاية الشعيرات ، ويلاحظ ان الصيام ينفتح إلى الداخل لا الخارج ، وقد استند طرفه الخالص بجزء متسمك من الثانة . وتري شعيرات محيط بالصام ؛ وقد يظن في بادىء الامة ندفع بنفسها
من بين جدران المثانة دافعة ذلك الصمام إلي الداخل ، وتبقى حبيسة بعد ذلك ، ولكن انضح من بحث العلامة بروخر سنة ١٩١١ وتحقيق زايا سنة ١٩٢٢ ان جدران المثانة لا تنفذ الماء تقريبا، وأن على سطحها الداخلي توجد زوائد ذات أربعة فروع ، وهذه الزوائد (شكل ٢ إلى أقصى اليمين ) تمتص الماء الموجود داخل المثانة وتطرده للخارج ، عند ذلك تندفع بعض اجزاء المثانة ، ويتثنى سطحها بعد ما كان منتفخا ، ونظرا لمرونة الجدران فانها تميل إلى الرجوع إلى حالتها الاولى ، فإذا مر حيوان بالشعيرات التي تحيط الصمام ولمسها ، انفتح الصمام قليلا ، إذ ان هذه الشعيرات حساسة ، وعند انفتاح الصمام ترجع جدران المثانة إلى انتفاخها الأصلي ، فيتسبب عن ذلك تيار
يندفع به الماء إلي الداخل حاملا معه الفريسة ولا يلبث ان ينغلق الصمام بعد ذلك
وقد وجد أنه لو ثقبنا المثانة بدبوس فانها لا تقوم بوظيفتها ، وذلك لان الماء ينتشر من المثانة وإليها ، فلا يحدث فرق بين ضغط الماء داخل المثانة وخارجها ، فتتمطل الوظيفة التي تجذب الماء ومامعه من حيوان صغير إلي الداخل .
ولم يثبت حتى الآن وجود خمائر أو مواد تساعد على هضم الفريسة ، وربما كان ذلك لصغر المثانات وضآلة المواد التي تفرزها . على ان المفهوم هو ان الفريسة بعد اقتناصها لا تلبث ان تعيبها محاولاتها للافلات ، فتموت من هذا الإعياء ، ثم تتحلل بفعل البكتريا الموجودة بالماء فتمتص هذه المواد المتحللة . وتستعد المثانة لاستقبال فريسة أخري ، وهكذا .

