الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 160الرجوع إلى "الثقافة"

نبينا فى نظر جيته

Share

" عندما ما ينثر الله الأيدي القدوس من قبضته الهادئة شهب الخير تتساقط من ثنايا السحب الصافية تمتد شفتاي إلي اهداب ردائه تقبله وقد احتفظ القلب بما عهد في طفولته من خوف ، إذ لا ينبغي لانسان أن يتسامي إلي الآلهة ، وما يشرئب عنقه لمس النجوم بناصيته حتى تفقد قدماه الحائرتان كل مرتكر على صفحة الأرض فتتقاذفه السحب والرواح ، ما له لا يربض وقد جمع إليه عظامه الصلبة المليئة بماء الحياة فوق أديم الأرض الثابتة الدعائم وما يرتفع إلي أعلي مما ترتفع إليه أشجار البلوط أو عرائن العنب ، وفي الحق بم يتميز البشر عن الآلهة ؟ يتميزون بأن الأمواج تمر أمام الأرباب لا عداد لها ، سيلا لا ينقطع ، وأما نحن فتعلو بنا موجة وتبتلعنا أخري ، فنهوي إلي القاع وقد طوقت حلقة ضيقة حياتنا حتى لتتلاحق الأجيال جيلا بعد جيل أبد السنين في سلسلة الحياة التى ليس لها انقضاء

هذه ترجمة القصيدة جبيته الشهيرة حدود الانسانية ومن منا لا يحس في حناياها نفسا من روح الإيمان الشرقي ، بل من وحي القرآن وقوله الحق " ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ، ومن الثابث أن جبيته قد أولع منذ صباه بكتب الشرق المقدسة : بالتوراة والأنجيل والقرآن ، وان هرور Herder قد بصره بالكثير من شعرنا العربي ؛ ولدينا قيمة بالمختارات التي انتقاها لنفسه من كتابنا العزيز عن ترجمة مرجرلين Mergerlen التي صدرت بفرنكفورت سنة ١٧٧٢

ولقد كانت شخصية نبينا موضع إعجاب هذا الشاعر

العظيم ، كما كان عصره المعروف في تاريخ الآداب الألمانية بمصر " العاصفة والدفع ، Sturm und Drang عهد إيمان بالوحي والالهام بالديانات والرسل ، بعد أن فشلت فلسفة القرن الثامن عشر العقلية في قيادة حياة البشر وما تمحضت إلا من بلبلة الافكار وب`ر الشك في القلوب ، فجفت الحياة ونضب معين الشعر ؛ ولا عجب أن يحل العقم بنفوس لا إيمان فيها .

ورأي جبيته في محمد نبيا حقا ، فكان رأيا جديدا في أوربا التي خلفت بها الحروب الصليبية ذكريات بغيضة عن الاسلام وأهله ونبيه ، ثم جاءت الحروب الطويلة بين الأتراك والأوربيين ، فزادت الهوة عمقا حتى لتستطيع أن نقول إن الأجهال إذ ذاك قد توارثت سوء الظن بالأسلام وبالنبي ، ولا أدل على ذلك من أن القرآن ظل مجهولا لديهم قرونا عدة ، وقد تعمدت الكنيسة الكاثوليكية هذا الجهل بل التجاهل ، وقد أمرت باحراق طبعة البندقية للقرآن سنة ١٥٣٠ ، كما حرم البابا إسكندري طبع القرآن أو ترجمته ؛ ولهذا جاءت كل التراجم التي خلفها لنا القرنان السادس عشر والسابع عشر وقد ألحق بها مترجموها - دفاعا عن عقيدتهم ، أو خوفا علي حياتهم - ردا علي كتابنا الكريم ؛ ثم سار الزمن سيرته وأخذ هذا التعصب الظالم بتبدد شيئا فشيئا ، كما أخذت الخرافات التي ملأت العقول عن نبينا تساقط الواحدة تلو الأخرى ، وكان للعالم الهولندي ريلاند Reland في ذلك فضل السبق ، وجاء المستشرق الفرنسي جانبه ( فكتب سنة ١٧٣٢ كتابه " تاريخ محمد " معتمدا فيه على وثائق جديدة بالنسبة لأوربا ، وتلته مؤلفات جورج سال  Q Sale وبولا ثعلبه Bolliainvlies التي ذهبت إلي أبعد مما ذهب إليه كتاب جانبيه في إنصاف نبينا ؛ فقدمه هؤلاء المؤلفون إلي جمهور القراء كرجل

أمن بالتوحيد ، وناطت به العناية الإلهية نشر هذا التوحيد في العالم الاسلامي الواسع الذي امتد من الهند إلي أسبانيا ؛ وبالرغم من معارضة الكنيسة لهذا الرأي أخذ ينتشر بين الجمهور ، حتى لنري الكثيرين من كبار المفكرين كلبينز  Leibiz " وجونشد Cottssghed ولسنج Lessing 18428 يأخذون به

وهكذا انتهي الأوربيون إلي التسليم لمحمد بصدق الإيمان وصدق الرسالة ، حتى إن الأحرار من مفكريهم امثال فولتير Voltaire - ممن تنكروا لكل الرسل وانكروا كل وحي - لم يستطيعوا أن يغمطوا نبينا كل حقه

في ذلك الوقت جاء جبيته وقد ظهرت ترجمة مرجران كما ذكرنا وترجمة بويسين Boysenسنة ١٧٧٣ ثم الجزءان الأولان من تاريخ محمد لتبربين Tupianسنة ١٧٧٣ ، فرأي الشاعر في نبينا رسولا صادقا وروحا كبيرا . ورأي في حياته موضوعا لمسرحية كتب القليل منها ثم لم يتمها ، كما فعل غير مرة أيام شبابه ، ولكنا نملك هيكل الرواية كما حدثنا عنه آخر حياته في كتابه " الحقيقة والشعر " . - تبدأ الرواية بنشيد يتغني . محمد وحيدا في ظلام الليل تحت السماء الساجية . ويأخذ في عبادة النحوم المتعددة تعدد الآلهة يرتفع النجم " المشتري " فيخصه بالدعاء على أنه رب للنجوم ، ثم يظهر القمر فيخلب بصره وقلبه ، ولكن ما إن تبزع الشمس حتى تتجدد حياته ويلهب إحساسه فيتجه إليها بدعاء جديد ؟ إلا أن قلبه بالرغم من روعة هذا النشيد الذي ينتقل من نجم إلي نجم لا يستشعر راحة الايمان ، وإذا به يسمو بروحه إلي الله الواحد الخالد الذي لا نهاية له وإليه تدين كل هذه الكائنات الرائعة بوجودها . . وهكذا وصل إلي الإيمان فحاول أن يهدي قومه وكانت زوجه أول من آمن به في غير تحفظ .

في الفصل الثاني نري عليا يحاول في حماسة ان ينشر

الايمان بين الناس ، فيلقي من البعض قبولا ومن الآخرين إعراضا تبعا لاختلاف طبائع الناس ، وانتهى الأمر بأن دب الشقاق واشتدت الخصومة فلم ير محمد بدا من الهجرة .

في الفصل الثالث يقتصر محمد علي اعدائه ، فيقيم من إيمانه ديانة عامة لها شعائرها ، كما يطهر الكعبة من الأصنام ولكنه يدرك ان القوة لا تستطيع كل شئ ، وان لا بد من سياسة الناس بالحكمة

في الفصل الرابع يواصل محمد فتوحاته وقد أصبح الدين عبادة إلهية ونظاما حكوميا مما يستلزمه ذلك من وسائل . في الفصل الخامس يعود محمد إلى نفسه فيستشعر قوة خلقه ونبل مشاعره مما يجمله موضع إعجابنا ، فيزداد إيمانه ويثبت ملكه ثم يموت .

هذه هي خطة الرواية ومن خلفها فكرة كان جيته يؤمن بها طول حياته ، وهي أن الرجل العظيم مهما كانت عظمته لا بد له من النزول إلى مستوي الناس واخذهم أحيانا مما ينبغي أن يؤخذوا من شدة ؛ ولكن ذلك لا يمكن أن يغير من طبيعة هؤلاء الأبطال الذين فطروا على النيل ، وهم لا بد عائدون إلي طبائعهم النبيلة

ونحن اليوم لاندري لم لم يتم جيته هذه الرواية ، إذ كل ما لدينا منها ثلاث قطع :

١ - أنشودة محمد التي حللها جبيته على نحو ما رأينا ، وفيها ينتهي النبي إلي الإيمان .

٢ - حوار بين محمد وحليمة يحاول فيه النبي أن يهدي حليمة إلي إيمان الجديد ولكنه لا ينجح . وتخشي عليه حليمة من انطلاقه وسط الظلام وحيدا .

٣ - قطعة غنائية ثنائية يتغني بها علي وفاطمة سماها جيته اغنية ، وهي حوار غنائي رمزى يمجد فيه على نهرا رائعا يتدفق خلال المروج والآكام ، إلى أن ينتهي إلى أبيه

المحيط ، وترد فاطمة راجية ان يتقبل هذا النهر الخير ما ينصب فيه من إخوته الروافد يقودهم إلى حيث ينتهي ؟ ومن الواضح أن النهر هنا هو محمد نفسه وان المحيط هو الإيمان بالله جلت قدرته

وأروع القطع الثلاث هو بلا ريب نشيد محمد : " لا استطيع أن أوزع بينكم ما تهتزبه به نفسى لا استطيع أن أمنح كلا منكم شعوري كاملا

" من إذا يلقي السمع إلي الدعاء ؟ من إذا يرسل البصر إلى العين الضارعة ؟ هاهو المشتري النحم الحبيب يسمو ويتألق . لتكن ربي : لتكن إلهى ! . هاهو في لطف قد استجاب . . لا تبرح : لا تبرح مالك تنحي عني بصرك ! ثم ماذا أأحببته : وها هو يتسلي موليا

" تباركت ياقمر ، يا من تهدى النجوم ، كن ربي ، كن إلهي ، أنت الذي ينير لي السبيل ، آه : لا تدعني أتخبط في الظلمات مع من ضل من بشر

" أيتها الشمس المنقدة ، إليك تفزع القلوب الحائرة ، كوني ربي ، كوني إلهي ، انت يا من ترين كل شئ ، أيها الرائعة ؛ أأنت أيضا تأفلين فتشعلني ظلمات كثيفة

" اسم أيها القلب المحب إلي الخالق ، كن ربي ، كن إلهي . أيها الحب الشامل الذي خلق الشمس والقمر والنجوم والسماء والأرض كما خلقتني ،

ومن البين أن جبيته خلع على محمد صورة إبراهيم كما صورها القرآن ، إبراهيم الذي اتجه إيمانه إلى الكوا كب ، فلما رآها تختفي تباعا سمت روحه إلى الله الساهر على كل شئ ) وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أأتخذ أصناما آلهة ؟ إني أراك وقومك في ضلال مبين - وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين فلما جن عليه الليل رأي كوكبا قال هذا ربي ، فلما أفل قال لا أحب

الآفلين فلها رأي القمر بازغا قال هذا ربي ، فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأ كونن من القوم الضالين . فلما رأي الشمس بازغة قال هذا ربي ، هذا أكبر ، فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون . إنى وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ( .

فنشيد محمد ما هو إلا صياغة شعرية لتلك الآية الكريمة ؛ ومن الثابت تاريخيا أنها مصدر جيته ، وهي من مختاراته التي أشرنا إليها

وإنه لما يدعو إلي التساؤل أن نري جبيته ينسب إلي محمد ما يعرف أن القرآن قد ذكره عن إبراهيم ، وتفسير ذلك سهل . إذ أن جيته لم يحاول فهم محمد إلا علي ضوء نفسه . وعنده أن الطبيعة هي أعمق مصادر الايمان ، ولكن لا على النحو الذي يقول به الفلاسفة والمتكلمون ، من أن المخلوق يدل على الخالق والموجودات على الله ، ولكن بوحي مباشر ، وحي تتلقاه حواسنا إذا تفتحت للعالم الخارجي على نحو ما تفتحت نفس جيته الذي يقول في كتابه " الحقيقة والشعر " - " لقد كانت البصر أهم حاسة حاولت أن أدرك بها العالم ، وقد نشأت منذ الطفولة بين المصورين فأصبحت لا أري في الأشياء غير ما تمت به إلى الفن من صلة . والآن وقد خلوت إلي نفسي وخلت بي الوحدة أحس أن تلك الهبة التي فطرت على بعضها واكتسبت بعضها الآخر قد تمكنت مني . لقد كنت أري لوحة في كل مكان يتجه إليه بصري ، وكنت أحاول دائما أن أحتفظ مما يثيرني أو يخلب لي ، كما أخذت نفسي في غير حذق بأن أصور عن الطبيعة "

وهذا ولا ريب اتجاه نفسي أبعد ما يكون من التأمل النفسي والأنطواء الداخلي للاستجمام او محاولة فهم نفوسنا بنفوسنا أو العثور على الله الذي استقر ضياؤه بكل

قلب ، وهو اتجاه جيته الذي لم تكن تحركه روح Seele - فيما يري النقاد ، بل قوة دافعة Trieb تحمله إلي العالم الخارجي ينعم بما فيه من جمال ويستشعر ما يلهمه من وحي فتأمله هو تأمل الكون لا تأمل نفسه الخاصة . منذ اقدم الازمنة والناس يقولون ويرددون ان من الواجب معرفة أنفسنا بأنفسنا . وإنه في الحق لواجب غريب ثم يستطع أحد حتى اليوم أن يحققه ، وما أظن احدا بمستطيع . وما لانسان ان يدرك من حقيقة نفسه غير اللذة أو الألم وبهما وحدهما يستبين ما خفي فيلتمس أو يتجنب ما يجب من أشياء

" الإنسان مخلوق نامض بجهل من اين أتى وإلى أين يذهب ، لا يعرف عن العالم إلا القليل ، ولا عن نفسه إلى الأقل . لست أعرف نفسي ، وليحفظني الله من

تلك المعرفة بدا يتحدث جبته إلي صديقه أكرمان  ِAckreman

وأكبر ظني أن إيمان جيته صدر عن اعتزاز قلبه لما شاهد من آيات صنع الله التي تقع عليها ابصارنا جميعا دون ان نحس عما فيها من روعة او نلقي إليها بالادله كما يقول روسو لابد لنا من فلسفة كبيرة لتلاحظ ما نراه كل يوم " .

قال جيته : " لم أبن قط تفكيري علي فكري ، قاصدا إلي ان مصدر تفكيري دائما هو ما تبعثه الحواس لا التأمل ولا العقل المجرد ، وكذلك كان إيمانه فأي غرابة إذا ان يري في محمد رجلا امن امام جلال الطبيعة ، وان ينسب إليه ما نسب القرآن إلي إبراهيم ؟

اشترك في نشرتنا البريدية