إن في الحقوق الدستورية من المرونة ما يبيح ان تقام الدولة الجديدة على قرار جديد يختلف عن الأنواع المعروفة حتى اليوم ، بل إن في هذه الحقوق مرونة لا نهاية لها ، تمكن من التكييف في شكل الدولة وجعله ملائمة لنفسية الشعب ، وتاريخ الأمة ، ووضع البلاد . فالبلاد العربية غير مقيدة بقبول نوع من أنواع الدول التي أوردنا موجزا لها في المقال السابق ، بل هي حرة في إيجاد ما يلائمها من نوع الدول الصالح لها . واختيار نوع الدولة يتطلب درس الوضع السياسي الحالي للبلاد العربية ، والنفسية السياسية لسكانها ، والتوفيق بين هذا الوضع وهذه النفسية من جانب وبين نوع الدولة التى يروجون من ورائها تقوية الروابط بين اقطارهم ، تقوية تؤدي مع الوقت إلى الوحدة المنشودة ، من الجانب الآخر .
وإذا نظرنا إلي البلاد العربية ، رأيناها منقسمة إلي قسمين رئيسيين : أولهما يشتمل علي طرابلس وتونس والجزائر ومراكش ، وتحكمه الدول الغربية مباشرة ، ولا يتمتع أهله بشيء من السيادة . أما الثاني فيشتمل علي مصر ،
وبر الشام ، والعراق ، والجزيرة ، وهي مستقلة بعض الاستقلال ، والسيادة القومية فيها على درجات متفاوتة فمصر مستقلة تربطها مع بريطانيا معاهدة ، وكذلك العراق . أما الجزيرة فهي منقسمة إلي قسمين رئيسيين : أحدهما نجد والحجاز ، والآخر اليمن ، والسيادة في كل من القسمين عائدة إلي مليكه . غير أن إمارات الكويت والبحرين وحضر موت وهي اقاليم من الجزيرة صغيرة نسبيا ، تسودها بريطانيا . أما بر الشام فمنقسم إلى اربعة اقسام رئيسية : ففي الشمال تقع سوريا ولبنان ، وهما مستقلان
حديثا ، وتربطهما مع الفرنسيين الأحرار معاهدتان ، وفي الجنوب يقع الشرق العربي ) شرق الأردن ( وفلسطين ، تجمع بينهما انهما تحت الانتداب البريطاني ، ويختلفان في أن الأول مستقل إداريا وسيادته الخارجية بيد بريطانيا ، بينما الثاني تحكمه بريطانيا حكما مباشرا . والعرب يرمون إلي وحدة تجمع اقطار الوطن العربي ، من اقاصي العراق حتى اقاصي مراكش . غير ان الوضع السياسي القائم في طرابلس وتونس والجزائر ومراكش ، لا يمكن الآن من التفكير في ضم هذه الأقطار في مشروع الوحدة العربية
وهذا لا يعني أن هذه الأقطار أقل عروبة من غيرها ، بل إن واقع الحال يدل علي أن العروبة فيها عظيمة جدا ، ولا تقل عما هي عليه في بقية الأقطار العربية إن لم تكن تزيد ، كما أن ميلها إلي الوحدة العربية قوي جدا لا يقل عما هو عليه في بقية الأقطار . وكذلك لا يعني هذا ان تلك الأقطار ستظل بعيدة عن الوحدة ، بل إن من واجب الأقطار العربية الأخرى ، لا سيما بعد نيل وحدتها ، ان تعمل بجد وقوة علي إدخال هذه الاقطار في الوحدة العربية الكبرى . وعليه فمشروع الوحدة يشمل اليوم مصر ،
وبر الشام ، والعراق ، والجزيرة ، وكل مشروع للوحدة ينبغي ان يأخذ بعين الاعتبار وضع هذه الاقطار السياسي ، وحالات سكانها النفسية السياسية ، أي ان المشروع ينبغي ان يحقق تقوية الروابط بين هذه الاقطار ، ويجعل منها ، في بعض النواحي ، كتلة واحدة تجاه الامم الاجنبية ، مع مراعاة غيرة كل إقليم على سيادته الخاصة ، واحتفاظه بالاستقلال في معظم أموره الداخلية والخارجية .
إن نظام الاتحاد Pedtrtion هو خير أنواع الوحدة للبلاد العربية ، إذ انها تبقى بموجبه متمتعة بسيادتها الداخلية ، حاكمة نفسها ، ومدبرة شئونها كما تحب وترغب ، وبموجبه تتوحد قواها ، وتكون لها سياسة خارجية
واحدة ، فتصبح دولة واحدة كبيرة تجاه الدول الأجنبية فتصبح منيعة الجانب ، رفيعة المكانة ، ذات شأن في السياسة الدولية .
غير أن الوضع السياسي القائم في البلاد العربية لا يمكن من الوصول إلى هذه الغاية دفعة واحدة ، ولا يسهل معه التفكير الآن في وضع مشروع لنظام الاتحاد العربي ،
وذلك لأن في الأقطار العربية المستقلة ملوكا وحكومات يعز عليها أن تتنازل عن سيادتها الخارجية ، وتسلمها إلى سلطة مركزية عليا سلطة الاتحاد . ولهذا ينبغي التفكير في نظام يبقي الملوك والحكومات سيادتها الداخلية والخارجية ، ويمكنها من التفاهم على توحيد بعض امورها واعمالها . وقد رأينا ان في الامكان الاتفاق على نظام قريب من نظام التحالف Conlederation- يؤدي إلي الغاية ،
ويخطو بالحكومات العربية ، من وضعها الحالي ، إلي وضع الاتحاد الخالص ، في خطوات متعددة . وفيما يلى بعض تفاصيل هذا النظام .
تبقى الدول العربية محافظة على مالها من السيادة ، غير انها ، عملا على مصلحتها المشتركة ، تتفق فيها بينها وتتحالف على توحيد جهودها في ميادين معينة . وهذه ، الميادين هي : التعليم والتشريع ، والجمارك ، والدفاع القومي ، والسياسة الخارجية .
وللوصول إلي تنفيذ ذلك ، تشكل الدولة العربية هيئة عامة ، قد يصح أن تدعي " مجلس الدول العربية المتحالفة وتمثيلها في هذا المجلس تعتبر أربع وحدات : أولها مصر ، والثانية بر الشام ) سوريا ، لبنان ، فلسطين ، شرق الأردن ( والثالثة العراق ، والرابعة الجزيرة العربية
ويكون لكل وحدة في مجلس الدول العربية المتحالفة عدد متساو من المبعوثين المطلقي الصلاحية . ويحسن ان يكون عدد مبعوثي كل وحدة خمسة ، وعليه يكون المجلس ، مؤلفا من عشرين مبعوثا ، تعينهم حكومات الدول المتحالفة ، وتكون
عضوية كل منهم خمس سنوات ويتجدد خمسهم كل سنة
وللوصول إلي تكوين وحدة من بر الشام ، المجزأ الآن إلي أربع دول وحكومات ، يشكل من هذه الدول والحكومات اتحاد يدعي " الاتحاد السوري " وحكومة الاتحاد المركزية هذه تمثل وحدة بر الشام في التحالف العربي .
ويكون لمجلس الدول العربية المتحالفة مقر دائم في إحدى المدن المتوسطة بين الأقطار العربية ، على أن لا تكون إحدي عواصم هذه الأقطار . ويكون له رئيس من أعضائه ، ينتخب كل سنة مرة ، على ان يترأس المجلس أحد أعضاء كل وحدة من الوحدات الأنفة الذكر بالتوالي . ولا يكون للرئيس صلاحيات سياسية خاصة ، بل يكون مركزه شرعيا ، وتنحصر مهمته في إدارة الجلسات . وطبيعي أن يكون للمجلس سكرتيرون ومكاتب خاصة حسبما تقتضي الأحوال .
أما صلاحيات هذا المجلس فتتناول التعليم ، والتشريع ) المدنى والجزائي والتجاري ( والجمارك ، والدفاع القومي ، والسياسة الخارجية :
إن توحيد التعليم في البلاد العربية أمر حيوي لا بد منه ، سواء تمت الوحدة العربية أم لم تتم ؛ إذ أن اختلاف مناهج التعليم في البلاد العربية يعدد المشارب ، ويباعد بينها . أما توحيد التعليم فيساعد علي التفاهم ، ويجعل للبلاد العربية روحا ثقافية واحدة . ولذا فلا غرابة ان يهتم مجلس الدول العربية المتحالفة بالتعليم ويعلي بتوحيده ، ويجعل هذا من طلائع أعماله .
وتوحيد التشريع ، لا سيما المدني والجزائي والتجاري منه ، مزيل لهذه الفوارق القانونية الموجودة الآن بين البلاد العربية . وتوحيد هذا النوع من التشريع هين سهل لأن له في جميع البلاد العربية أسسا واحدة ، وهي الشرع الإسلامي مشفوعا بالاجتهاد . وإننا على يقين من أن الشرع
الاسلامي ، إن فهم على حقيقته ، وعمل بطرق التشريع فيه ، وهي لا تتقيد بشيء سوي العقل ومصلحة الجماعة - أمكنه الاتيان بقوانين تتلاءم التلاؤم كله مع مقتضيات العصر الحديث ، مع المحافظة على المبادئ الحقيقية القويمة التي جاء بها الدين الحنيف . لقد عللوا جواز النسخ بأن المصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات . فإذا كانت المصلحة تختلف في الوقت القصير أيام النبي العظيم ، أفلا يجوز أن تختلف علي مر السنين والدهور التي تعاقبت منذ ذلك التاريخ ! . بلى وعليه ألا يجب أن يكون باب الاجتهاد مفتوحا على مصراعيه في وضع القوانين التي تلائم العصر الحاضر ، دون أن تتضارب مع الشرع الحنيف ؟ . وتعتقد ان لا غضاضة على الدول العربية إذا هي مهدت إلى مجلس الدول العربية المتحالفة ، بوضع تشريع عام فيما ذكرنا من المواضيع ، على أن تحتفظ هذه الدول بما لها من حق في التشريع في القوانين الآخري ، لا سيما المالية منها .
والوضع الاقتصادي في معظم الأقطار العربية ، إن لم يكن فيها أجمع ، غير طبيعي . والحواجز الجمركية بين هذه الأقطار ضارة باقتصادياتها ضررا عظيما. والأمور الاقتصادية تتطلب درسا علميا عميقا منظما ، وتسوية منطوية علي الحصافة وبعد النظر والجمع بين مختلف المصالح . فمجلس الدول المتحالفة يتمكن من درس هذه الامور وإيجاد حل لها في مصلحة الجميع .
أما قوي الدفاع القوي ، من برية وبحرية وجوية ، فتبقى تحت إمرة وإدارة الدول المتحالفة كل ضمن دائرتها . على ان يكون " للمجلس " حق تنسيق هذه القوى ، بمعني أنه يعين الحد الأدنى الذي ينبغي أن تكون عليه في كل دولة ، ويوصي بأن تأخذ كلها بنظام واحد للتدريب وانواع واحدة من المعدات . ونري من الخير ان يكون بجانب مجلس الدول العربية المتحالفة " هيئة أركان حرب عليا مشتركة " تشرف بصورة عامة على القوي الدفاعية للدول المتحالفة ،
ويكون وضعها من هذه الدول مماثلا لوضع ) هيئة اركان حرب الحلفاء أثناء الحرب الفائتة . على أن تقدم الهيئة الحربية العليا المشتركة تقاريرها وإرشادها إلى مجلس الدول العربية المتحالفة ، وهو بدوره يتصل بدول التحالف وحين وقوع اعتداء علي إحدي هذه الدول ، يقرر المجلس ما ينبغي عمله ، وتلبي الدول المتحالفة طلبه ، لأنه ممثلي لها ، ساهم على سلامتها ، وتتولي تنفيذ مقرراته هيئة اركان الحرب العليا المشتركة .
أما السياسة الخارجية والتمثيل الديبلوماسي ، فيبقيان ايضا من صلاحيات الدول المتحالفة منفردة ، على أن لا تتعدى هذه الدول بسياستها الخارجية الأسس الرئيسية التي تتفق عليها ضمن التحالف . وللاقتصاد في تكاليف التمثيل الدبيلوماسي والقنصلي الباهظة يستحسن أن يقوم ممثلو إحدي هذه الدول في بعص البلدان بتمثيل دولة أو أكثر من الدول المتحالفة . فتقوم مثلا سفارة مصر في واشنطون بتمثيل العراق والجزيرة ، وتقوم سفارة العراق في طهران بتمثيل مصر والجزيرة ، كما تقوم سفارة الجزيرة في موسكو بتمثيل مصر والعراق ، وهلم جرا .
علاوة علي هذه الصلاحيات التي يمكن أن تنقص أو تزيد ، يستحسن أن تحمل جوازات السفر في جميع الدول المتحالفة في القسم العلوي من وجه الجواز اسم ) التحالف العربي ( وفي وسطه اسم الدولة التي ينتمى إليها صاحب جواز السفر . وبهذه الصورة يشعر كل عربي ان له وطنين : احدهما عام هو ) الوطن العربي ( ، والآخر خاص وهو القطر الذي ولد ويفطن فيه كما أن من المفيد ان توحد العملة في البلاد العربية على أن يبدأ بتوحيد قيمتها . والمراد بذلك إبقاء أسمائها كما هي وتوحيد قيمتها فقط . فالجنيه المصري يبقى جنيها مصريا . والدينار العراقي يبقى دينارا عراقيا الخ ، على ان تكون قيمة الجنيه المصري والدينار العراقي واجزائهما من قروش وملالم وفلوس متساوية .
مما لا ريب فيه أن في الإمكان تحقيق الوحدة العربية بأشكال مختلفة . وفي اعتقادنا أن ما عرضناه في هذا المقال هو أحد هذه الأشكال الملائمة لوضع الأقطار العربية ، وللنزعات السياسية السائدة فيها . ومتى توحدت الثقافة في الأقطار العربية ، وتقوت الروح القومية العربية فيها ، يتحول هذا الشكل من التحالف إلي اتحاد خالص ، يمكن البلاد العربية من الوقوف مع الدول الكبرى ، على قدم المساواة ، ومن لعب الدور الذي لها في تاريخ العالم ، وفي تقدم المدنية
وإنه برغم ما نحن عليه من تفاؤل بمستقبل العرب ، ومن يقين بأن الوحدة العربية لابد آتية ، ومن ان ما عرضناه من شكل لها ، بسيط سهل التحقيق في القريب العاجل ، إن حسنت النية وقويت العزيمة - نري ان من الخير الشروع بتوحيد الثقافة في البلاد العربية ، والاتفاق على الأمور الاقتصادية ، والوصول إلي ذلك لا يتطلب بحث الوحدة وشكلها ، بل يكون في الواقع الخطوة الأولى لتحقيقها . وهذا ما نتناول بحثه في المقال المقبل والأخير . .
) القدس (
