تتألف الأمم من عناصر وشعوب مختلفة في الأصل ولكنها تقاربت مع السنين ، وتوحدت مع الزمان . على أن تقارب الشعوب والعناصر وتأليف أمة معينة منها ذات مميزات خاصة ، لا يكون إلا بتوفير عوامل الوحدة فيها . ففرنسا مثلا وحدة سياسية ، ولشعبها مميزات خاصة
به ، مع أن البلاد الفرنسية ليست وحدة جغرافية . ونحن إذا رجعنا إلى تاريخ فرنسا رأينا ان الشعب الفرنسي تألف من شعوب مختلفة ، وعناصر شتي ، وأنه كانت لكل شعب منها لغة خاصة به. ولكن لما تقوت مقاطعة "إبل دى فرنس " ونشرت سيادتـها ولغتها شيئا فشيئا ، على المقاطعات المشكلة الآن لفرنسا ، أخذت هذه الشعوب المختلفة العناصر تتقارب ، وأصبحت تتكلم لغة واحدة ،
لغة "إبل دي فرانس " . فتوحيد اللغة في فرنسا قد كون من هذه الشعوب شعبا واحدا ، كما أن ماجريات التاريخ الذي تلا تكوين هذا الشعب ، قد كونت الأمة الفرنسية .
ففرنسا وليدة فوز تشكيلات حكومة " إبل دي فرانس " التي وحدث اللغة وماجريات التاريخ ، فأوجدت عوامل الوحدة في تكوين الأمة الفرنسية ، فالأمة هي جماعة من الناس ، لهم لغة واحدة ، ومدنية واحدة ، وميراث تاريخي
متماثل أو مشترك ، تربطهم مصالح مشتركة ، ويشعرون بالرغبة في تشكيل وحدة سياسية . فهل هذه العوامل متوفرة في البلاد العربية ؟ .
اللغة من العوامل الهامة في تكوين مصير الأمم .
فهي موحدة للأفكار ، ومقربة بين الشعوب . والأمم تتألف من شعوب هي واحدة في لغتها وثقافتها ، وما الامة المؤلفة من اكثر من شعب واحد لغة وعنصرا ، إلا شاذة عن القاعدة . وقد رأينا في المقال الأول من هذه السلسلة كيف أن الشعوب القاطنة " الوطن العربي " من أقاصي العراق حتي أقاصي مراكش، هي في واقع الحال شعب واحد ، شعب عربي لغة وثقافة ، وما الفروق
بين أجزاء هذا الشعب الواحد إلا سطحية ، تنحصر في اختلاف اللهجات العامية ، وعدد قليل من الاصطلاحات والتعبيرات الاقليمية . أما اللغة في المعنى الصحيح
فواحدة ، هي اللغة العربية الفصحي ، لغة قريش ، لغة القرآن الكريم . بها يقرأ الجميع ويكتبون
والفروق بين سكان قطر وقطر من الأقطار العربية ، أقل من الفروق بين سكان أقطار البلاد الفرنسية أو الانجليزية أو الألمانية
وهذه حقيقة ظاهرة لا تحتاج إلى تدليل .
وكما أن اللغة وآدابها يؤلفان العامل الأول في تكوين الشعوب ، فالتارخ يؤلف العامل الاكبر في تكوين الأمة . وتاريخ كل أمة بالطبع متشعب متفرع ، غير أن التاريخ الذي له التأثير في تكوين الامة هو الذي يعطى تلك الأمة لغتها وآدابها ، ويخلف لها الذكريات القومية .
فتاريخ الأمة الفرنسية لا يبدأ من تاريخ هذا الجزء من أوربا الذي يطلق عليه هذا الاسم ، اسم فرنسا ، ولا يبدأ بتاريخ السلت أو الفرنك أو الفيزيكوت ، ولا باحتلال الرومان ، وإنما يبدأ حين اخذت تتكون اللغة الفرنسية
وينشأ الشعب الفرنسي . وهذا كان في القرن التاسع علي أبعد تقدير . وكذلك تاريخ سكان شمال أفريقيا ، وبر الشام والعراق ، لا يبدأ بتاريخ هذه الأصقاع من المعمورة ، ولا بتاريخ الفراعنة أو البابليين والأشوريين ،
ولا باحتلال اليونان ، ولا باحتلال الرومان ، وإنما يبدأ بالزمن الذي أصبح فيه سكان هذه البلاد شعبا عربيا ، لغته القومية اللغة العربية ، وآدابه وثقافته الآداب العربية والثقافة العربية . فالقرون الثلاثة عشر الأخيرة .
تكون تاريخ سكان الأقطار العربية ، الذي فيه اندمجت الشعوب وتوحدت روحها وثقافتها وعاداتـها ، وصهرت آمالها
صهراَ ، وفيه نالت من السعادة مانالت ، كما قاست من الشقاء ما قاست ، وفيه لها جميعا ميراث كبير من مدنية وذكريات . وهذا الميراث هو عماد الأمة العربية إن لم نقل قوامها وكيانـها
ومن الميراث العربي الدين الاسلامي ، وقوامه الكتاب الذي انزله الله على رسوله محمد بن عبد الله القرشي . ومع أن الدين ليس من العوامل الرئيسية في تكوين الأمم ، فله في الشرق مكانة هامة ، لتغلغله في كل ناحية من نواحي ثقافتنا العربية . فالدين كعامل من عوامل
الوحدة في الوطن العربي متوفر إلي حد بعيد . حتى إن المثقفين من إخواننا المسيحيين يدرسون الدين الإسلامي ، ويدعون إخوانـهم في الدين إلي درسه والوقوف على احكامه ، لان تفهم الثقافة العربية ، سواء في الفلسفة أو العلم أو الفن ، لا يتم إلا بدرس الدين
الإسلامي وتفهم روحه ونظامه
فعامل التاريخ وميراثه في الشرق العربي متوفر التوفير كله ، كتوفر العامل اللغوي فيه . أما عامل المصالح المشتركة فيمكن النظر فيه من ناحيتين : اقتصادية وسياسية
عندما اشتدت حركة القوميات في أوائل القرن التاسع عشر ، وأخذت الأمم تتسلخ عن غاصبي حريتها ، وعملت الأقطار والشعوب على نيل وحدتـها ، كانت عوامل الوحدات السياسية مستمدة من الماضي ، وهي العنصر واللغة ، فاستقلت على هذا الأساس دول البلقان ،
وتوحدت دويـلات إيطاليا ومقاطعات ألمانيا . غير أنه اضيف إلى هذين العاملين في القرن العشرين عامل مستمد من الحاضر ، وهو المصالح الاقتصادية . ونحن إذا نظرنـا إلي الأقطار العربية تبين لنا أن اقتصادياتـها في ضعف ،
وأن منتوجاتـها لا تجد أسواقاَ رائجة ، ورأينا أن كل قطر من الأقطار العربية يقيم سدا من الضرائب يحول دون دخول منتوجات الأقطار الشقيقة ، بينما هو يبتاع هذه المنتوجات أو ما شابـهها من البلاد الأجنبية ،
والأمثلة على ذلك عديدة . فلو أن هناك وحدة بين الأقطار العربية ، وتفاهما على الأمور الاقتصادية ،
لوجدت مصر مثلا لقطنها ولمصنوعاتها اسواقاَ جديدة . ولكان على مصانع فلسطين أو مصانع غيرها من البلاد العربية ان تبتاع القطن المصري بدلا من القطن الهندي ،
وأن تستهلك السكر المصري بدلا من السكر الإيطالي أو الاميركي ، ولكانت صناعة السكر في مصر دوما في ازدهار ، بدلا من ان تكون في تأخر وإشراف على الهاوية إلا في أيام الحرب . والوحدة العربية تجعل من الأقطار العربية وحدة اقتصادية قوية الأركان ،
تستطيع الثبات أمام الهزات الاقتصادية والأزمات المالية ويتضح للعيان أن كثيرا من هذه الأقطار يعيش الآن عيشا اقتصاديا مصطنعاَ غير طبيعي بالمرة ، وان
فقر بعضها ناجم عن تجزئتها ، وعن تكوين وحدات سياسية من أقطار لا تستطيع العيش الاقتصادي منفردة .
فالمصالح الاقتصادية المشتركة بين البلاد العربية ترينا أن زوال التجزئة ، وإيجاد التفاهم ، وتكوين الوحدة ، أمور تؤدي إلي إرجاع الحياة الاقتصادية الطبيعية ، وإلى الانتعاش الاقتصادي ، الذي يتلوه رخاء ورفاهية لعموم الاقطار العربية .
وها هي الحرب الحالية التي ستقرر مصير العالم إلى الف سنة ، تفرض إضافة عامل جديد إلي عوامل تكوين الوحدات السياسية ، وهذا العامل غير مستمد من الماضي او الحاضر ، بل من المستقبل ، وهو يرمي إلي جعل الوحدات السياسية قادرة على الوقوف أمام الهزات
السياسية ، والصمود أمام الهجمات الحربية ؛ فقد برهنت هذه الحرب على ان الدول الصغيرة عامل خطر على سلام العالم ، ومنشأ للاضطرابات الدولية والحروب العالمية ، إذ هي هدف لأطماع الأقوياء وسبب للنزاع فيما بينهم ، لأنها لا تستطيع المحافظة على حيادها ، ولا تتمكن من إرغام الغير على احترام حدودها ، فمصيرها الزوال من بين الأمم المستقلة ذات السيادة القومية ، وإن بقي رسمها ظاهرا على الخرائط الجغرافية . والأمثلة الواقعية عديدة قرأنا أخبارها ، ونقرأ حوادثها في الصحف اليومية
ولإزالة هذه الأخطار تري السياسة الدولية أن السلام المقبل يقضي بإيجاد وحدة او اتحاد بين الامم الصغيرة المتجاورة ، وتكوين دولة منها منيعة الجانب ، قوية البنيان ، لا يجرؤ الطامع فيها على التعدي عليها . ولهذه الغاية يرمي ساسة البلاد الديمقراطية إلي إيجاد وحدة بين دول أوربا الشرقية ، واتحاد بين دول البلقان
فالحروب الحالية تضيف إلي عوامل مصير الأمم وتكوينها عاملا جديدا مستمدا من المستقبل ، وهو عامل المصالح المشتركة السياسية . فهل هذا العامل متوفر في البلاد العربية ؟ .
إن كل قطر من الأقطار العربية - بما فيها مصر - أضعف من أضعف بلد من البلدان الأوربية ، والأقطار العربية كانت ولا تزال مسرحا للنزاع الأجنبي ، وساحة
للقتال في سبيل الاستيلاء عليها . وطبيعي أنه لا يستطيع كل قطر منها ان يقاوم منفردا ، أو أن يصل إلي حياة الحرية ، أو يحافظ عليها . أما تفاهم هذه الأقطار واتحادها على أي شكل من الأشكال ، وتقوية هذا الإتحاد مع مرور الأيام ، فأمور ترقي البلاد العربية علميا واجتماعيا واقتصاديا ، وتجعل منها أمة محترمة مؤلفة من ستين مليونا ، ووحدة سياسية لها مكانـتها بين الأمم . فعامل المصالح السياسية
المشتركة أقوي في البلاد العربية مما هو في أي مجموعة من الدول الصغري في أوربا . وهذا لأنه جاء ، في البلاد العربية ، متمما لعوامل تكوين الأمم المتوفر فيها تمام التوفر ، بينها هو في دول أوربا الشرقية ، وفي دول البلقان ، يعمل منفردا .
لا أود أن أختم هذه الكلمة دون أن أشير إلي أمرين : أولهما الوحدة الاسلامية ، وثانيهما الوحدة النيلية كثيرا ما نري بعض كبار الكتاب يمزجون بين الوحدة
العربية والوحدة الاسلامية ، ويستعملون هذين التعبيرين كأنـهما مترادفان . لقد رأينا هو عامل الوحدة العربية والبلاد التي تشملها . أما الوحدة الاسلامية فشئ آخر ، أوسع وأعم من الوحدة العربية . وهي تشمل جميع البلاد التي يدين سكانـها بالدين الاسلامي . وهذه البلاد منتشرة في القارات القديمة الثلاث ، وسكانـها يتكلمون لغات مختلفة .
ولهم عادات وذكريات تاريخية مختلفة ، ومصالحهم الاقتصادية والسياسية غير مشتركة . فعوامل الوحدة غير متوفرة فيما بينهم . ولهذا فاننا نعتقد ان الوحدة الاسلامية أمر بعيد عن المنال ويحتاج إلي عوامل غير متوفرة الآن . على أن الوحدة العربية لا تتعارض مع الشعور بالوحدة في البلاد الاسلامية ، بل هي تقوي هذا الشعور ، وتمكن
من توفيق العلاقات الثقافية الدينية معها .
أما الوحدة النيلية ، التي دعا إليها أحد رجال مصر في مقال نشر في جريدة المقطم بتاريخ ١٦ سبتمبر سنة ١٩٤١ ،
فترمي إلي إيجاد اتحاد يربط أمم وادي النيل ، ويشتمل علي مصر والسودان والحبشة وأوغندا وإريترية . ويري صاحب هذا الرأي أن الاتحاد النيلي هو الخطوة الأولى لتأليف الاتحاد العربي الذي يعقبه اتحاد شرقي يجمع بين الدول
والبلاد الإسلامية . والاتحاد النيلي هذا يفرض قيامه على أساس العامل الجغرافي ، وهو عامل لا نري له وجودا ، لأن البلاد النيلية ليست وحدة جغرافية . فالفروق الجغرافية شاسعة بين مصر والحبشة ، وبين مصر وارتيريا هذا علاوة على ان العامل الجغرافي ليس بعامل فعال في تكوين مصير الأمم وتشكيل وحدات سياسية منها . أما
عوامل الوحدة ، التى سبق ذكرها ، فمفقودة بين البلاد التي يجري فيها النيل وفروعه . وما لم تتوفر هذه العوامل يستحيل إيجاد وحدة من هذه البلاد ، أو اتحاد بينها ، مهما بذل من جهود في سبيل ذلك
نخرج من هذه الكلمة بمجمل يفيدنا أن اللغة والثقافة ، والذكريات التاريخية بما فيها من مدنية وعادات ، والمصالح المشتركة من اقتصادية وسياسية ، هي الأساس المتين في تكوين الأمة ، وخلق وحدة سياسية
منها تستطيع العيش والتقدم ، ولعب الدور الذي لها في تاريخ العالم . ونحن على يقين من ان هذه العوامل جميعها متوفرة في البلاد العربية ، ولا يعوق تحقيق الوحدة العربية غير انـهماك القادة ورجال السياسة في الأقطار العربية في المسائل الحزبية الإقليمية التي لا تعود على الأمة بفائدة . أما ما يقال من أنه ليس في الامكان تحقيق الوحدة العربية لمقاومة الدول الأجنبية ذات المصالح لها ،
فقول مخالف للواقع ، نوضح حقيقته في المقال المقبل .
( القدس )

