عوامل الوحدة كلها متوفرة فى الأقطار العربية . والشعب العربى يشعر بأن مستقبله ، كأمة لها من المكانة بين الأمم ما يليق بماضيها ، متوقف على تحقيق هذه الوحدة ، ولذا فهو راغب فيها ، ويود لو يعمل بجد إلى تحقيقها . ولكن نرى أنه لم يتم عمل جدى فى هذا السبيل ، وأن معظم قادة الفكر منصرفون إلى أمور لا قيمة حيوية لها إذا هى قيست بهذا الأمر الهام ، الذى يتوقف عليه مصير أمة بكاملها . فهى إما أن تبقى مفككة العرى ،
مجزأة الأقسام ، ضعيفة الجانب ، إن بقيت على ما هى عليه اليوم ، وإما أن تصبح أمة كبيرة قوية ، ذات مكانة دولية ، تلعب الدور الذى لها فى تاريخ العالم ،
وتساهم بالنصيب الذى عليها فى المدنية . ونرى العدد الأكبر من رجال السياسة صارفين قواهم فى الأمور الحزبية ، فى محاربة بعضهم بعضا ، والسعى فى تقلب الواحد على الآخر ، فى هذه الأمور المحلية المجردة ، والنواحى النفسية الشخصية المحصنة . وهذا هو السبب فى ضيق المجال الذى يعمل فيه رجال السياسة فى البلاد العربية ، وفى أنهم لا يعرفون ولا يهتم بهم إذا خرجوا من دائرتهم وولجوا دوائر أخرى فى القطر نفسه ، أو ذهبوا إلى قطر آخر من الأقطار العربية . ومن المؤسف أنه لم يظهر حتى الآن من رجال السياسة فى الأقطار العربية من هو عربى بالمعنى العام ، له مكانة وكلمة مسموعة فى جميع البلاد العربية ، نعم إنه لمن المؤسف أنه لم يظهر مثل هذا القائد السياسى ، فى حين أن الأقطار العربية التى هى وطن واحد للشعب
العربى ، فى حاجة إليه ، وفى حين أن أوربا المؤلفة من أوطان مختلفة لشعوب وعناصر مختلفة ، قد ظهر فيها رجال أوربيون بالمعنى السياسى العام ، يعملون لخير أوربا وعظمتها ، كما يعملون لخير بلادهم وعظمتها ، فدعوا " بفلان الأوربى بدلا من " فلان الفرنسى أو البريطانى " . ومن هؤلاء كان أرستيدبريان . ولكن هى العظمة الشخصية ، والسمو الفكرى ، والعلو النفسانى ، وميزات أخرى ،
قد حررت هؤلاء الرجال من القيود المحلية ، وجعلتهم يعملون للدولية الأوربية ، ورفعتهم إلى مرتبة لا يصل إليها إلا من كان فى طبقتهم عظمة وسموا وعلوا . وهؤلاء عددهم جد قليل
فان كان هذا مسلك عدد من رجال السياسة فى أوربا المؤلفة من ممالك ودول عديدة ، وعناصر وشعوب مختلفة ، المنصهرة فى الدولة الواحدة منها عناصر شتى ، أفليس من واجب نبهاء رجال السياسة فى الأقطار العربية ، وهى بلاد واحدة لشعب واحد ، أن يتحرروا مما قيدوا به أنفسهم من قيود سياسية محلية ، فيعملوا لخير البلاد العربية وعظمتها ، ويبذلوا الجهد فى تكوين الوحدة العربية ، ورفع هذه الأمة إلى مستوى دولى رفيع ؟ .
على أنه إن حرمت البلاد العربية مثل هؤلاء الساسة ، فقد منحت رجالا عربا بالمعنى العام ، من الناحية الأدبية والفكرية ، أمثال صاحب المعالى محمد حسين هيكل باشا ، وصاحبى العزة الأستاذ أحمد أمين بك والدكتور طه حسين بك ، وغيرهم من كبار رجال الفكر والأدب فى مصر . فهؤلاء الأعلام من قادة الفكر ، ليس فى مصر وحدها ، بل فى العالم العربى أجمع ، وكل عربى يفتخر بهم ، ويسعى لرؤيتهم ، ويود التحدث معهم ، ويرغب فى الاحتفاء بهم . وما احتفاء فلسطين مثلا بمعالى هيكل باشا إلا وسيلة عبر بها عرب فلسطين عن شعورهم نحو زعيم
البلاد العربية الفكرى . أما آن الأوان أن يكون للعالم العربى كمجموع زعماء سياسيون كما له زعماء فكريون ؟
أما أن الوحدة العربية لا تزال فى خوالج النفوس ، ولم تخرج بعد إلى ميدان العمل والتنفيذ ، فيرجع إلى انهماك رجال السياسة فى المسائل الحزبية المحلية ، وعدم التفاتهم إلى النزعات السياسية السائدة فى الأقطار العربية ، وتوانيهم فى العمل على تحقيق رغائب الشعب ومآربه، وتأمين مستقبل الأمة العربية وعظمتها . أما ما يقال من أن هؤلاء الساسة لا يستطيعون العمل للوحدة العربية ، لأن الدول الأجنبية ذات المصالح تحول دون العمل من أجلها ، وتعارض فى تحقيقها ، فقول لا يتفق مع الواقع .
لقد شعرت دول الخلفاء برغائب الشعب العربى ، وعرفت الهدف الساعى الذى يرمى إليه ويود تحقيقه . علمت دول الحلفاء أن المثل الأعلى للبلاد العربية هو الاستقلال والوحدة ، للقيام بما عليها من واجب نحو المدنية ، فأدلى المستر إيدن ، وزير الخارجية البريطانية ، فى مقر رئيس البلدية فى لندن ٢٩ مايو ( إيار ) سنة ١٩٤١ ،
بتصريح خطير جاء فيه قوله : " إن كثيرين من مفكرى العرب يرغبون فى أن تتمتع الشعوب العربية بنصيب من الوحدة أكبر من النصيب الذى تتمتع به الآن . وهم يأملون منا المعاضدة فى بلوغ هذه الوحدة . ولا يجوز لنا أن نغفل أى نداء يوجهه إلينا أصدقاؤنا بهذا الصدد . ويبدو لى أن من الطبيعى ومن الحق أن تتوثق الروابط الثقافية والاقتصادية ، والروابط السياسية أيضا ، بين الأقطار العربية . وستعاضد حكومة جلالته ، معاضدة تامة ، أى مشروع ينال الموافقة العامة ، ويرمى إلى توسيع مدى الاتحاد بين الشعوب العربية " .
يلاحظ من هذا التصريح العظيم المغزى ، البعيد
المرمى ، أن الحكومة البريطانية تنتظر أن يضع العرب مشروعا يرمى إلى توسيع مدى الاتحاد بين أقطارهم ، وأن يوجهوا إليها نداء المعاضدة فى بلوغ هذه الوحدة . وبعبارة أخرى إن وضع مشروع الوحدة يقع على عاتق العرب أنفسهم ، وهذا أمر طبيعى لا غرابة فيه ، لأن الوحدة كالاستقلال تؤخذ ولا تعطى ، ولأنه ينبغى أن يكون الدافع إليها من الداخل لا من الخارج ، وأن تكون بوحى من قادة العرب أنفسهم وأن يعملوا هم على وضع أسسها وتفصيلات إنشائها . إن قول المستر إيدن أمر طبيعى يتمشى مع روح تكوين الوحدات السياسية الوطيدة الأركان . والغريب أن يختار رجال الفكر والسياسة فى العالم العربى لأنفسهم الوقوف صامتين مكتوفى الأيدى ،
فى حين أن الوقت لا يدعو إلى صمت أو سكون ، بل يوجب العمل على وضع ميثاق يتفق عليه قادة البلاد العربية ويتقدمون به متحدين قائلين : هذا هو ميثاقنا ، وهذه هى آمالنا ، وهذا ما نريد تحقيقه ، ولسنا عنه بحائدين .
نعتقد مع الكثيرين أنه قد حان الوقت لاتخاذ الخطوة الأولى نحو الوحدة العربية ، ونظن أن من الخير أن يعقد مؤتمر يضم ممثلين عن الأقطار العربية ، يتفاهمون فيه ويبحثون قضيتهم القومية الكبرى ، ويضعون ميثاق الوحدة ، على أن يحتوى هذا الميثاق على الأسس العامة للوحدة ، وأن لا يدخل فى التفرعات . ويكون هذا المؤتمر النواة لمجلس مشترك بين الأقطار العربية ، يتولى النظر فى كيفية الوحدة ، ويضع الخطط والمشروعات لتنفيذها .
وإننا نعتقد أن مركز مصر ، ومكانتها الثقافية والاجتماعية ، وموقف حكومتها السياسى ، يجعلها أليق قطر بتولى الدعوة إلى عقد مثل هذا المؤتمر ، ويجعل حكومة جلالة الملك فاروق المعظم خير حكومة تقوم بتنفيذ هذه الدعوة ، وبتحقيق غاية المؤتمر
فهل لقادة الرأى ولرجال السياسة إعارة هذا الموضوع اهتمامهم والسير نحو الغاية المنشودة ؟ .
وهناك أعمال لا تتعلق بالوحدة العربية مباشرة ، ولكن تمهد لها السبيل ، وتقوى الروابط بين الأقطار العربية ، وتساعد على نشر روح الوحدة فيها ، وإننا نذكر مجمل بعضها ، دون الدخول فى التفاصيل .
بعقد أطباء البلاد العربية مؤتمرا كل عام فى قطر من أقطار العالم العربى ، يتعارفون فيه ، ويبحثون مواضيع طبية . ولهذا المؤتمر وأمثاله فوائد جمة . ولذا يحسن الاكثار من هذه المؤتمرات ، وتوسيع دائرة أبحاثها . وليت قادة الفكر يعملون على الدعوة إلى مؤتمر ثقافى اجتماعى يعقد سنويا فى أحد الأقطار العربية ، ويجمع عددا من قادة الفكر ورجال العلم والأدب فى العالم العربى ، يبحثون فيه المشاكل العامة المشتركة بين الأقطار العربية ،
ويعرضون المشاكل الخاصة لكل منها . ومثل هذا المؤتمر يخدم القضية العربية الكبرى ، إذ يمكن رجال الفكر فى الأقطار العربية من التعاون الشخصى ، الذى عليه معول كبير فى تقوية الروابط بين البلاد العربية ، ويطرح المشاكل العربية العامة على بساط البحث للتفاهم على طرق حلها ، ويوقف المؤتمرين على المشاكل الخاصة بأى قطر من أقطارهم . ومن المفيد أيضا جمع بحوث المؤتمر فى كتاب خاص ، ليطلع الرأى العام العربى على ما دار فى المؤتمر من بحوث ، ويستفيد منها فى تفهم ما للبلاد العربية من مشاكل عامة وخاصة
ومن شأن عقد مثل هذا المؤتمر ، سنة فى واحد من الأقطار العربية ، وأخرى فى قطر آخر ، أنه يصبح وسيلة التعرف المؤتمرين على ذلك القطر ووضعيته وأحواله . ومعرفة المتعلمين من العرب للبلاد العربية معرفة حقة أمر
ضرورى للتفاهم والاشتراك فى العمل العام لصالح هذه الأقطار جميعها . وكم كان جهل المتعلمين لهذه الأقطار وأمورها المختلفة ، سببا للتباعد والتقيد بالأمور المحلية ، إذ المرء عدو ما يجهل . وإننا نرى أن تبادل الزيارات بين البلاد العربية ينبغى أن لا يقتصر على أعضاء المؤتمرات بل يجب أن تزداد هذه الزيارات عددا وشمولا ، بحيث تشمل زيارات رجال السياسة وقادة الفكر ، وزيارات الهيئات التعليمية وطلبة المدارس العليا .
ومن الأعمال المقوية للروابط بين الأقطار العربية ، تبادل مدرسى المدارس الثانوية ، وأساتذة الكليات والجامعات ، وذلك التبادل يؤدى إلى إيجاد عدد من مدرسى القطر العربى الواحد وأساتذته في المعاهد العلمية القائمة في غيره من هذه الأقطار . وقد خطا العراق الخطوة الأولى فى هذا السبيل ، فدعا المدرسين والأساتذة من مصر وبر الشام إلى التدريس فى معاهده العلمية . إن هذه الخطوة مباركة ، وإن تكن جاءت بسبب الحاجة . وكم تكون الفائدة عامة لو أن مصر وحكومات بر الشام ، تدعو المدرسين والأساتذة من الأقطار العربية الأخرى للتعليم فى معاهدها العلمية ، حتى تتاقمح أذهان الطلبة بأفكار غير الأفكار الاقليمية المفككة للأمة العربية ، المميتة لمستقبلها
أما الصحافة ، ولها سيطرة كبرى على الرأى العام ، فلم تقم بما عليها من واجب نحو الوحدة العربية . إذ أنها لم تبحث هذا الموضوع الهام بحثا مفصلا من نواحيه المختلفة ، ولم تعمل على إعداد الرأى العام لتحبيذه وتأييده والعمل لتحقيقه . وإننا نرى لزاما تشكيل هيئات أو روابط من الرجال المثقفين والشباب المتعلمين ، فى كل قطر من الأقطار العربية ، يكون من واجباتها تغذية الصحافة بمواضيع عن الوحدة العربية والدعوة إليها ، ونشر روحها
بين مختلف الطبقات ، وغرس المثل الأعلى القوى فى قلوب الشباب والناشئة
هذه الأمور وأمثالها تمهد الطريق للوحدة ، وتزيل ما فى سبيلها من العراقيل ، وتساعد رجال السياسة والفكر ، مساعدة كبيرة ، على تنفيذ المشاريع التى يضمونها لتحقيق الوحدة العربية ، وتأمين مستقبل الأمة العربية ، والوصول بها إلى المكانة التى تتناسب مع ما لها من ماض مجيد .
عرضنا فى المقالات السابقة الأمور النظرية المتعلقة
بالوحدة العربية . فتكلمنا عن الشعب العربى ، وحدود وطنه ، وذكرنا عوامل الوحدة ، وأوضحنا أنها متوفرة فى الأقطار العربية . وسنحاول فى المقالات التالية أن نعرض رأينا فيما ترمى إليه عبارة الوحدة العربية ، وكيف يجب أن تكون . على أننا نرى أن من الملائم قبل البحث فى نوع الوحدة العربية وخطوات تحقيقها ، أن نفرد مقالا لشرح أنواع الدول ، والبحث فيما إذا كان من الضرورى أن تكون الوحدة العربية على غرار نوع أو آخر من هذه الأنواع . .
( القدس)

