الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 400الرجوع إلى "الثقافة"

نداء . . .

Share

      اهتزت ارجاء السفينة لو كسلي هول فى أعماق الليل ،   وكانت ضربة الطور بيد الذى أصابها من العنف حتى لكان   أركانها قد تأودت واتخلعت .

     وكانت أليس كارى - أو " الأم كارى " كما يسميها   البحارة لا تزال فى قرئها لا يطاوعها النوم ، وكانت محدق   فى صورة زوجها وابنيها . لقد ناداهم البحر وناداهم الوطن   قلبوا النداء جنوداً بواسل . لم يبق لها منهم إلا هذه الصورة   الحبيبة تنطق وجوههم فيها بأيل آيات التضحية والفداء ،   ثم ذكراهم التى ما يرحت تؤنس وحشتها بعد هذا الغياب   الطويل  . . .

   قالت تحدث نفسها : إني لأبغض البحر . . إنه   ليخيل إلى أن هذه آخر رحلة أطرف بـها البحار وأرعى   شؤون رجاله . لقد سئمت هذه الحياة وسئمت العيش فى   ظالها ، فمتى .  . حتى آوى  إلى كوخ يعصمنى ؟ .

    وسمعت عند ذلك ضربة السفينة التى اهتزت لهيباً   ارجاوها ثم أبواق الخطر تنطلق تنذر بأرهب ما تسمعه   الأذن . وإذا الأقدام تغدو وتروح فى اضطراب وفوضى   فهمت  من مناجاتها إلى سطح السفينة فسمعت صوتا   جهورياً بنادى : الجميع يغادر السفينة .

     وعرفت نهايتها . . إن شيطان البحر يدعوها إليه   اليوم دعوته لرجالها منذ أمس الذاهب .

    لقد عاصرت حرباً فى صدر أيامها منذ نيف وعشرين   عاماً . وها هى ذى تشهد الآخر وقد بدأ الشعر الابيض   بغرو فوديها بعد إذ تصرع حبل الشباب وولى ربيع العمر .

      وأقبل عليها شبح فى حلكة هذا الليل والفوضى   الضاربة ، فصاح بها : " أليس " وكان صوت القبطان .  واهتزت نفسها عند سماعها ذلك الصوت رغم هذه اللحظة   الحرجة الدقيقة . فإنه لم يكن يدعوها باسمها المجرد قبل ذلك

 قط . وإنما الفت منه أن يدعوا يمز كارى . ثم سمعته   وهو يقول : أسرعي . هيأت لك مكانا فى القارب رقم ١   لقد اصاب الاوغاد سفينتى بطوربيدهم . أسرعى . . أرجو   ذلك حظاً طيباً . وهز يدها يصافحها ثم انحني فجأة وقبلها

     لقد عرفت هذا الرجل منذ بعيد ، منذ فارقها زوجها   وابناها . وأبحرت معه . وعرفت نفسه وعرفت حفاياه .   رجل بحر وهب له كل ما يملك . حتى ابنه الواحد . ذهب   فيمن دعاهم البحر بندائه الرهيب . وها هو ذا اليوم بشعره   الأبيض إلا من بعض شعرات سود ، وهيئته التى لاتزال   تحتفظ بشئ من نضارة ذاهبة ، يخطو خطونه الأولى   نحو شتاء الأيام .  ولكنه لا زال متوثياً جم النشاط .

        قالت له : وأنت بايول . ألست بقادم معنا ؟ فقال    لها : سأنظر فى ذلك .

     وعرفت ما يعنيه بالنظر فى أمر نفسه ، عرفت أى   مصير هو سائر إليه . إنه عين المصير الذى آل إليه رجالها . .   بالهؤلاء الرجال ! إنهم لا يزالون يتمسكون برمز بطولتهم   الجوفاء . يقفون على أطراف سفنهم ثم يغيبون معها   شيئا فشيئا تحت أطباق هذا اليم العميق  .

      وغاب عنها يصدر أوامره بصوته الجهورى وسط رجاله   ونزل الجرحى ثم بقية الرجال . وأصوات اللعنة بين   ذلك يتمتم بها الجميع . وجمعت أحدهم يضحك وهو يقول   لصاحبه : " لا عليك من أمرى على أستطيع المحاولة .   فلا زالت لى ساقى واحدة صحيحة . عليك بالآخرين .   وشعرت بالفخر بغمرها   فقد رعت هؤلاء جميعاً   إنهم   ابناؤها . خاطت ثيابهم . ومرضت مريضهم . وواست   آلامهم . وأحبتهم وأحبوها  .. ثم سمعت اسمها ينادى به   الجميع : " ابن الأم كاري . أين الأم كاري ؟ " فأجابت   تهدئ من جزع سبحانهم عليها قائلة لهم : ها أنذا فى   القارب . فاطمئنوا .

     لم تكن فى القارب لقد وقفت عند حافة السفينة ولم   تغادرها . وكان كل قارب يأخذ حظه من الرجال ثم يبتعد   فى لجج اليم عن موطن الخطر . . لم يداخلها الخوف لموقفها   هذا الذى وقفته وآثرته على غيره   فقد أحبت السفينة   وابناءها من البحارة . فلن تبارحها الساعة ما ظل أحدهم   فوق سطحها . فذلك هو مكانها الذى لا ينبغى أن تكون   فى مكان غيره .

    ولمحت عند الطرف الآخر من السفينة أمام قمرة القبطان   لفافة مشتملة . إنه هناك . . أى عاصفة من الغضب سوف   يقابلها بها ؟ وإن السفينة لتتخذ طريقها إلى القاع فى هوادة   قليلا . قليلا . . أفينتظر إليها الساعة نظرته إلى مرؤوسة له .   يصدر إليها أوامره ؟ ولكن ألم ينادها منذ قليل باسمها   المجرد وقبلها ؟ لقد عرفت منذ لحظة أنها لم تكن فى عينه   مجرد مرؤوسة . بل امرأة مقبولة . محبوبة . قالت تهامس   نفسها : إنى لحمقاء . أى نفع فى هذه الأم كارى . إنها   لا تصلح إلا أن ترعى بحارة قد قسا عليهم البحر فأنضب   رقتهم وأغلظ من طباعهم . وعادت إلى نفسها تستوثنى   مما ذهبت إليه . لا إنها لا تزال جميلة . وإن هواء البحر   وضوء الشمس وكثرة الرحلة ، ثم نفس على طبعها أو ملمس   جلدها .وإنما حفظت عليها جمالا تتميزت به منذ فجر الشباب .   وهو ؟ . إنه لا يكبرها إلا بقليل من السنين رغم شعره   الأبيض الذي عدت عليه الأهوال . ولكنه لا يزال   يبدو فتياً

      أكان عجباً أن تتناولها أمثال هذه الخواطر فى ليلة   قد تكون آخر لياليها . وهذا بول كيجان يتمثل لها فى أدق   لحظة وأخطرها . ولكنها لم تستطع رغم ذلك كله دفع   هذه الخواطر عنها . فقد تولت بول بعنايتها بعد أن   نادى البحر رجالها الثلاثة .

 ومضت إليه فى غمرته . ووقفت عند الباب ، جامدة

 لا تتحرك ولكنها ثم نجد اثراً الفافته المشتملة و نادته، فلم  تحظ بجواب لندائها . وتولاها شئ من الذعر . أترى   قد أبطأت عيناها النظر فخيل إليها أنها رأت لفافة مشتملة ؟   وهل يكون قد غادر السفينة فيمن غادرها من رجاله ،   وبقيت هى . . وحدها  !

   وجعلت تضحك ضحكات جافة يغلب عليها اليأس   ووجدت نفسها تتحرك فى بطء تحملها قدماها نحو قمرتها   نحو الوحدة الأبدية الصامتة .

      " أليس ما الذى يبقيك ههنا بحق السماء ؟ "   ذلك أول ما سمعته عند دخولها القمرة . وعلى ضوء مصباحها   الباهت رأت بول يتمض إليها . قالت له وكانه لم يروعها   بلقائه : هذا هو مكانى فما الذى تفعله أنت الساعة ؟   فأمسك بذراعها بهزها فى شئ من العنف وقال لها : أيتها   الحمقاء   ثم لانت هزته لها ثم بدأت ترق . . ثم ضمها إليه   وهو يهمس " لماذا بقيت ؟ " ورمت براسها فوق صدره   الخشن القوى . واحست بشفتيه ثلثمان شعرها فى رفق . .

قالت له : لست أدري ! يخيل إلى أن المرأة أكثر   تعلقاً من الرجل بالسفينة .

        وتراخت عند ذلك بداء وقال لها : أهى السفينة إذا؟   فأمسكت به وقالت له : لا إنه أنت .أنت بابول .    لقد رعيتك   وحوت عليك . ونظرت إليك كرجلى   الواحد فى دنياى هذه بعد وحدتى التى تعرفها .

      قال لها : ذلك ما ظننته ومن أجله حث إلي فمرنك   هذه يا أليس   لقد يكون فقدى لك أشد من فقدى   لسفينتى . . أحببت أن أكون فى آخر لحظاتى بجانبك   أو بجانب هذه الأشياء التى تحبينها!

قالت له : نعم . إنى أفضل هذه القمرة على بيت يكون   لى على الشاطئ

 قال لها : بياك ! لقد كنت أتخيلك فيه منذ حين .

 وأنت تنسجين أو تطبخين والحديقة التى تحيط به   وأشجار الفاكهة . ثم صوتك الحبيب الذى أحن إليه .   أنخيل هذا كله وأنا بجانبك . فأراء خيراً من حياة الجحيم   فوق صفحة الماء . . لكن هيا بنا فقد تستطيع النجاة   فالشاطئ ليس ببعيد هنا .

    قالت له : أرى أن تتمهل حتى تأتى النجدة ، فإنه لا يزال   بالسفينة رمق من الحياة .

 قال لها : لا أقوى على أن أخاطر بهذا الأمر   وأنت معى .

      قالت له : ولكنك كنت مخاطراً به وحدك     فاصير   ولا تعجل .

    قال لها : أما إذا أبيت . فلنتأهب . حتى إذا لم توات   الفرصة نجونا . ثم أقبل عليها فقال لها : وإذا نجونا فهل . .   ترضين بي زوجاً يا أليس ؟

  قالت له هامسة : إنها عين رغبتي بأبول . إنك لتبعث   فى حياة جديدة . لن نرى البحر بعد ذلك فقد أساء إليك   وأساء إلى وأساء إلينا جميعا . لن نعود إليه .

   وكانت السفينة مثل الجندى الباسل الذى يأتى أن   يموت ميتة سهلة رخيصة . فقد صمدت رغم جرحها الميت   للطمات المياه وشدة وطأتها . وإذا طائرة من طائرات   الدوربات الساحلية تلمحها من بعيد ، فدنت منها . وكان   ذلك بعد الفجر من أول النهار . ورآهما الطيار . فلوح لهما   ليشد من أزرهما ولو حاله . . ونظر يول إلى مجاهل هذا   الفضاء الواسع من دنيا البحر ، وقال كانه يحدث نفسه ؛  لقد ركبت هذا البحر قرابة اربعين عاماً عرفت فيها وبلانه   وأهواله . وعرضنى . . إنى أبغضه . وان أعود إليه .

   فقالت أليس كأنها تجيبه : لكأنك تعبر عن خلجات   نفسي بأيول . وان يكون سلامنا إلا فى ذلك الكوخ   الهادئ . . وانت!

       وجاءت النجدة . وإذا سفن الإنقاذ تأخذ بزمام   السفينة الجريحة نحو الشاطئ    وإذا عاصفة من الإعجاب   والتشجيع يقابل بها الأبطال الثلاثة : كارى . ويول.   والسفينة الباسلة .

    وتحقق الحلم . حلم الشيخين الذى كانا يحلمان به .   فها هو ذا الكوخ اللطيف الصغير بأوبان إليه على الشاطئ   البعيد من شواطئ الاطلنطي فى الدنيا الجديدة وها هى   ذى حديقته الجميلة ، وأشجار الفاكهة تعابث أغصانها   نوافذه البيضاء كما هب عليها النسيم ، وهذا البحر إلى   جوارهم يصبحاته ويمسيانه فتعاودهما ذكريات الماضى   القريب . إنه عين الحلم الذى كان يطوف برأسيهما فى   أحرج أوقائهما وأحبها .

   ومضت الأيام . وكانت أليس تبدو فيها شابة فى   تمهدها البيت بالنظافة والطبخ والنسج ، واغنياتها العذبة   الرقيقة ، وكان بول يعنى بالحديقة بنسقها ويتعهد أشجارها   وثمارها . وكلبه يتبعه فى سيره أو يقعى بنظار إليه صامتاً   إلا من هزات ذبله ومضت الحياة على هذه الوتيرة   ذات النغم الهادئ الوادع الرقيق . . حتى جاء يوم .

وكان يوماً صحواً رأيا فيه السفن تنتظم على مقربة من  الساحل وبينها قطع الأساطيل تحرمها كأنها الارمارا .  ووقفا بحانب بعضهما صامتين ، لا يكاد ينبس أحدهما بكلمة  يخشى معها أن يستشف منها صاحبه هذا الذى يفكر فيه .

    وقالت أليس : إنهم ذاهبون بين فكى الوحش .      فقال يول : نعم . ولكنهم أبطال .   وجلسا إلى المائدة صامتين أيضا  . . وكانت الأنباء   تتوالى عن ضحايا البحر ومهاجمة الغواصات وفتك الطوربيد ،   ووحشية الأعداء ، وعن الموتى. والجرحى والمفقودين   والأيامى واليتامى  وكل ما يصطخب به البحر فى طغنيانه    وغموضه ووبلائه .

  وكان أن  قذف إليهما البحر يوماً يقارب فيه ثلاثة نفر

 من البحارة ، أحدهم قد شوهته النيران فى وجهه وعينيه ،   حتى لقد كان يخشى من شدة الحروق على قوة إبصاره    فضيفاء وبذلا كل ما يستطيعيمانه للترفيه عنه وتمريضه متى   تعهده الطبيب . وكان الفتى جلداً مستبشراً لا أثر لليأس فى   قلبه . قال لها يوما يحدثهما عما أبناء به الطبيب : لسوف   استرد بصرى عما قليل . ولسوف . لسوف أعود للبحر   ثانية ، وأقاتل مرة أخرى فنظرت كارى إلى بول نظرة   صامتة ونظر إليها ، ولا يكاد أحدهما بلبس بكلمة إلى صاحبه .

    ومضت أيام وشهور   وجاء يوم ذهبا فيه سوياً إلى المدينة بقضيان بعض   حاجاتهما مما يفتقدانه فى هذه الضاحية البعيدة التى يسكنامها

     قال لها بول : لست من أهل البيع ولا الشراء فهذا   شأنك وإنى  ذاهب لأطوف فى أنحاء هذه المدينة الكبيرة   وموعدنا الساعة الخامسة فى هذا المكان .

      فنظرت إليه باسمة وقالت له : كما تشاء.   وغابا عن بعضهما بضع ساعات . ثم التقيا   وقالت له   فى بعض الطريق إلى القرية : هل أمضيت يوماً طيباً يابول ؟   فقال لها من فوره : جداً.. جداً . فقالت له : وأنا أيضاً .   ولكن أحداً منهما لم يجرؤ على أن يفاتح صاحبه عن جولته   فى أنحاء المدينة.

  وكان المطر قد بدأ يتساقط وكانت أوراق أشجار   الحديقة تنوء تحت قطراته الكبيرة عند وصولهما إلى العش   الجميل الصغير . وهبت الرياح من نحو البحر تحمل إليهما   صخب الامواج الثائرة وتلاطمها بصخور الشاطئ النانثة .   وجملا يصغيان إليها كان الرياح تحمل بين طياتها رسالة   سهمة تأتى إليهما من وراء الافف البعيد . . .

    ونهض بول إلي النافذة يقسم إلى هذه الأصوات    التى يجعلها الرياح    وجعل يحدق نحو هذا الفضاء الواسع .   وكانت ألبس ترقبه بعينيها وهى إلى جوار النار تستدفئ

 قد تزاحمت في رأسها الخواطر واستبرعت عليها استبرام   هذه الرسالة النامضة التى حملتها الرياح من وراء هذا   الآفق البعيد ..

   ل كأنه النداء ينبعث من وراء هذا الأفق الغامض   مثل انبعاثه من أعماق نفسيهما منذ ترجع الصدى   والتقت الرغبات  .

  قال لها يول : أليس . وصمت شيئا ثم رفع بدء ينقر   على صفحة الزجاج . ولا ينظر إليها ثم قال : سحقاً لى لست  أدرى ما الذى أقوله . . لقد زرت اليوم سفينتنا القديمة .

     وساد السكون لحظة أخرى ثم قالت أليس فى صوت   خفيض : لقد زرتها أنا الأخرى . . إن قمرتى أصبحت    أحسن مما كانت عليه .

    فنظر إليها بول يحملق فيها وقال لها : أحقا ! لقد   ظننت أنك لا ترغين فى رؤيتها مرة ثانية .

   قالت له : ذلك ما ظننته فيك أنت أيضاً .   ثم استدار بول ينظر إلى البحر وقال وهو يحاول ألا   تلتقى عينها بعينه ؛ أليس .. لقد وقعت عقدا كقبطان   للسفينة مرة أخرى .

      وتحركت اليس إليه فى بطء حتى وقفت بجانبه   ووضعت يدها فى رفق فوق كتفه وقالت له : بول ! فقال   يقاطعها ولا يزال مشيحا عنها بنظر إلى البحر : سامحينى   يا أليس إذ أفاجئك بمثل هذا الحق بعد الذى كان منك   إلى . . وهل أرجو ألا تكونى غاضبة على .

     فازداد اقترابها منه وهى تبتسم وقالت له : أغضب !     وكيف . وإنى وإياك فى " الحمق " سواء ! فقد وقعت على   مثل عقدك الذى وقعت عليه .

    ولانت نظرتها إليه وهى تقول له : نعم . ليس ههنا   مكانى .  وإنما حيث تكون أنت يابول !

اشترك في نشرتنا البريدية