استيقظ العرب أوائل القرن التاسع عشر ، وانتبهوا إلى أنهم أمة لها ماض مجيد ، لعبت في تاريخ المدنية دورا هاما ، فنمت فيهم الروح الاستقلالية ، وأخذت تتقوى وتعظم ، وأضحوا يطمحون إلى نيل حقهم الطبيعى من الحرية ، وأخذوا يعملون على جمع صفوفهم وتوحيد أقطارهم لإعادة ما كان لهم منك عظيم وشأن رفيع ، ومكانة سامية بين الأمم فأجريت محاولات لتحقيق ذلك ، كانت أولاها حركة محمد على الكبير ، مؤسس
العائلة المالكة فى الديار المصرية . ولما حالت دون هذه عوامل خارجية ، واضطر إلى الاكتفاء بملك مصر ، ظلت الروح الاستقلالية العربية مشتعلة ، ولكن كامنة ، إلى أن ظهرت بشدة فى الثورة العربية الكبرى ، خلال الحرب العامة السابقة ، على يد الشريف حسين ، جد المائلة المالكه في البلاد العراقية .
نال العرب من هذه الثورة بعض حقوقهم ، غير أنهم لم يصلوا إلي هدفهم ، ولم يحققوا غايتهم ، إذ ظلت
البلاد العربية متفرقة إلى أقطار ، لا سياسة عامة تربط مصالحها المشتركة ، ولا علاقات تمكن من توحيد نظمها وأمورها الهامة ، لتبقى الشعوب العربية واحدة فى نظمها الرئيسية وثقافتها العامة . وللخروج من هذا الموقف والسير نحو الهدف الرفيع ، دعا رجالات العرب فى أوقات مختلفة إلى الوحدة العربية ، بعضهم بعقله ،
وبعضهم بمعاطفته ، وكادوا إلى العمل لتحقيقها ، إذ لا أهمية للعرب من دونها ، ولا مكان لهم شريفا على الأرض دون الوصول إليها
على أن من يقيمون قاعدة ( خالف تعرف ) ومن أثرت فيهم الدعاية الاقليمية الأجنبية المصدر من غير أن يشعروا ، قاموا ينادون بالأقليمية ، ويدعون بأن الوحدة العربية ، مهما كان نوعها ضرب من المحال ، لا فائدة منها ترجى ولا مصلحة تتوحى ، وعدد هؤلاء - ولله الحمد - جد قليل .
وبما أن هذا الموضوع من المواضيع الحيوية الهامة لجميع البلاد العربية ، وبما ان ما قيل فيه لم يكن جامعا لنواحيه المختلفة ، وبما أن الطرف بوجب الاكثار من القول فيه ، فاننى احاول بحثه بإيجاز . وهذا البحث يقودنا إلى تحديد الشعب العربى ، ويؤدى بنا إلى معرفة موقف مصر من البلاد العربية ، وإلى بيان عوامل الوحدة ، ويحملنا على ذكر أنواع الدول ، وبالتالى يقودنا إلى تحليل الوحدة العربية ، وما يفهم منها ، وكيف تكون وإننا نقتصر في هذا المقال على التعرف على الشعب العربى ، ونتناول النقاط الآخرى من البحث فى مقالات متتالية .
هذا ، على أننى لا أدعى إبقاء موضوع الوحدة العربية حقه من البحث . وكل ما ابتغيه من هذه الفصول هو إثارته ، وإعطاء فكرة عامة شاملة عنه .
وإذا حملت هذه الفصول بعض رجال العلم وقادة الفكر ، على تناول الوحدة العربية بأبحاث علمية مفصلة دقيقة . تكون قد أنتجت ما أبتغى منها ، وأكون قد نلت السعادة التى يشعر بها من يتوفق فى القيام ببعض الواجب الوطنى المترتب عليه .
إن تحديد الشعب العربى بتطلب قبل كل شئ معرفة بلاده . فبلاد العرب قبل الاسلام كانت جزيرة العرب المحدودة شرقا بخليج فارس وبلاد إيران ، وغربا بالبحر الأحمر وصحراء سيناء ، وجنوبا ببحر العرب ، وشمالا بجبال طورس والبحر الأبيض المتوسط ، فالعراق وير الشام المجزأ الآن إلى سوريا ولبنان وفلسطين وشرق الاردن ، ليسا سوى جزء من بلاد العرب قبل الإسلام .
جاء الاسلام فوحد بين صفوف العرب ، وأوجد منهم قوة دافعة لا تغلب . فخرجت جيوشهم من رجال ونساء من قلب الجزيرة ، فأعادت إليها ما كان قد احتله الروم والفرس منها ، أعادت إليها بر الشام والعراق . ثم وجدت هذه القوة الدافعة أن الجزيرة لا تكفى مجالا لحيويتها ،
فخرجت منها ، مشرقة ومغربة ، سارت شرقا حتى نهر السند فى الهند ، وبلغت كشغر فى الصين ، وسارت غربا حتى المحيط الاطلنطي ، ووصلت نور فى فرنسا . على أن العرب نشروا الاسلام فيما فتحوا من بلاد أسيا وأبقوا على ما فيها من لغات ، واضطروا إلى الانسحاب من جنوب فرنسا ، والى الخروج من الأندلس ، التى استوطنوها خلال ثمانية قرون ، وأسسوا فيها ملكا شامخا ومدنية زاهرة ، وجعلوا منها منارة العلم والعرفان ، غير أنهم ظلوا مقيمين فى بقية الأقطار حتى اليوم .
فتح العرب مصر وطرابلس وتونس والجزائر ومراكش ، واتخذوا منها موطنا لهم غير موطنهم الأول
هم وذريتهم من بعدهم ، وصبغوا هذه البلاد بالصبغة العربية الثابتة ، وأصبح من فيها عربا ، لغة وثقافة - بكل ما فى الكلمة من معنى - ودما إلى حد ليس بقليل . وأخذ العرب ، عرب الجزيرة وعرب شمال أفريقيا ، ينتقلون خلال الثلاثة عشر قرنا الأخيرة من قسم إلى آخر من هذا الوطن الشاسع ، من الجزيرة إلى شمال أفريقيا ومن شمال أفريقيا إلي الجزيرة ، فامتزجت القبائل واختلطت المائلات ، حتى صارت بلاد العرب هي الجزيره بحدودها السالفة الذكر مضافا إليها شمال أفريقيا .
والشعب العربى يتألف من سكان البلاد العربية ، ممن كانت لغتهم القومية اللغة العربية ، فسكان جزيرة العرب ، بما فيها العراق و بر الشام ، وسكان مصر وطرابلس وتونس والجزائر ومراكش ، هم الشعب العربى ، إذ أن لغتهم القومية هى اللغة العربية ، بها يتفاهمون وبها يعربون عن أفكارهم وعواطفهم ، وبها يقرأون ما دون أجدادهم من علم وما أحسوا من عاطفة . فالشعب هو جماعة من الناس لغتهم وآدابهم وثقافتهم واحدة .
وأدب الشعب العربى وثقافته هو الأدب العربى والثقافة العربية . وإنك لواجد في كل قطر من الأقطار العربية أن الأدب القومى فيه هو الأدب العربى ، منه يستقى الشعب عواطفه الأدبية ، وبه يتمتع بهجة الحياة . وإنك لواجد أيضا في كل قطر من الأقطار العربية أدبا وشعرا وفنا مما يفتتجه أدباء الأقطار العربية الأخرى .
فاللغة العربية تقرب بين الأقطار العربية المتنائية ، وتوحد بين سكانها وتجعل منهم شعبا واحدا . وفى اعتقادنا أن من كانت لغته القومية اللغة العربية ، وكان بها يفكر وبها يعبر عن تفكيره ، وبها بدون ما يفتح من علم أو أدب فهو عربى وإن كان ابوه وأمه من جنس آخر . فالإمام
أبو حنيفة عربى صميم ، وابن المقفع عربى صميم ، وابن الرومى عربى صميم ، واحمد شوقى عربى صميم ، شأن أى عربى خلق هو واباؤه واجداده فى قلب الجزيرة ، إن لم يكن أكثر . فالعربى ليس من كان دمه عربيا خالصا ، بل من كانت لغته القومية اللغة العربية .
وكما أن اللغة وثقافتها عاملان فى تكون الشعوب ، فهما أيضا عاملان رئيسيان فى تكوين الأمم . وإننا نجد فى الأمم الأوروبية اليوم ، كثيرا من رجالاتها السياسين وقادتها المفكرين ، وكتابها القدرين من اصل اجنبى . غير انهم يعتبرون بحق من أخلص أبناء الأمة التى يعيشون بين ظهرانها ، وذلك لأسباب : اهمها ان لغتهم لغة تلك الأمة ، وثقافتهم ثقافة ذلك الشعب . والأمثلة على ذلك عديدة نكتفي بذكر القليل منها .
ففى انكلترا نرى أن أصل الأستاذ هارولد لاسكى ، أستاذ العلوم السياسية فى جامعة لندن ، من أوربا الشرقية ، غير أن ذلك لم يمنعه من ان يكون انكليزيا صميما ، ومن أن يكون القائد الفكرى لحزب العمال ، ثانى حزب فى البلاد الانكليزية ، ومن أن يكون كاتبا انجليزيا كبيرا . وأصل لاسكى لم يمنع الإنجليز من الافتخار به ، ولا الحكومة البريطانية من الأخذ بآرائه فى كثير من الأحيان .
وليون بلوم فى فرنسا ، من أصل أجنبى ، غير أن ذلك لم يمنعه من أن يكون من كبار رجالات فرنسا الذين لعبوا دورا هاما فى تاريخ الأمة الفرنسية خلال القرن العشرين . لم يمنع ليون بلوم دمه وأصله من ان يكون زعيم الحزب الاشتراكى ، الذى كان في الدورة التشريعية الأخيرة ، أكبر حزب في فرنسا ، أو من أن يترأس الوزارة الفرنسية ، ويغير نظم السياسة الاجتماعية فى البلاد .
لم يمنع بلوم دمه وأصله من أن يكون كاتبا فرنسيا
كبيرا ، وأدبيا عظيما ، عظيم الأثر فى أفكار الشباب الفرنسى ، عاملا على توجيهه إلى ما يريد .
وأندرية موروا الكاتب الفرنسى الشهير أجنبى الأصل أيضا . غير أن ذلك لم يقلل من فرنسيته ، ولم يمنعه من أن يكون من كبار كتاب فرنسا ومفكريها ، ولم يحل بينه وبين عضوية المجمع العلمى الفرنسى ، وان يصبح بين الأربعين من علمائه الأعلام .
على أنه ربما يخيل للبعض بأن اللغة ليست شرطا فى تكوين مصير الأمم . ويستدلون على صواب رأيهم ببلجيكا وسويسرا .
نعم يتكلم النصف من سكان بلجيكا اللغة الفرنسية والنصف الآخر الفلمنكية كما أن سكان سويسرا ينقسمون إلى ثلاثة أقسام ؛ قسم يتكلم الفرنسية ، وثان يتكلم الألمانية ، وثالث يتكلم الإيطالية . واتحاد كل فريق من هؤلاء ، سواء فى بلجيكا او سويسرا ، مع ابناء لغته ,
يوجب تقسيم هذين البلدين . غير أن موانع كثيرة وصعوبات عديدة ، جغرافية واقتصادية وسياسية ، تحول دون هذا التقسيم ، والمقام لا يتسع لبيانها وتحليلها ؛ ومع ذلك فقد أدت حرب ١٩١٤ إلى حدوث اختلافات خطيرة فى سويسرا بين المقاطعات الألمانية اللغة وبين المقاطعات الفرنسية والأيطالية اللغة ، كادت تؤدى إلى انقسام سويسرا وتجزئتها .
ولقد كان قبل الحرب العامة السابقة امبراطوربات واسعة لا تربط أجزاءها لغة قومية واحدة ، بل لكل قسم منها لغته القومية الخاصة . نذكر منها الامبراطورية النمساوية والامبراطورية العثمانية . فلما اكتوت هذه الامبراطوربات نيران الحرب خرجت منها مجزأة إلى دول وممالك ، حسب اللغة التى يتكلمها سكان كل جزء . ومن أكبر الانتقادات التى وجهت إلى معاهدة فرساى ، أنها
لم تراع تمام المراعاة لغة السكان فى تقسيم البلدان ، فتركت أقليات فى بعض الممالك ، مما أدى فيها بعد إلى الاضطراب الداخلى الذي اتخذته بعض الدول ذريعة إلى التدخل في شئون غيرها ، ووسيلة إلى التهديد وإعلان الحرب الحالية ، للوصول إلى مآربها الاستعمارية . وكما أن اللغة كانت سببا في يجزئه بعض الامبراطوريات ، فقد كانت أيضا سببا قويا فى توحيد أطراف امبراطوريات اخرى وتقريب الدول بعضها من بعض .
فهذا نظام الدومنبون البريطانى تربط أواصره اللغة الانكليزية . فلو كان لكل دومنيون فى الامبراطورية البريطانية لغة قومية غير اللغة الانكليزية ، ما كانت ملتحمة الأجزاء متماسكة الأطراف كما هو اليوم ، وما هب كل جزء منها للدفاع عن الآخر بكل ما أوتى من قوة وعن طيبة خاطر . واللغة الانكليزية من اهم العوامل التى تقرب بين يريطانيا والولايات المتحدة . وليس بغريب أن نرى بعد الحرب الحالية ، أن هذين البلدين قد ارتبطا روابط سياسية تقرب بينهما ، وتوحد بين قواهما الدفاعية .
وقصارى القول لقد وسع الفتح العربى رقعة الوطن العربى ، فبعد أن كان مقصورا على الجزيرة العربية ، بما فيها العراق وبر الشام ، أصبح شاملا تلك البلاد وشمال أفريقيا الذى يضم مصر وطرابلس وتونس والجزائر ومراكش . وهذا الفتح أدمج سكان هذه البلاد بالعرب ، وجعل منهم شعبا واحدا ، لغته اللغة العربية وثقافته الثقافة العربية . وكما ان اللغة مكونة للشعوب ، فهى أيضا عامل هام فى تكوين الأمم . فما هو مركز مصر من الوطن العربى ؟ وما هو رأى قادتها فى الوحدة العربية ؟ هذا ما نعرضه فى المقال المقبل .
( القدس )

