الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 252 الرجوع إلى "الثقافة"

نبوءات السلم والحرب

Share

من أهم ما يمتاز به عالم الطبيعة أنه يستطيع التنبؤ بما سيحدث من الحوادث فى عالمه ، متى توفرت الشروط والظروف ، وتهيأت العلل والأسباب . وصدق هذه النبوءات واحدة بعد أخرى قد أقنع الناس بضرورة قبولها والثقة بها . فهل لعلماء الإنسانيات كذلك نبوءات صادقة يعتد بها ؟ لا شك أن تفسير الظواهر الإنسانية وضبطها ، والتنبؤ بما سيحدث منها ، كان - ولا يزال - هدف علماء هذه الفروع فى القرنين الماضى والحاضر ، وعلى قدر نجاحهم فى هذا يكون قربهم من رجال العلوم الدقيقة ، ومكانهم من العلم الصحيح .

أمامى الآن ثلاثة أمثلة من نبوءات العلوم الإنسانية ، كلها خاصة بالحرب ، وكلها صادرة عن جامعة واحدة - بل كلية واحدة - هى - ينفيرستى كولدج -

بجامعة لندن . فقبل أن يندلع لهيب الحرب الحاضرة بست سنوات نشر (( ماكرى )) أستاذ الفلسفة بتلك الكلية كتابه (الحرية فى العالم الحديث) ؛ ونشر (( سرل برت )) أستاذ علم النفس كتابا - اشترك فيه وآخرين - عنوانه ( كيف يعمل العقل ) ؛ ونشر زميله (( فلوجل )) كتابه (مائة سنة من علم النفس ١٨٣٣ - ١٩٣٣) . وفى كل هذه الكتب يتنبأ هؤلاء العلماء أن الحرب واقعة

- إلا إذا عمل الناس على تغيير مجرى الحوادث . وأن شرا مستطيرا يوشك أن يدهم العالم ، فيذهب بحرثه ونسله ، ويتلف طارقه وتليده .

بنى (( ماكرى )) فكرته على أساس التفرقة بين ناحيتين من نواحى العقل الإنسانى هما الذهن والوجدان : فأما أولهما فهو آلة المنطق والتفكير ، والعلم والاختراع ،

والمدنية وأساليبها المادية الرائعة ؛ وأما الثانى فهو مصدر السرور والألم ، والعاطفة والانفعال ، والفن والتدين ، والعرف والتقاليد ، والثقافة الروحية على وجه الإجمال . ولن يستقيم السلام فى نفس كل فرد ، وبين صفوف كل أمة ، وبين بعض الشعوب وبعض ، إلا إذا انسجمت هاتان الناحيتان فمشتا جنبا إلى جانب ، وتحررتا معا مما يفرض عليهما من قيود ، إلا قيود الفطرة والتطور الصحيح . فأما إذا تحرر الذهن - كما حدث فى القرنين الماضى والحاضر - فأطلق لنفسه العنان فى ميادين التجربة والاختراع ، وتفنن ما شاءت له عبقريته فى أساليب التدمير والهلاك ، وبقى الوجدان مقيدا مكبوتا فى غرائزه وانفعالاته وثقافته الروحية ، عاجزا عن أن يحمل المصباح لهداية الذهن ، ويقبض بيده على عنانه ، ويكبح قليلا من جماحه ، فلا مفر من جائحة مهلكة لبنى البشر ، تكاد لا تبقى ولا تذر . وقد كانت هذه فى نظره حالة العالم فى تلك الأيام (١٩٣٣) .

وقرر (( فلوجل )) فكرة قريبة من هذه فى صدد الكلام على تطور الدراسات النفسانية فى العصر الحاضر ، وضرورة إفساح المجال لها حتى تتكون على أساسها وجهة نظر تعدل التفكير الذى قام منذ القدم على أساس السياسة والدين والاقتصاد والعلم المادى ، وتعيد للشخصية الإنسانية توازنها وانسجامها ؛ فقد لعب العلم الطبيعى دورا كبيرا فى أن خلع على الناس قوة جديدة لم يحلموا بها من قبل ، ووضع فى أيديهم أسلحة بالغة الخطر دون أن يعلمهم كيف يحسنون استعمالها . (( وإن علم النفس وحده )) - فى رأى فلوجل - (( هو الذى يستطيع أن يقوم بهذا الواجب الأخير - وإذا صدق المثل القديم من أن (التفاهم أساس التسامح) ، فلنا أن نرجو - إذن - أن تسفر زيادة معرفتنا بطرائق العقل الإنسانى فى عمله عن بعض الزيادة فى الشفقة الإنسانية والتسامح والتعاون ، مما يمنع دعائم

المدنية أن تنهار ، وهذا الانهيار - كما يؤكد لنا العارفون - خطر حقيقى يوشك أن يقع )) .

ولكن دراسات (( برت )) وزملائه أخذت طابعا آخر ، فقد ألقوا على الراديو الإنجليزى فى سنة ١٩٣٣ سلسلة من الأحاديث (نشرت بعد فى كتاب) عن طرائق عمل العقل فى حياة الفرد - طفلا وراشدا - وفى حياة الجماعة . وتولى (( برت )) - فيما قام به - الكلام عن هذه الناحية الأخيرة ، ناحية الجماعة ، ففصل النتائج الحديثة فى سيكلوجية الجنسين والشعوب ، والسياسة والفراغ ، والفن والدين ؛ وناقش - فيما ناقش - الفوارق الموجودة بين الأمم : ما الأصيل منها وما الدخيل ، ما الفطرى منها وما المكسوب ، ما الفرص الحقيقية لقيام سلام دولى عام ، ومن أين نشأت تلك الآراء والمذاهب السياسية التى تنادى بتفضيل جنس على جنس ، وسيطرة قوم على آخرين . وأشار إلى أن الألمان قد برهنوا لأنفسهم برهانا يرضونه على أن الجنس التيوتونى أعلى الأجناس شرفا ، وأن قومه هم المختارون ، وأنه مخلوق ليفتح - ويخضع - اللاتينى الهزيل فى إيطاليا وأسبانيا وفرنسا . ثم بين أن الفكر الإنجليزى كان دائما فى شك من أمر الخصائص الجنسية الفطرية ، وأنه يميل إلى الاعتقاد فى قوة التنشئة والتقليد أكثر من اعتقاده فى الوراثة والجنس .

غير أن النبوءة التى تهمنا هنا فى بحث (( برت )) تجىء فى صدد كلامه على تعليل الطابع العام الذى يتجلى فى كل أمة ، والروح العامة التى يبدو أثرها فى فلسفتها واتجاهاتها السلمية والحربية ، وما يكنه المستقبل تبعا لذلك من أحداث وشئون .

يقول (( برت )) : شاعت فى القرن الماضى نظرية - نبتت أولا فى ألمانيا - ( وكان بطلها هيجل ) ، وانتشرت منها مع الحركة الرومانسية ؛ خلاصتها أن

لكل أمة - كما أن لكل فرد - نوعا من العقل ، إلا أنه فى الواحد فردى ، وفى الأمة اجتماعى ؛ فنحن نتكلم أحيانا عن روح الجماعة ، وعن إرادة الشعب ، وعن بلد بأكمله يعمل كأنه رجل واحد . وهذه العبارات

عند هيجل وأتباعه - ليست مجرد مجازات حماسية ، ولكنها حقائق معينة ، فكما أن الكائن العضوى يتألف من جسد ذى أعضاء تسرى فيه روح واحدة أو عقل واحد - كذلك الأمة بأعضائها تؤلف كتلة واحدة أو جسدا واحدا ، ويتجمع من عقولها عقل واحد هو شعورها أو وعيها الاجتماعى . وقد وجد هذا الرأى تأييدا من علماء نظرية النشوء والترقى ، ومن أمثال (( هربرت سبنسر )) الذى ذهب إلى أن الجماعة الإنسانية يصح أن ينظر إليها باعتبارها كائنا عضويا معقدا . وإذن فإدراك شعب ما يمكن أن يكون نوعا من الشعور الجمعى الذى يضم فى طياته إدراكات كل أفراد ذلك الشعب ، وليس هناك حد لحجم المجموع الذى قد يكون له شعور خاص به ؛ بل إن القائلين - من المتصوفين - بوحدة الوجود يمكن أن يتطلعوا إلى روح أعلى يشمل الوجود ويملأ جميع نواحيه .

شغل هذا الرأى حيزا كبيرا فى مناقشات رجال النظريات السياسية ، وهو الآن يشغل مكانا فى دراسات علم النفس الاجتماعى ، وله أدلة وعليه اعتراضات لا محل لذكرها هنا . و (( برت )) بالضرورة لا يقره على إطلاقه ، بل يحاول أن يفسر سلوك الجماهير وأرواح الشعوب على أسس سيكلوجية معروفة ، ولكنه يفرد الفلسفة الألمانية الحديثة بإشارة لها مغزاها فى الحروب العالمية ، ونصيب ألمانيا من إثارتها . يقول :

(( خذ المثاليين الألمان فى القرن التاسع عشر - مثلا - تجدهم جميعا عظموا شأن الدولة ؛ فهم ، على حسب النظرية التى شرحناها ، قد اعتبروا الدولة أشبه بكائن روحى له شعور

وإرادة خاصان به ، أو أشبه بمخلوق هائلها (Leviathan) روحى - فالدولة هى السلطان الآمر ، والدولة فوق الجميع ، ومصالح الشعب فوق الاعتبارات الخلقية ، وأهم من مصالح الأفراد ، ومن مصالح أى شعب آخر ، بل أهم من مصالح العالم كله . وسرعان ما يجر هذا المذهب إلى أخطار القومية الضيقة ، ويقود - لا إلى الاضطهاد داخل الدولة فحسب - ولكن إلى حرب خارجها )) .

هذه النبوءات والنذر التى سبقت الحرب الحاضرة - وكثير مثلها - تجلو لنا لونا من ألوان التفكير الذى سيتجه إليه العالم بعد هذه الحرب ، بل ضربا من ضروب العلاج لأدواء الإنسانية الحاضرة . وهو كما ترى يلمس المادية والروحية فى الصميم ، وينبه بنى الشرق - إن لم يكونوا قد تنبهوا - إلى ضرورة إعادة النظر فى اتجاهاتهم الثقافية ، وسياستهم الحاضرة والمستقبلة فى الحياة .

اشترك في نشرتنا البريدية