من أهم المشاكل العالمية التى حاولت الأمم الغريبة علاجها منذ أجيال بعيدة مشكلة إعداد مساكن صحية للعمال بأجر ضئيل جدا حتى تضمن لهم عيشا هنيئا وحتى تأخذ منهم أكبر قدر ممكن من الإنتاج ، وبذلك تضمن ارتفاع مستوى المعيشة بين السكان وتضمن كذلك مستوى صحيا للجميع وتدرأ أخطار الأوبئة والأمراض المعدية .
وبالنظر في الاحصائيات العالمية للوقات نجد أن مصر ابتليت بأكبر نسبة للوفيات في العالم إذ يتوفي من كل ألف شخص سنويا .
مصر ٢ , ٢٧ ، انجلترا ٤ , ١٢ ، هولندا ٨,٨ .
ويتوفي فى القطر المصري من الأطفال لغاية سن الرابعة حوالى ربع مليون سنويا . أما نسبة المواليد في الألف فهي مصر٤٣,٥، انجلترا ١٤,٩ ، هولندا ٨ , ١٩ .
وقد أثبتت الإحصائيات الأخيرة أن عدد السكان فى القطر المصرى يزيد سنويا بنسبة ٢٠ % وأثبتت الإحصائيات أيضا أن عدد السكان زاد فى الخمسين سنة الأخيرة إلى حوالى الضعف بينما زادت مساحة الأرض المنزوعة بمقدار ١٠ % فقط .
ومن أهم أسباب مشكلة المساكن فى مصر أولا فقر مواد السكان وضآلة مواردهم وكثرة تناسلهم ، وثانيا عنايتنا بالزراعة دون الصناعة مما أدى إلى انخفاض مستوى المعيشة . والنظر إلى حالة المصانع فى مصر نجد أن معظمها مصانع صغيرة لا تستطيع ماليتها أن تتحمل بناء مساكن لعمالها ، بل إن المصانع الكبيرة فى الوقت الحاضر مثل مصانع النسيج أصبحت مهددة بالإغلاق نظرا لعدم رواج منتجاتها
ولم تقم فى مصر محاولات من جانب المصانع لبناء مساكن صحية لعمالها إلا محاولة واحدة وهى التى قامت بها مصانع المحلة الكبرى ومصانع كفر الدوار وهما من شركات بنك مصر ، وقد بنى فى كفر الدوار على قطعة أرض مساحتها
اثنا عشر فدانا مجموعة المساكن الصحية بلغ مجموعها ٣٦٠ مسكنا كل منها يشتمل على طابقين كل طابق مكون من ثلاث غرف ومطبخ ودورة مياه . وقد بلغت تكاليف بناء السكن الواحد حوالى ٤١٠ جنيه مصرى ، وفى الإمكان تخفيض هذا الثمن أكثر من ذلك ، وذلك بعد دراسة الخامات الموجودة محليا وكذلك ثمن الأراضى التى سيبنى عليها . وسأعرض هنا ما فعلته حكومة النمسا بعد الحرب العالية الأولى لحل مشكلة مساكن العمال .
نتج عن الحرب العالمية الأولى أن أصبحت النمسا مملكة صغيرة المساحة ذات مركز جغرافى غير مناسب وأسواق محلية ضعيفة ، فلا تستهلك الإنتاج ولا تكفى المواد الخامة المحلية لإنعاش الصناعة ، فازداد عدد العاطلين بنسبة كبيرة ، وعلاوة على ذلك كانت الدولة فى حاجة ماسة إلى إنشاء ربع مليون مسكن خلاف ، ٢٠ ألف مسكن يجب إنشاؤها سنويا لمسايرة نمو السكان من جهة والاستعاضة بها عن المساكن المتداعية أو غير الصحية من جهة اخرى . لذلك رأي أولو الأمر أن يعالجوا كل هذا بإنشاء مساكن للعمال بإيجارات رخيصة لتقليل نفقات معيشتهم فيمكن من ثم تقليل أجورهم وتقل بالتالى نفقات الإنتاج الصناعى وتتاح بذلك الفرصة لمزاحمة الأسواق الأجنبية ، واتبعوا فى هذا الطرق الآتية :
١ - أصدر قانون سنة ١٩٢٢ وحدد الإيجارات بما وازي نفقات الصياخ والإدارة فقط ، ثم رفعوا ذلك إلى الضعف بموجب قانون سنة ١٩٢٩
٢ - أعفت البلديات أراضى مساكن العمال من
الضرائب بموجب قانون سنة ١٩٢٢ لمدة ٣٠ سنة ، كما أعفت أراضي المباني المستجدة لنفس الدة بموجب قانوني سنة ١٩٢٩،١٩٢٢
٣ - أفرضت الحكومة البلديات بموجب قانون سنة ١٩٢٦ قروضا طويلة الأجل بفادة قدرها ٥ ر ١ % لعمل مساكن العمال .
٤- فرضت الحكومة ضرائب تصاعدية على المبانى لتدبير المبالغ اللازمة ، حتى إن ٨٠ % من مساكن مدينة فينا يدفع ربع جملة الضرائب المقررة ، ونصفا فى المائة من المساكن يدفع ٤١,٦ % من جملة الضرائب المقررة ، وبذلك حمل الأثرياء العبء ، الأكبر .
٥ - ركزت البلديات العمل فى يدها وحدها . فهى الممولة والمالكة والقائمة بالبناء وإدارة المساكن وتأجيرها . وعملت جهدها على أن يكون جميع مواد الإنشاء محلية من صنع عمالها وفى مصانعها .
٦ - استوات البلديات على أراض رخيصة للبناء عن طريق نزع الملكية للمنفعة العامة .
٧ - عملت على تقليل نفقات البناء وتوصلت إلى تخفضها بنحو ٣٠ % وذلك عن طريق مشروع السنوات الخمس ، وبه أعطت الفرصة لمصانعها المختلفة من مصانع ضرب الطوب والأسمنت والزجاج والصلب والأخشاب وجميع مصانع لوازم البناء لإعداد عدتها ودراسة أرخص الطرق للانتاج بعمل ماكينات وآلات جديدة وكذلك درست وسائل النقل وركزتها فى يدها .
٨ - درست التصميمات بواسطة الخبراء لتقليل نفقات الإنتاج من توفير الوسائل الصحية - واحتوى المشروع على مجموعات من الحمامات الشعبية وأماكن للغسيل والكى وحدائق وملاعب للأطفال ومطاعم للعمال ( رخيصة جدا تتكلف وجبة الغداء حوالى 4شلنات نمساوية أى ما يعادل ٥٦ مليما ) وملاجىء نهارية ودور للكتب وعيادات طيبة . وبهذا تمكنت فينا من إنشاء أرخص مساكن جديدة فى أوربا ولم تعمل البلديات على تأجير تلك المساكن إلا للحصول على ما يعادل نفقات الصيانة والإدارة فقط .
هذه نبذة مختصرة عما فعلته حكومة النمسا لرفع مستوى عمالها الاجتماعى والمحافظة على صحتهم وراحتهم . وقد قمت بزيارة هذه المساكن وأخشى أن تتهموني بالمغالاة إذا قلت إن هذه المساكن المخصصة للعمال لا توجد عند الطبقة فوق المتوسطة فى مصر ، بل اتمنى أن أرى المنزل المصرى بهذه النظافة وبهذا النظام . وزرت أيضا الحمامات الشعبية ويسمونها volks Bad وهى عبارة عن مجموعة من " الكبابن " كل كابين به " دوش " للماء الساخن وبه جزء مخصص لتغيير الملابس ، وأجر الحمام حوالى ٣٥ مليما وجدار الحمام " مبلط " بالبلاط الصينى وفى منتهى النظافة والنظام
وكل ما أرجوه أن أرى مصر قد خطت خطوة إلى الأمام ودرست ما فعلته هذه الأمم العريقة فى المدنية وتبنى لعمالنا فى مصر مبانى تتوفر فيها وسائل الراحة حتى يمكن للعامل أن يجد فيها مكانا يجلس فيه هادئا مع عائلته بدل أن يمضى الوقت فى " القهوة " خارج المنزل لا يدرى من أمر عائلته شيئا
( فينا )

