خصصت مجلة " الفكر " التونسية عدد حزيران (جوان) ١٩٥٦ بالثقافة فوجهت الى عدد من مفكرى تونس عشرة اسئلة حول مدلول الثقافة ومستقبلها خاصة في تونس ، ونشرت جميع الاجوبة فى هذا العدد .
اما الاسئله فتدور حول : مفهوم الثقافة ، الفرق بين الثقافية والتعليم الثقافة الغربية ، الثقافة الشرقية ، الثقافة العربية - عربية اللسان ام عربية اللسان اسلامية التاريخ ، وحدة الثقافة العربية ، الاتجاهات التى تتنازعها ، هل لتونس ثقافة قومية وما هو مستقبل الثقافة فى تونس.
وقد صنفت الاجوبة ونشرت حسب تترتب حروف الهيجاء ونحن لن نحاول هنا ان ننقد او نعرض كل هذه الآراء لان ذلك يتطلب منا مجلة كاملة ولكنا نحاول ان نوجز ابرز ميزات الاجوبة الواردة :
يمكن القول عن التيارات الفكرية التى عبرت عن نفسها فى هذه الاجوبة . انها انعكاسات للتيارات الفكرية التى تتنازع اوروبا عامة وفرنسا خاصة فى هذا الوقت ، فهناك اتجاه وجودى واضح ، وآخر جانح نحو اليسارية الماركسية وثالث يميل الى اتخاذ موقف شخصى مستقل ورابع لا يعدو كونه جمعا مدرسيا لبعض الآراء والنظريات .
ويبرز في بعض الاجابات تحرر من السؤال الذى قيد بعض الكتاب ، فراح البعض الآخر يحطم خرافة وجود ثقافة غربية واحدة وثقافة شرقية واحدة ، وشدد كثيرون على تعدد الثقافات فى اوروبا بتاثير عوامل البيئة الطبيعية والاجتماعية وكذلك في آسيا والشرق بوجه عام .
كما ان الاختلاف بدا واضحا فيما يختص بالثقافة العربية ووحدتها فكانت الاراء تتضارب بين التقيد الديني الذي يربط الثقافة العربية بالدين الاسلامي
المحمدي وبين بعض الذين يحاولون ان يحرروا الثقاقه من قيود الدين ويعتبروا انه اذا صح ان تكون هناك ثقافة عربية واحدة فهذه الثقافة لا يجمعها الا اللسان العربى الذى كتبت فيه .
ونمر بعد ذلك الى تحديد قومية تونس من خلال السؤالين الاخيرين ، ونحن نرى ان هذا السؤال كان يجب ان يسبق كل سؤال آخر لان تحديد هوية الامة هو الشرط الاول والضروري لتركيز كل عمل وكل نشاط على اساس منتج صحيح ان عدم وعى الامة وابقاءها متخبطة فى متاهات لاسبيل معها للوصول كيانها الى تحقيق الخاص ، يبقى هذه الامة متخبطة فى متاهات لا سبيل معها للوصول الى تحقيق عظيم فى اى مجال من مجالات الحياة.
واذا كانت تونس اليوم ، وهى في مطلع استقلالها ، سوف تبقى مستمرة فى الرضوخ للأوضاع المفعولة وقبول الافكار والنظم القديمة ، اذا كانت لن تحاول ان تجد نفسها فان سياق حياتها لن يكون الا مضطربا وحتى خطرا .
لقد اجاب الكتاب التونسيون على هذا السؤال اجابات تدل على مدى الفوضى القومية التى يتخبط فيها شباب البلاد ، فعدا الاتجاه الدينى الصرف والاتجاه الانساني الحالم يمكننا تمييز ثلاثة اتجاهات اخرى اولها الاتجاه التونسي الخاص والثاني الاتجاه العربى ، والثالث الاتجاه المغربى الذى يبدو ، على قلة القائلين به ، غامضا مشوشا لا تحديدات واضحة له ولا مقاييس علمية يستند اليها .
اما الاتجاه التونسى فنجد بين القائلين به مثلا الاستاذ عبد العزيز بن حسن الذي حلل في مقال طويل مدروس جميع الاسئلة المطروحة وقال : " ان اول الشروط للثقافة القومية هو ان تكون متينة الصلة ببيئة البلد وطبيعته وطباع الناس واحوالهم الاجتماعية ومستواهم الفكري . . وانما الثقافة فى تونس مرتكزة الى اليوم على الماضى الاسلامى ومآثره الفكرية والخلقية والادبية . . فالتلاميذ فى المدارس مثلا ليس لهم من الغذاء الثقافي الا ادب الجاهليين والامويين والعباسيين وفوق ذلك فانهم لا يعرفون من تاريخ البلاد القديم والمتوسط والحديث الا شيئا هزيلا ، . . ومن شان كل هذا ان يحدث دبذبة وضلالا خطيرا . . "
وهو يقدم اخيرا بعض المقترحات لبناء ثقافة قومية حقة منها : " ان لا يهمل ماضي البلاد الذي تقدم الاسلام وخصوصا في عهد الفنيقيين والرومان وان يدمج الى التاريخ القومي بجانب الماضى الاسلامى . . " ان مفهوم الاستاذ عبد العزيز بن
حسن للثقافة القومية والتاريخ في استمراره مفهوم جيد من حيث المبدأ ولكن ينقصه خطوتان ليصل الى نظرة شاملة يمكنه ان يبنى عليها منهاجا كاملا ، الخطوة هى تحري البيئة الطبيعية التامة التى تكونت الثقافة القومية ضمنها ، هل هى تونس ام المغرب كله ، والخطوة الثانية هي تطبيق وحدة التاريخ القومي على هذه البيئة الطبيعية الواحدة ،
اننا نامل ان يتمكن الاستاذ عبد العزيز مستعينا بما كتبه سعادة فى هذا الموضوع وخاصة فى " نشوء الامم " وفى " المحاضرات العشر " من توضح هذه النقاط وتركيزها .
ويساير هذا الاتجاه ايضا الاستاذ محمد فريد غازى الذى ياخذ موقع تونس الجغرافي اساسا فى تحديده ، ويشدد على ارتباط تونس بالبحر المتوسط وثقافات شعوبه كما يشير الى الشرقيين الذين قطنوا تونس ويخلص الى القول بان الثقافة القومية التونسية مزيج غريب فريد من الشرق والغرب وتوازن عجيب بين تيارات تدافعت واشتبكت وامتزجت وخرجت لنا وفينا بطابع خاص هو تونسيتنا ، ونحن نستطيع ان نعرف ان لنا ثقافة قومية معرفة يقينية كلما عدنا الى مؤلفات الكتاب والادباء والمفكرين واشعار الشعراء وفن الفنانين المعماريين التونسيين " .
ان الاستاذ محمد فريد غازى قد استشف المشكلة بصورة صحيحة ولكن ما ينقصه هو ان يوضها من ضمن نظرة شاملة كاملة تلك النظرة التى قدمتها الحركة القومية الاجتماعية ، كما اننا نلفت نظرة الى ان الثقافة القومية لامة من الامم ليست حاصل المزيج والتلاقى بل نتاج الاصالة والفعالية الصادرة من اعماق نفس الشعب .
اننا نعتقد ان الاستاذ الطاهر قيقة قد لامس جوهر الموضوع القومى فى المغرب عندما اعلن ما اعلن ، رغم ان كلمات الامة والمجتمع والقومية عنده تتوارد بشكل متناقض لا ضابط لها ولا تحديد .
ومن جهة ثانية فان الاستاد الطاهر لا يعتقد بامكانية الكلام على ثقافة عربية معاصرة لا يجد في العالم العربى عالما دينيا فتح باب الاجتهاد من جديد ولا فيلسوفا قدم نظرة جديدة .
نحن لا نلوم الاستاذ الطاهر على ما يقول لاننا نعتقد انه لم يبحث فى العالم
العربي ليجد الفيلسوف الذي قدم النظرة الجديدة ، انه لم يقرأ كتابات سعادة ولم يطلع على انتاج الحركة القومية الاجتماعية ولذلك فهو يطلق هذا القول فى حدود ما عرف .
اننا ندعو كتاب المغرب العربى عامة وكتاب تونس بصورة خاصة الى الاستعانة بهذه التجربة القومية الرائعة ، وهذا الكسب الفلسفي الضخم اللذين . اطلقهما سعادة منذة حوالي ربع قرن واللذين ما زالا مستمرين فى قوة وتصاعد .
وكذلك شدد الاستاذ عامر غديرة على وحدة الانتاج الحضارى فى كل أمة من الامم عبر التاريخ فوصل انتاج تونس القديم بانتاجها فى الحديث ووصل ما كتب باللغة العربية بما كتب بالرومانية او البربرية .
ويظهر الاتجاه القومى المغربى بوضوح فيما كتب الاستاذ الطاهر قبقة اذ يقول : " ينبغى ان تكون ثقافة المستقبل ثقافة قومية واعني بذلك ثقافة مغربية اذ لا اؤمن خاصة في الميدان الثقافي بالوطنية الضيقة التونسية . للمغرب العربي تراث له ميزاته يمكننا من بعث حضارة الجناح الايسر للعالم العربي من جديد . . " ويشدد على ضرورة استخراج الادب والفن من واقع الشعب ليكون معبرا عن آمال الشعب وغاياته .
