الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 339الرجوع إلى "الثقافة"

نحو التفكير القومى

Share

فى هذه الآونة التى يتعاون فيها قادة الأقطار العربية ، فى مصر والعراق والشام ، على تقريب هذه الأقطار بعضها من بعض ، أصبح على الجيل العربى الجديد ، بصورة خاصة واجب أولى هو أن يتجهوا اتجاهها صريحا حاسما نحو التفكير القومى ، فى وعى مؤمن حافز ، وأن يوضحوا فى نفوسهم وفى نفوس الناس قيمة (( القومية العربية )) كرابطة تكون الأساس الروحى - الفكرى والعاطفى - للعمل السياسى الذى يقوم به أولئك القادة .

فى مطلع القرن الماضى استيقظ العرب ، فى ظل ((محمد على )) ، يقظتهم الأخيرة . ولقد مرت بهم منذ ذلك الحين حركات وطنية تحررية مختلفة ، لم تنجح لأنها كانت محرومة من العلم والخبرة ، عاجزة عن التنظيم ، غارقة فى الأنانية ،تتصف بالأخلاص ولا تستند إلى مجموع الشعب ، وكانت إلى هذا تنقصها الفكرة الموجهة ، يعوزها المشمل الهدف . إن الجماعات التى ثارت فى أوربا عام ١٨٤٨ وما بعده ، قد استطاعت أن تنشئ فيما بعد أمما ودولا لأن الفكرة الموجهة فى ثوراتها كانت (( القومية )) وهذه الفكرة الموجهة (( القومية )) ، هى التى ندعو إليها نحن . من أجل وعى كامل ، تلتقى فيه قوى الشعب العربى وإمكانياته فى حياة حرة عزيزة ، وتعمل فاعلياته لإنشاء حضارة تقوم بقسطها من تحقيق سعادة الإنسان ورفاهه ، نحن قوميون وهذه القومية - فى الوقت الذى تحاول فيه أن تنتقل من النظر إلى العمل - يجب أن تفهم على حقيقتها : إنها ليست وهما ، إنها ليست حقدا ، إنها ليست رجعية .

قوميتنا ليست وهما . إن لكل مخلوق حى غريزة توجه خطواته أثناء السير ، فطرية حرة ، هى مظهر مباشر لاندفاعة الحياة . وهى فى منشأها صحيحة مستقيمة الاتجاه تقوده أبدا إلى حيث تحقق غايتها الأصيلة ، من بقاء الفرد

وبقاء النوع وبقاء الجماعة ، فتجعله ينتقى الغذاء المفيد ويحب المرأة ويتصف بأخلاق التعاون الاجتماعى فى أسلوب يلائم تركيبه الجسدى والنفسى . هذا الشئ الذى أدعوه بالغريزة هو إذا فى حقيقته نظرة الفرد إلى الحياة ، النظرة اللاشعورية الكائنة فى أعماق المرء . هو الحافز الحيوى الذى يدفع فى عروقنا الدم ، ويجعلنا نشعر فى ذواتنا باستقلالنا الكيانى . فإذا ما اخطأت هذه النظرة ، إذا ما تضاءل هذا الحافز ، وهنت غريزة الحياة وحصل ما يسمونه انحراف الغريزة ، وانعدم فى ذواتنا شعورنا بتوثب القوة - تلك هى قصة حياة الفرد تنطبق إلى مدى بعيد على الجماعة . .

فلكل جماعة متآلفة ، تربط بينها مزايا معينة فى وقت معين ، نظرة إلى الحياة عميقة لا شعورية ، مشتركة بينها ، خاصة بها إلى حد ما . لنا نحن العرب - مثلا - عبقرية موحدة وغريزة حيوية متميزة ، وفى قرار كل منا نظرة إلى الكون تقارب نظارة الآخر ، أنشأتها لغة واحدة وأرض مشتركة ، ويجب أن يبالى بها وأن يتخذ من إمكانياتها المشعل الهادى فى اليقظة الجديدة . وهذه (( العبقرية )) العربية ليست سرا ولاهى خرافة . هى واقع علمى لأن المساواة - فى الكيف لا فى الدرجة - بين كل الناس فى كل الأقطار . هى تجاهل لكل الاختلافات فى التاريخ والمؤهلات والأقاليم ، صحيح أن الانسان متشابه إلى حد ما فى كل مكان ، ولكن للشعب العربى - كما لغيره من الشعوب - خصائص ومزايا تنتهى به إلى عقلية مشتركة موحدة . وصحيح أن فصيلتنا ليست (( كلا )) فى ذاتها ، وأنها جزء من قضية الانسانية ، ولكنها جزء يحتاج - عدا العلاج العام - إلى علاج آخر من نوع خاص . إن كل تراب الأرض ، فى العالم ، يحتاج إلى قمح لكى ينتج قمحا ، ومع ذلك فلن تتبع فى زراعة جنوب الكون (( حرفية )) الأسلوب الذى تتبعه فى شماله ، وتظل أرضك برغم هذا جزءا من الأرض . وما نقول نحن بشيء خاص بنا ، فى الأصل ، إلا الظروف

التى نحن فيها ، هذه الظروف التى تمتاز عن غيرها باختلاف السرعة فى مجرى التاريخ فى كل حضارة على حدة .

وقوميتنا ليست حقدا ، لا تطاول عندنا ولا كبرياء يخشى شرها ، ولا احتقار لعقليات الأمم الأخرى ، ولا طموح إلى الاستعمار !! . . . فانما قضية العرب فى الوقت الحاضر قضية سياسية قبل كل شئ . وقوميتنا - سياسيا - هى توحيد لا تجزئة ، تأليف بين أجزاء لا اقتطاع من وحدة كبرى . قوميتنا تعنى وحدتنا ، وأننا شعب لا شعوب . ولكنها ليست أبدا انفصالا عن بقية الجموع الإنسانى . هى سلاح للنضال فى وجه الشهوات الاقليمية ، نحارب به لا الانسانية ، ولكن مهازل الانعزالية فى كل قطر من أقطار العرب ، والعصبيات القبلية والعشائرية . يضاف إلى هذا أننا نفرق جبدأ بين القومية كوضع نهائى منعزل أنانى ، مرتفع بوهمه فوق العالم ، سادر فى خيالات البرج العاجى ، مغلق دون حضارات الشعوب الأخرى لا يأخذ منها ولا يعطى ، وبين القومية كما نريدها نحن ، كبرنامج للعمل والتبشير ، أبدا متفتح حى ، أبدا قابل للتجدد . فانما نؤمن نحن بضرورة تكتل البشر فى قوميات متعاونة حرة ، قوميات تحتفظ كل منها بخصائصها وتنميها ، وتساهم جهودها الحرة فى رفع بناء العالم الحر وفى إحلال السلام مكان الحرب ، ولكنها لا يبتلع بعضها بعضا ولا تذوب واحدة منها فى الأخرى . نؤمن أن هذا علمى ، وتوى أن هذا واجب ، لكى تكون حضارة العالم المقبل أزهى وأخصب بالألوان .

وقوميتنا - أخيرا - ليست رجعية . لسنا رجعيين لأن الفكرة التى تدعو إليها تريد أن ترافق العالم بكل تقدميته ، مرتبطة بالأرض ، بعيدة عن رق السحر والشعوذة . لسنا رجعيين لأن الماضى العربى الذى نستمد منه قوة الحاضر ، إنما نرجع إليه لا لنقف عند جموده ، بل

لنغذيه من جديد ولنتخذ من الروح المبدعة التى كانت تسيره حافزا أوليا للنضال ، ولنزداد ثقة بمكانتنا فى تاريخ العالم ، وإيمانا بأننا أمة لها من الجد الخالى فى تأدية رسالة الحضارة ما يمهد لها المجد المقبل إننا نرفض عبودية الماضى كما هو لأننا فى إرادتنا التحرر نرفض كل العبوديات ، ومن أجل هذا لا نثور على النازية والفاشسثية وحدهما بل على كل الدكتاتوريات ، الماضية والمقبلة ، وراء أى ستار حجبت كل العبوديات ، وحتى عبودية الدم ، إن قضية قوميتنا ليست قضية دم خالص ولا خرافة عنصر متفوق . إنها لتصبح حينذاك قومية حيوانات سائمة عاشت على مرعى واحد ، ويقف بها ((الدم الخالص)) حيث بدأت لأنه لن يستطيع أن يبدع أكثر مما فيه . - لسنا رجعيين ، أخيرا ، لأن متانة قوميتنا لا تمنعها أن تكون مرنة ، تستخدم ثقافتها وحيويتها وإخلاصها لتهيئة الوطن العربى لأوضاع ما بعد الحرب ، وملائمة النظم العالمية مع الظروف الخاصة بهذا الوطن .

هذه قوميتنا واحدة من قوميات متعاونة حرة ، تنفى عن نفسها الجهل والحقد والرجعية مبدؤها يقول : فى تكوين نفسك اشترك تاريخ أمتك ، ولن تستطيع أن تهرب من نفسك ، هى شعور أساسى تدور عواطفنا من حوله ؛ ويجب ألا تظل عندنا شعورا مجردا فحسب ، بل يجب أن تتغلغل فى قرار نفوسنا ، وأن نستبينها فى كل دوافع تفكيرنا وإرادتنا ، لتصبح مصلحتها المعيار الفرد الذى نقدر  جميع القيم التى نعتنقها ، والأهداف التى نسعى إليها ، والأعمال التى نقوم بها ، ولنفهم من خلالها كل روابطنا فى الماضى الذى يحيا فينا والحاضر الذى يهىء المستقبل ، فى وعى عميق يشملها ويدفع فيها الخصب .

وإذا فالعمل على بث الوعى القومى واجب يحمله ، قبل

كل الناس ، الجيل الجديد من أبناء العرب يحملونه كمبشرين وأصحاب رسالة ، لأن شبابهم بطبيعته ينفى عنهم الجهل والحقد والرجعية . يحملونه لكى يمنعوا العمل السياسى الطيب الذى يقوم به الزعماء اليوم من أن يظل جمعها بلا روح ، لا يرتسم إلا فى نواح باهتة من صور الحياة المادية ، ولكى يوقظوا فى صدر هذه الأمة وعيها بكيانها ومكانتها . إن الامة المؤمنة بقوميتها لتؤلف بناء متين الأركان ، متسقا رائع الوحدة ، فإذا هى قوية أبدة فى تحقيقها رسالتها . لأنها تفيض على نفس الفرد قوة الملايين ، وتكسب فى نفوس الملايين قوة الأرض التى يدافعون عنها ، لأنهم دفعوا ثمنها من دمائهم ، وقوة الماضى الذى تحتفظ به هذه الأرض ويمتلئ به جوها العطر

اشترك في نشرتنا البريدية