لقد طالعت مقالا للسيد محمد فرج الشاذلي بعدد ٧ من مجلة الفكر لشهر ماي ١٩٥٦ حدثنا فيه على كتبنا المدرسية فرحبنا بذلك أيما ترحيب لان الانسان يحتاج دائما للتوجيه نحو الحسن والاحسن اذ الكمال لله وقد اعتمد لتأليف هذه الكتب عنصرين - المادي والادبي ولكنه على ضوئهما وضع الكتب تحت منظاره الاسود فقط حتى وصل به حديثه الى جزأي كتاب اقرأ المدرسي فغامر كما عبر عن نفسه وتناول الناحية المادية فلم ير منها غير الورق المقوى اما الورق الصقيل وتخييط الكتاب بالخيط وجعل العلامة التي تسهل على التلميذ العثور على الدرس حالا وزهادة الثمن الذي منذ نشأة الكتاب وهو سائر للتخفيض لا للزيادة على كاهل التلميذ وغير ذلك فلم يلتفت منه لشيء يبرر تقسيمه المادي والادبي .
ثم انتقل الى الناحية الادبية وهو يذيل مقاله بكتابنا ففتح الجزء الاول منه وصادفته صفحة ١٥ قد صور بها تمر فخيل اليه الباذنجان فقال هذا باذنجان وليس بتمر وانا اطلب منه ان كان يحب الانصاف ان يحكم في هذه المسألة طفلا من الاطفال فيعرض عليه الصورة ويسأله عما تمثل وسوف يرى انه تجنى علينا في ذلك النقد وما أبعد الباذنجان عن التمر .
وأردت إتمام ما كتبه أخونا وإذا به قد وضع يده على الجزء الثاني وفتح الكتاب ثم قال " وترى حراثا بص ٢٧ من الجزء الثاني كانما يجر خنازير " فذهبت الى الجزء الثاني وقت وفتحت الصفحة فلم اجد ما قال فقلت لعله يقصد صفحة ٢٣ من نفس الكتاب لاني اعلم ان بها حراثا حيث اتذكر ان ثلاث صور من هذا الجزء قد أردنا ان تظهر بها الطبيعة في اجلى مظاهرها وهي صورة للحراث واخرى لمن يزرع وثالثة للشتاء فصورت بالفحم لا بالحبر حتى ظهرت له وكأنها
خنازير - فقلت يا لله أهكذا فتنة حب التشوبه تفعل بصاحبها حتى يرى كل شيء مشوها - وتماديت فاذا به يقول : " وتجد وردة بص ١٢ اقرب الى عش عصفور منها الى وردة وذهبت للصفحة من هذا ففهمت انه وقعت يده على الجزء الاول مرة اخرى واذا به امام صفحة ١٢ منه والتي صورنا بها عشا ولم نرد غير العش والصورة بها عش ناطق بعصافيره والام ترفرف فوقه ولم أقصد الوردة أبدا لان كل انسان يراه عشا ناطقا ، ثم يتمادى صاحب المقال ويقول : " وصورة للشتاء ص ٦٠ مطموسة المعالم كلطخة حبر " فعلمت انه قد وقعت يده ايضا على الجزء الثاني مرة اخرى وذهب الى التصوير الفحمي للشتاء كما بينت وقال : " انها لطخة حبر " وقد حدثني زميل في خصوص صورة الشتاء فقال : " عندما اشاهدها أشعر وكأني في شتاء حقيقي بطبيعته المتمثلة فيه " وليس بعسير على القارىء ان يتأمل ويحكم متجردا فلا ينظر بعين الرضاء ولا بعين السخط ولا يجازف بمدحه أو يهاجم بسخطه على غير هدى وعندها نرحب به مع شكرنا الجزيل .
ثم قال : " ونجد تشويها للخلقة البشرية في مجموعها في وقت كان يجب ان تكون فيه الصور اقرب الى الجمال والفن " فمهلا ضرب حضرته للتشويه امثلة صحيحة وهلا تحدث على الجمال الذي يقصده لنجعل منه دليلا لاصلاح المشوه اذ المؤمن بأخيه .
اما الخط الذي وصفه بالرداءة وشبهة بلافتات الاشغال العامة قديما فهو الخط المدرسي المقصود لتقليده من المبتدئين اذ بوضوحه يقدر ان يقلده المبتدي ويقرأه بسهولة ميسورة وقد استحسن ذلك منا جميع من استعمله من المعلمين على اختلاف طبقاتهم ومشاربهم .
فهلا كنت ايها الاخ ممن خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فذكرت الحسنات بغير مجازفة ودللت على السيئات بإمعان ونزاهة حتى نجد فيك الاخ المرشد النصوح وما أحوجنا اليه فتشط بما صلح ونصلح ما فسد ، ألم تجد ما يسرك من ورق صقيل وتلوين جميل واسلوب جديد ومفيد قلت عنه اننا نحاوله وصور ناطقه جميلة يسميها كل طفل بما تعلمه بمدرسته الاولى مدرسة الام فيجده مكتوبا ودروس حية من محيط الطفل وفي متناوله وبلغة سهلة هي لغته العذبة وتمارين معقولة يفهمها من غير ان يجد المعلم مشقة ولا تضييع وقت في افهامه اياها . وهي
الطريقة التي اول من شرعها بتونسنا وبلغتنا العذبة المحبوبة هو كتابنا العربي ريثما ينكر ما أحسن من ذلك عندنا فيميل كل عاقل بطبعه دائما الى ما هو احسن وأفيد وهي سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا وكم كان سرورنا ونشاطنا يزداد عندما نجد من يحدد من المؤلفين بتونس ولكن مرارة النقد المشوه يحول دون الاماني عكس النقد النزية الذي نودة وترجوه فهو المشجع المصلح وهو الذي يصدر عن النفوس الزكية التي تريد الاصلاح ولا تغامر ولا تشوة ولا تعبر بالردي ، والمشوه والخيبة والتنغيص والانقباض والقذى والجمود والمضرة سيما اذا كان صدور ذلك على غير هدى ولا كتاب منير ولقد قالوا من السهل ان تكون ناقدا ولكن من الصعب ان تكون مصيبا - واخيرا نفضت يدي من المقال وقلت " انك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء " .

