أود أولا ان أتوجه الى السيد حسن عباس ، الذي نقد هذه المجلة في العدد السالف بآخر التهنئة ، على ما أبداه من جرأة وصراحة ، فى هذا الاتجاه النقدى الجديد الذى طلع به علينا ، وعلى ما بلغه من توفيق كذلك فى توضيح فكرته ، واظهارها بصورة لبقة لا تخلو من كياسة وافحام فى نفس الوقت .
واقول - الاتجاه النقدى الجديد - لاننا تعودنا الاطراء الزائف ؛ والتزلف الثقيل ، او الاحتشام البليد ، فى مثل هذه المواقف التى تتطلب الجد والصراحة والاخلاص ايضا .
بعد هذه التحية الخاصة الى الناقد الفاضل ، والتى احب ان لا يفهم القراء منها أننى معه فى جملة الرأى ، اريد ان احاول استخلاص منهاج للمجلة تلمسه من مجموع ما نشرت لامن خصوص مقالاتها الافتتاحية التى اقتصر عليها الناقد الفاضل ، واداه ذلك الى ان يرى غموض المنهاج للمجلة او فقدانه .
ولا أفعل هذا دفاعا عن المجلة - على احترامى لها وحبى اياها - او تملقا لهيئة تحريرها ، فالله يعلم أننى من اشد الناس بغضا لهذا الدفاع العاطفى ، او ذاك التملق .
وانما اقوم بذلك التماسا للحقيقة التى هى رائدنا ، واعترافا بقيام العذر الواضح لهيئة التحرير في غموض مذهب المجلة واتجاهها ، حينما تقتصر في البحث عنه على كلمات الافتتاح الموجزة والمقصودة الابهام احيانا . وحينما نفعل هذا فننظر الى المجلة ككل لا يتجزأ نجدها مجلة لا شرقية شيوعية ، ولا غربية امريكية ، كما يحب السيد الناقد ان يحصرها فى احدهما . وإنما نجدها مجلة تونسية تعالج الواقع التونسى المجرد ، حسب الامكانيات الثقافية عندنا والاجواء الملائمة للعمل . مع شىء من الحذر والحيطة ، حتى تستمر المجلة على افادة قرائها وتوجيههم فى وقت نحن اشد ما تكون فيه الى التوجية الرصين ، حتى ولو كانت
تنقصه الجرأة من بعض الجوانب . وهنا أصرح اخلاصا للحق ، بأننا نلاحظ مع السيد الناقد اهمالا ، او علاجا تنقصه الصراحة والجرأة لبعض مشاكلنا الهامة تمشيا - في أغلب الظن - مع الواقع السياسي الذي نحياه ، وتفضيلا للعلاج الجزئي المحتشم ، على التهور الذى قد يؤدى الى الاحتجاب ، او الترفع عن المستوى الثقافى الشعبى الذى لا يقل خطرا عن التهور .
ورغم هذا فاننا نستطيع ان نتبين - كما أشرت آنفا - ملامح لمذهب تونسى لم يتبلور بعد .
وقد اشارت اليه المجلة فى افتتاحياتها اشارات غامضة الا انها غير عسيرة الفهم لمن تسلح بسلاح : (التمس لاخيك عذرا ) . وقد حاولت السير على مقتضاه فى اكثر ما نشرت ، باستثناء ما تورط فيه بعض الكتاب من مديح فردى هادف الى غاية خاصة في - اكبر الظن -.
ونعود لزيادة التوضيح لمذهب المجلة الذى يخيل الينا فنقول : انه مذهب لا يحبذ الاقطاع الذى لا يعترف بالجماعة ، ولا يخدم الاشتراكية الشيوعية التى لا تحترم الفرد ، بل هو مذهب اشتراكى تونسى محتشم يكتنفه غموض مقصود سيزداد تبلورا ووضوحا مع الايام .
وفى امكاننا ان نشير الى المقالات التى تسعى الى هذا الغرض ، وتتجه نحو هذا المذهب ، واول ما يعترضنا : المقالات المتحدثة عن مآساة الجزائر تلك المأساة التي انتهت الى هذه الثورة العارمة في وجه الرأسمالية الجشعة التي تأبى الا ان تواصل حياة الاجرام ، واغتصاب أقوات الشعوب .
وقد اعطتها ما تستحق من عناية ، وجهد ، وصراحة ، ومقالات الاستاذ الطاهر قيقة ، وعلى الاخص : (صوت الارض ) و ( بطن يتحدث ) و ( مناجاة أبي جراب وموسى ) هى قوة في وجه الاقطاعية ، وتهكمات مرة على الجشع ، والاستغلال لجهود الضعفاء .
ومقال ( الاصلاح الزراعى فى الصين الجديدة ) للسيد عبد الحميد بن مصطفى هو بذرة لفكرة اشتراكية سلمية ، صالحة فى جملتها - لان تطبق ببلادنا ، وهناك مقالات اخرى وقصائد كلها تسعى الى هذا الهدف مثل - مشاهداتى فى مصر - لعبد الحميد الفقيه ، وبعض اشعار المطوى ، وقصص التريكى وغيرها ،
وغيرها وبهذا نستطيع ان نقول فى اطمئنان : ان المجلة ترمي الى اصلاح المجتمع بطريق الايحاء والايعاز واثارة غريرة التقليد والمحاكاة في قرائها ، حتى تصل في النهاية الى تحقيق ذلك المذهب ، الذى اعترفت المجلة أخيرا - تواضعا أو تفصيا - بأنها مازالت تبحث عنه ! ولعلها تعثر عليه قريبا فى واقع الشعب التونسى المتحرر من كل انواع العبوديات العقلية والبدنية وبذلك تستطيع ان تقول مطمئنة على نفسها من كل شىء : إنها قد وجدته . وأخيرا ، ألم تستطع - أيها الناقد الكريم - أن تتلمح معي بعض الملامح لمنهج المجلة ومذهبها ؟
وما الفائدة من ان توضح المجلة مذهبا لا تسمح لها وضعيتها او الوضعية العامة بتطبيقه ، بل وبمواصلة السير فيه ؟؟
أليس من الخير ان تكون كالطبيب لا يهاجم مريضه الصغير بالادوية المرة ، دون احتيال عليه باستعمال السكر ، او وضعها له فى الطعام العادي ، حتى لا يشعر بحرارتها فيصدف عنها ؟
وفى النهاية ، اليك ، والى المجلة الفتية اعجابى وتحياتى .

