الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 112الرجوع إلى "الرسالة"

نحو الفجر

Share

المقدمة: إن الذي يأمل للإنسانية فجراً تنجاب فيه ظلمة الضيم والشر،  يرى في فجر كل نهار رمزاً له ووعداً به؛ فيتعلل بهذا الرمز  ويتنظر إنجاز الوعد آملاً أن النومة التي يحدث فيها للإنسانية  كابوس من الأضغان والأذى والتنابذ والكيد، والاستهتار  في العبث بالحق، يكون فيها أيضاً نسيان لخصالها الوضيعة يدركها  من طريق سنة النوم فتستيقظ في خلق الحق والخير   (الناظم)

أرقتُ فطال الليل أم طال بي عمري ... كأن انجياب الليل في موعد الحشر

كأنِيَ في لج من الليل غارق ... سوى هدأة لم تُلْفَ في لجج البحر

كأني غريب من حراك لواعجي ... بِعَلِم صمت غاله الصمت من سحر

كأن غصون الدوح في حندس الدجا ... رءوس ثكالى أرسلت أسود الشَّعر

كأن النجومَ الغانياتُ تَرَهَّبَتْ ... تبيت طوال الليل تعبد في دير

أو الفلُّ مزروعاً بحقل بنفسج ... وكاللازورد الأفق رُصِّع بالدر

أو أنَّ ثقوباً في جدار زبرجد ... تَطَلَّعُ منها الغيدُ يشرِفن من خدر

أُقَلب طرفي بينها مُتَفَهِّماً ... تَفَهُّمَ معنى اللفظ في صفحة السِّفر

كأن الدجا دَيْرٌ به البدر راهب ... جميل المُحَيَّا حوله هالة الحبر

كأن صقيعاً قد كسا الأرضَ نورُه ... أو أن عليها أبيض الطُهر ما يمْرِي

كأن فراشاً أبيضاً مَدَّ نُورُه ... مهاداً لروح أو شبا كامن السحر

أما يذهل الراؤون من سحر ضوئه ... وقد تحسب الأحلام تسري وما تسري

وإن تكُ أحلام فأوهام خاشع ... عراه جلال الحسن في الليل والبدر

أيحلم هذا الدوح في سحر ضوئه ... فقد خلته من هدأة النوم في أسر

كأن حفيف الدوح أضغاث حالم ... أو أنَّ حديثاً بينه خافت السر

أدور بعيني لا أرى غير ساكن ... فأين احتيال الناس بالغدر والمكر

وأين نشاط القوم للهو والهوى ... وأين مساعي الناس في الخير والشر

ألا ليت نسياناً كذا النوم ساقياً ... يدير لهم كأساً ألذ من الخمر

لتذهلهم عن كل شر وفتنة ... فيستيقظ النُّوّامُ في خلق الطهر

خواطر آمال أُسَلِّي بها الدجا ... وتمضي مُضيَّ الليل أو طيرة الطير

فلما تَقَضَّى الليل وانجاب جنحه ... رأيت صباحاً يصبغ النبت بالتبر

تَشُوب اخْضِرَارَ الروض صفرةُ ساطع ... من الضوء مثل الغيد في حلل خُضْر

كما تينع الأثمار شاب اخضرارَها ... لدى النضج لونٌ في غلائلها الصُّفْر

كأن نبات الزهر من نبت جنة ... رمى مَلَكٌ من أفقها الأرض بالبذر

أظل وطرفي في مدى الأفق ذاهل ... أحاك عليه الفجر وشياً من السحر

ويرنو إليَّ الفجر من خلف ظلمة ... بنور كما شَفَّ الرماد عن الجمر

كأن مَماتاً في الدجا أهلك الدُّنا ... فتبعث فيها الروح في وضح الفجر

كأن كيان الكون يخلق ثانياً ... فإن انفجار الفجر كالخلق والنشر

تخال تباشير الصباح أزاهراً ... إذا ما بدت فوق الشجيرات كالنَّوْرِ

فيختلط الزهران حسناً ومنظراً ... ويزداد نِظْرُ الحسن من مشهد النِّظْرِ

تحَدِّث أنباء السماء بمشرق ... من الضوء مثل الرُّسْل تُبْعَثُ بالخير

تبادهنا منها محاسن جمة ... كما باده الأذهان من حَسَن الفكر

تفض ختام النفس عن كل ذكرة ... وكم ذِكَرٍ في الضوء والزهر والعطر

تذكرنا الآمال والحب والصِّبَى ... كأن رواء الصبح ضرب من الشِّعر

كذلك يغدو منظر الحسن ذكرة ... وخاطرة في النفس تُسعِدُ في الضُّر

وتستيقظ الأرض النَّؤوم إذا حنا الص ... باح عليها يلمس الثغر بالثغر

كما استيقظ الطرف المُغَمَّضُ بعدما ... أريق عليه ساطع من سنا البدر

تحن إليه النفس من بعد ظلمة ... فتحكي حنين الطير تهفو إلى الوكر

ترى الصبح يجلو النهر كالقين سيفه ... ويذكي الندى فوق الشجيرات كالدر

أُطِلُّ بأفكاري على النهر مثلما ... لدُنْ هدأة يحنو النبات على النهر

تصب عليه الشمس رقراق عسجد ... فيعلو لجينَ النهر نهرٌ من التبر

ترى تارة في متنه الماَء راجفاً ... كما ارتعدت أبشار غيدٍ من القُرِّ

وتحسب أن النهر يشعر بالذي ... يعالج من حالَيْه في القر والحر

ترى النهر مثل العين سحراً وبهجة ... ويُمْلأُ مثل العين بالصُّورِ الكُثْرِ

يبوح بسر الحسن لونٌ مجدد ... ولولاه ما ألفيت في الكون ما يُغري

وأروعه ما كان منه فجاءةً ... فجاءة صبغ النهر من سُحُبٍ حُمْر

وليس رواء الكون في الصيف وحده ... فرب شتاء ناثر أيما ذُخر

جلال يريح النفس من بعد رونق ... نصيبك من سحرين في الحر والقر

على أن ذكرى الصيف فيه جلية ... ففي النهر من ذِكرٍ وفي الروض من ذكر

وقد يحلم المحروم باليسر واللهى ... كذلك حلم الأرض بالصيف واليسر

فلما تقضي الليل يحدو لواعجي ... وذكرى طيور الصيف تهزج في صدري

أخذت نصيباً من جَدَى الفجر وافراً ... فنهنهت آلامي وأرخيت من صبري

وأملت للدنيا صباحاً مؤجلا ... سيكشف عنها ظلمة الضيم والشر

فكل صباح رمزه ومثاله ... ووعد به يحدو إلى الزمن النضر

نسر بنعماه وإن لم تكن لنا ... وننشده فيما يكون من الدهر

اشترك في نشرتنا البريدية