الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

ندوة الفراء، دعوة الى مؤتمر دينى ،

Share

من حين لحين يقف الانسان ، بل يجب ان يقف الانسان من خبرته موقف المراجعه والأستبصار ، فيتناول بعض ما لديه من الافكار والمعاني ، بالتامل والاستبانه والضبط والتنسيق ، ولا سيما مواضع الشبهة ومداخل الخلل ، فقد يتراكم ما ينفد الى ذهنه ، وتعيد ذاكرته من مدارك البصر والسمع ، وتزدحم لديه الخواطر ، وتتولد الصور ، وتزداد الافكار ، وتتجدد متكاثرة المعاني ، ولاسيل حينئذ الى الابقاء على صحة بناء العقل وسواء الخبرة ، الا ان يقف الانسان وقفات يقصر فيها نشاطه على الاستبانة والاستبصار والتنسيق المقصود ، فيستعد الى ذهنة المعاني ، ويجمع الاشباه ، ويرد النظائر بعضها الى بعض ، ويقرب بين المتقارن ويباعد بين المتباعد . من خواطره وافكاره ، وما قد تجمع متكاثر لديه من المدلولات والمعاني ، فاذا هو يعمل في وقفاته هذه عمل البناء الماهر الذي يستوقفه دون التمادي مطلب احكام البناء وصحته وسوائه ان يزن ويقيس ، وينقص ويزيد ، وان يرفع ويخفض ، وان يطيل ويقصر ، وليس ذلك منه لشئ ، الا ان يكون كما قلت ، على ثقة من صحة البناء وسواء التشيد ، لا بل الانسان فى وقفاته ، وفي امر مراجعته ، وفي نظراته المتبصرة التى ينظرها آئذ الى افكار " وارائه ومعتقداته ، وقيمة ، والى ما في اضعاف خبرته من الانفعالات والعواطف والاميال والاهواء ، لاشبه بمن يقف ازاء آلة عظيمة محركة . تنآزر فيها على وظيفتي التحريك والدفع جملة اجزائها الفاعلة ، من النوابض والدواليب ، والاسلاك والانابيب ، يراقب مواضع الاختلال ، وسوابق العطب ، وكل ما قد يطر أ على ابعاض تلك الاجزاء المتآزرة من تشويش او بوادر فساد ، فخبرة الانسان ومكونات عقله ليست من السواكن الجوامد التى لا حياة بها ولا حركة عندها  بل هي النوابض المحركة ، وهي الدوافع القاصدة الموجهة ، هي اصل اختبار

الانسان وعزمه ، فى اقباله وادباره ، واخذه وعطائه وحربه وسلمه ، وكل تصريفه لجملة احوال حياته ، وشؤونه ، فمسلك الانسان فى دنيا واقعه هو الجانب المادى لخبرته وارادته هى عنوان عقله . وقديما قال لنا ابن المقفع " : وامارة صحة العقل اختيار الامور بالبصر "

وبهذا الاعتبار فكل شئ من مكونات عقل الانسان وخبرته له اقتضاء وله سيطرة على انشاء اعماله الارادية . فليس العقل صحيفة بيضاء ، وليس كل ما على الانسان فى حياته ، ان يعمل جاهدا ، مستغرق النشاط ليملأ سطور تلك الصحيفة ويود بياضها بما يكتب عليها مما تاتى به مدارك السمع والبصر . فقد بجد الانسان ان استحضار ، لكلمة مفردة يثير في ذهنه جملة من المدلولات والمعاني المقترنة مباشرة بمدلول تلك الكلمة المفردة . وكل واحد من هذه المعاني المثارة له اقتضاء متميز عن اقتضاءات سواه . وشأن الاخذ به ان يوجه الارادة توجيها معينا ، وان يكيف مسلك الانسان فى دنيا واقعه ، ومجال معاملاته ونقضه وابرامه ، فاستحضار الانسان لكلمة " الانسان " يثير فى ذهنه هذه المعاني . فاذا الانسان عنده هو " الحيوان الناطق " وهو " المدنى بالطبع " وهو " الحيوان الراقي " وهو " الموجود الاعظم " واذا الانسان عنده هو " القدوس المهيمن الذي منه الامر واليه الامر " وهو المصدر وهو الغاية القصوى التى لا غاية بعدها . ومن سوابق الظنون المضللة ، ولا شك ، تجريد هذه المعانى من اقتضاءاتها المتميزة . وابعد من هذا التجريد في مداخل الضلال اعتبارها مجرد افكار ، او مجرد كلمات مما يكتب على سطور تلك الصحيفة البيضاء . فاذا العقل يزدحم فيها ويكتظ ولا شئ سوى ذلك فادا نزع الانسان نفسه من هذه الظنون ، واقر بما لكل واحد من هذه المعانى من الاقتضاء المؤثر ، واذا اقر كذلك بان ارادته هي عنوان ما يدين بصحته من جملة هذه المعانى ، فانه يصبح من الضرورى لديه ان يقف من حين لحين ليراجع النظر كرتين واكثر ، وليس الا ان يعمل جاهدا فى وقفاته بسبيل الاستبانة والوزن والتقدير واعادة التنسيق ، فذلك هو الرشد ، وذلك هو الاهتداء ال الرشد . بل ذلك هو مصداق قول القرءان " افمن يمشى مكبا على وجهه اهدى ام من يمشى سويا على صراط مستقيم "

هذه الوقفات التى يطالب بها الفرد ليست مخصوصة به ولا هي قاصرة عليه ،

بل الحق انها مما تطالب به الامة . فمما ينبغى ان تنهض به فى اطوار تاريخها ، ان تراجع النظر فى مؤسساتها فى الدين والتعليم والاقتصاد والسياسة والامن وما الى هذه . اذ ليست هذه المؤسسات تدور على انفصال ، وليست هذه المؤسسات كذلك تدور على اوضاع جامدة وتطرد حركتها على نظم تقليدية ثابتة ، فيمض الزمان متجدد الاحوال ، وتتعاقب على الامة الاحداث متشابهة ومتغايرة ، ويزول عهد ويخلفه عهد ، وتظل تلك المؤسسات على اوضاعها ونظمها لا ينالها النظر ولا تمتحنها المراجعة . ولا يمس منها التغيير شيئا ، او يمس شيئا وبتغاضى عن شئ . فما دامت مؤسسات الامة موصولة بالعقل الجماعي ، وما دام هذا العقل يعي ما حوله من شؤون العالم ويتفطن لمواضع العبرة ، ويدرك فتوحات العلوم ويلمس لما مستحدثات الفنون ، وتتلاقى لدية كل هذه الخبرة المستجدة ، فليس جائزا ان يكون على مثل هذا الوعى والتفط ثم لا يكون منه النظر والامتحان ، والاقدام الجرىء على مراجعة النظر فى اوضاع تلك المؤسسات واحداث ما لا بد من احداثه فيها من تغيير جوهري يشملها جميعها ، ولا يخص بعضا ويتغاضى عن بعض .

وبعد فاين مؤسسة الدين فى مجتمعنا الجديد ؛ واين نحن من عقيدة الاسلام وتعاليمه وفروضه وتكاليفه . وهدايته الاخلاقية ؟ افهل ميراثنا لما قد ورثناه منه عن العصور القريبة والبعيدة ظل على تطاول الزمن واختلاف الاحوال خالصا مخلصا من الشوائب ، سليما مبرا من الضلالات والاوهام ، واضافات الدس . وشبهات سوء التاويل ؟

وقد نحمد الله على ان كان ميراثنا الديني كذلك واكثر من ذلك خلوصا وبراءة . فهل من سبيل ان نترك شباننا يفتحون اعينهم وعقولهم فاذاهم يستقبلون في دراساتهم مذاهب فلسفية متماسكة ، تلائم العلم ويلائمها فى عقولهم العلم . ثم لا يجدون من يعينهم على ادراك حقائق العقيدة الاسلامية فى تماسكها ونظامها وفيما نحن مقرون به من خلوصها وبراءتها ؟ الحق اننا على هذا وذاك من التقادير في حاجة الى مراجعة النظر فى عقيدة الدين . فهل تستجاب هذه الدعوة وهل تهئ حكومتنا الاسباب لاقامة مؤتمر ديني ، تراجع فيه العقيدة مراجعة جادة .

اشترك في نشرتنا البريدية