من أهم ما يمتاز به عالم الطبيعة أنه يستطيع التنبؤ بما سيحدث من الحوادث فى عالمه ، متى توفرت الشروط والظروف ، وتهيأت العلل والأسباب . وصدق هذه النبوءات واحدة بعد أخرى قد أقنع الناس بضرورة قبولها والثقة بها . فهل لعلماء الإنسانيات كذلك نبوءات صادقة يعتد بها ؟ لا شك أن تفسير الظواهر الإنسانية وضبطها ، والتنبؤ بما سيحدث منها ، كان - ولا يزال - هدف علماء هذه الفروع فى القرنين الماضى والحاضر ، وعلى قدر نجاحهم فى هذا يكون قربهم من رجال العلوم الدقيقة ، ومكانهم من العلم الصحيح .
أمامى الآن ثلاثة أمثلة من نبوءات العلوم الإنسانية ، كلها خاصة بالحرب ، وكلها صادرة عن جامعة واحدة - بل كلية واحدة - هى - ينفيرستى كولدج -
بجامعة لندن . فقبل أن يندلع لهيب الحرب الحاضرة بست سنوات نشر (( ماكرى )) أستاذ الفلسفة بتلك الكلية كتابه (الحرية فى العالم الحديث) ؛ ونشر (( سرل برت )) أستاذ علم النفس كتابا - اشترك فيه وآخرين - عنوانه ( كيف يعمل العقل ) ؛ ونشر زميله (( فلوجل )) كتابه (مائة سنة من علم النفس ١٨٣٣ - ١٩٣٣) . وفى كل هذه الكتب يتنبأ هؤلاء العلماء أن الحرب واقعة
- إلا إذا عمل الناس على تغيير مجرى الحوادث . وأن شرا مستطيرا يوشك أن يدهم العالم ، فيذهب بحرثه ونسله ، ويتلف طارقه وتليده .
بنى (( ماكرى )) فكرته على أساس التفرقة بين ناحيتين من نواحى العقل الإنسانى هما الذهن والوجدان : فأما أولهما فهو آلة المنطق والتفكير ، والعلم والاختراع ،
والمدنية وأساليبها المادية الرائعة ؛ وأما الثانى فهو مصدر السرور والألم ، والعاطفة والانفعال ، والفن والتدين ، والعرف والتقاليد ، والثقافة الروحية على وجه الإجمال . ولن يستقيم السلام فى نفس كل فرد ، وبين صفوف كل أمة ، وبين بعض الشعوب وبعض ، إلا إذا انسجمت هاتان الناحيتان فمشتا جنبا إلى جانب ، وتحررتا معا مما يفرض عليهما من قيود ، إلا قيود الفطرة والتطور الصحيح . فأما إذا تحرر الذهن - كما حدث فى القرنين الماضى والحاضر - فأطلق لنفسه العنان فى ميادين التجربة والاختراع ، وتفنن ما شاءت له عبقريته فى أساليب التدمير والهلاك ، وبقى الوجدان مقيدا مكبوتا فى غرائزه وانفعالاته وثقافته الروحية ، عاجزا عن أن يحمل المصباح لهداية الذهن ، ويقبض بيده على عنانه ، ويكبح قليلا من جماحه ، فلا مفر من جائحة مهلكة لبنى البشر ، تكاد لا تبقى ولا تذر . وقد كانت هذه فى نظره حالة العالم فى تلك الأيام (١٩٣٣) .
وقرر (( فلوجل )) فكرة قريبة من هذه فى صدد الكلام على تطور الدراسات النفسانية فى العصر الحاضر ، وضرورة إفساح المجال لها حتى تتكون على أساسها وجهة نظر تعدل التفكير الذى قام منذ القدم على أساس السياسة والدين والاقتصاد والعلم المادى ، وتعيد للشخصية الإنسانية توازنها وانسجامها ؛ فقد لعب العلم الطبيعى دورا كبيرا فى أن خلع على الناس قوة جديدة لم يحلموا بها من قبل ، ووضع فى أيديهم أسلحة بالغة الخطر دون أن يعلمهم كيف يحسنون استعمالها . (( وإن علم النفس وحده )) - فى رأى فلوجل - (( هو الذى يستطيع أن يقوم بهذا الواجب الأخير - وإذا صدق المثل القديم من أن (التفاهم أساس التسامح) ، فلنا أن نرجو - إذن - أن تسفر زيادة معرفتنا بطرائق العقل الإنسانى فى عمله عن بعض الزيادة فى الشفقة الإنسانية والتسامح والتعاون ، مما يمنع دعائم
المدنية أن تنهار ، وهذا الانهيار - كما يؤكد لنا العارفون - خطر حقيقى يوشك أن يقع )) .
ولكن دراسات (( برت )) وزملائه أخذت طابعا آخر ، فقد ألقوا على الراديو الإنجليزى فى سنة ١٩٣٣ سلسلة من الأحاديث (نشرت بعد فى كتاب) عن طرائق عمل العقل فى حياة الفرد - طفلا وراشدا - وفى حياة الجماعة . وتولى (( برت )) - فيما قام به - الكلام عن هذه الناحية الأخيرة ، ناحية الجماعة ، ففصل النتائج الحديثة فى سيكلوجية الجنسين والشعوب ، والسياسة والفراغ ، والفن والدين ؛ وناقش - فيما ناقش - الفوارق الموجودة بين الأمم : ما الأصيل منها وما الدخيل ، ما الفطرى منها وما المكسوب ، ما الفرص الحقيقية لقيام سلام دولى عام ، ومن أين نشأت تلك الآراء والمذاهب السياسية التى تنادى بتفضيل جنس على جنس ، وسيطرة قوم على آخرين . وأشار إلى أن الألمان قد برهنوا لأنفسهم برهانا يرضونه على أن الجنس التيوتونى أعلى الأجناس شرفا ، وأن قومه هم المختارون ، وأنه مخلوق ليفتح - ويخضع - اللاتينى الهزيل فى إيطاليا وأسبانيا وفرنسا . ثم بين أن الفكر الإنجليزى كان دائما فى شك من أمر الخصائص الجنسية الفطرية ، وأنه يميل إلى الاعتقاد فى قوة التنشئة والتقليد أكثر من اعتقاده فى الوراثة والجنس .
غير أن النبوءة التى تهمنا هنا فى بحث (( برت )) تجىء فى صدد كلامه على تعليل الطابع العام الذى يتجلى فى كل أمة ، والروح العامة التى يبدو أثرها فى فلسفتها واتجاهاتها السلمية والحربية ، وما يكنه المستقبل تبعا لذلك من أحداث وشئون .
يقول (( برت )) : شاعت فى القرن الماضى نظرية - نبتت أولا فى ألمانيا - ( وكان بطلها هيجل ) ، وانتشرت منها مع الحركة الرومانسية ؛ خلاصتها أن
لكل أمة - كما أن لكل فرد - نوعا من العقل ، إلا أنه فى الواحد فردى ، وفى الأمة اجتماعى ؛ فنحن نتكلم أحيانا عن روح الجماعة ، وعن إرادة الشعب ، وعن بلد بأكمله يعمل كأنه رجل واحد . وهذه العبارات
عند هيجل وأتباعه - ليست مجرد مجازات حماسية ، ولكنها حقائق معينة ، فكما أن الكائن العضوى يتألف من جسد ذى أعضاء تسرى فيه روح واحدة أو عقل واحد - كذلك الأمة بأعضائها تؤلف كتلة واحدة أو جسدا واحدا ، ويتجمع من عقولها عقل واحد هو شعورها أو وعيها الاجتماعى . وقد وجد هذا الرأى تأييدا من علماء نظرية النشوء والترقى ، ومن أمثال (( هربرت سبنسر )) الذى ذهب إلى أن الجماعة الإنسانية يصح أن ينظر إليها باعتبارها كائنا عضويا معقدا . وإذن فإدراك شعب ما يمكن أن يكون نوعا من الشعور الجمعى الذى يضم فى طياته إدراكات كل أفراد ذلك الشعب ، وليس هناك حد لحجم المجموع الذى قد يكون له شعور خاص به ؛ بل إن القائلين - من المتصوفين - بوحدة الوجود يمكن أن يتطلعوا إلى روح أعلى يشمل الوجود ويملأ جميع نواحيه .
شغل هذا الرأى حيزا كبيرا فى مناقشات رجال النظريات السياسية ، وهو الآن يشغل مكانا فى دراسات علم النفس الاجتماعى ، وله أدلة وعليه اعتراضات لا محل لذكرها هنا . و (( برت )) بالضرورة لا يقره على إطلاقه ، بل يحاول أن يفسر سلوك الجماهير وأرواح الشعوب على أسس سيكلوجية معروفة ، ولكنه يفرد الفلسفة الألمانية الحديثة بإشارة لها مغزاها فى الحروب العالمية ، ونصيب ألمانيا من إثارتها . يقول :
(( خذ المثاليين الألمان فى القرن التاسع عشر - مثلا - تجدهم جميعا عظموا شأن الدولة ؛ فهم ، على حسب النظرية التى شرحناها ، قد اعتبروا الدولة أشبه بكائن روحى له شعور
وإرادة خاصان به ، أو أشبه بمخلوق هائلها (Leviathan) روحى - فالدولة هى السلطان الآمر ، والدولة فوق الجميع ، ومصالح الشعب فوق الاعتبارات الخلقية ، وأهم من مصالح الأفراد ، ومن مصالح أى شعب آخر ، بل أهم من مصالح العالم كله . وسرعان ما يجر هذا المذهب إلى أخطار القومية الضيقة ، ويقود - لا إلى الاضطهاد داخل الدولة فحسب - ولكن إلى حرب خارجها )) .
هذه النبوءات والنذر التى سبقت الحرب الحاضرة - وكثير مثلها - تجلو لنا لونا من ألوان التفكير الذى سيتجه إليه العالم بعد هذه الحرب ، بل ضربا من ضروب العلاج لأدواء الإنسانية الحاضرة . وهو كما ترى يلمس المادية والروحية فى الصميم ، وينبه بنى الشرق - إن لم يكونوا قد تنبهوا - إلى ضرورة إعادة النظر فى اتجاهاتهم الثقافية ، وسياستهم الحاضرة والمستقبلة فى الحياة .

