هو الفيلسوف العلامة الفرنسي المشتهر بفلسفته الإيجابية ، وتأسيسه لعلم الاجتماع ، والعروف بدعوته إلى البحث عن محتويات الكون وإلى تدقيق المعارف وفحصها بدلا من الاهتمام بدراسات ما وراء الطبيعة ومباحث اللاهوت ، وقد قصد من ذلك إلى تأسيس علم اجتماعي يقابل العلم الطبيعي . يعطينا صورة إيجابية لواقع المجتمع الذي نعيش فيه .
تأثر كونت بآراء مونتسكيو كثيرا وخاصة فيما يتعلق بالتأثيرات الطبيعية في المجتمع البشري ، كما تأثر بمبادىء كوندورسيه فيما يتعلق بالتقدم الإنساني . وقد كان مونتسكيو وكوندورسيه قد انتبها إلى ضرورة ملء الفراغ الموجود في مجال أبحاث العلوم الاجتماعية الاجتماعية ، فوجدا أن الارتباط بين الظواهم المختلفة وثيق . ولكنهما لم يتمكنا من التوصل إلى توضيح هذا النظام الاجتماعي المعقد التكوين . وقد حدث عقيب الثورة الفرنسية تطور عظيم في ساحة هذه العلوم . وكان سان سيمون من فرسان هذا الميدان ومن المؤمنين بقدرة العلم العظيمة في جميع مجالات الحياة . وعندما وجد سان سيمون أن المجتمع الأوربي المعاصر يساوره قلق واضطراب شديدان كلاهما ناتج عن تأثير الفوضى الضاربة أطنابها في الحياة العامة في ذلك الوقت ، تفرغ إلى إيجاد الوسائل الضرورية لحل هذه المشاكل ولبناء أساس فكري جديد على أنفاض تلك الأفكار المتدهورة إبان حركات الثورة الفرنسية ، كما أوجب قبل كل شئ دراسة مجتمعات ذلك العصر ونظمه السائدة ؛ ولكى ينسني له تحقيق هذا الغرض رأي ضرورة تأسيس علم بدرس المجتمعات أسماء ( علم الفلسفة الاجتماعية). إلا أنه لم يلبث أن عادل عن نهجه وانتهت أبحاثه إلى نوع من التصوف أو ترديد أفكار
كثيرة اقتبسها ممن سبقه من الباحثين ، كتشبيه المجتمع بكائن حي ، وعرضه فكرة الحتمية في تقدم الإنسان .
درس أوجست كونت العلوم الطبيعية والرياضية بالإضافة إلى الفلسفة ، ثم اتصل سنة ١٨١٨ بسان سيمون فاعجب به ايما اعجاب ، فأطلق على نفسه (تلميذ المسيو دي سان سيمون) . ثم فارقه سنة ١٨٢٢ بعد أن بلغت منه استفارته مبلغا عظيما وقد شغفت بفلسفة التاريخ ودراسته .
طريقة في البحث:
أخذ كونت بالطريقة الاستفتاجية والتارخية في البحث ، واتخذ علم الحياة (البيولوجي) أساسا لدراسته الاجتماعية، وشبه التقدم الاجتماعي بالنمو البشري . وقال : إن مثل الأمراض الاجتماعية التى تنتاب البناء الاجتماعي مثل الأمراض التي تقتاب أي كائن حي آخر . وإن علمي الاجتماع والحياة فرعان لعلم واحد ، وقد وضمع علم الحياة في تسلسل العلوم قبل علم الاجتماع مباشرة . والتاريخ في نظر كونت يجب أن يكون بحثا عن القوانين التي تسيطر على التقدم الاجتماعي للنوع البشري .
أما التفاسير الدينية فإنها تقف حجر عثرة في سبيل الإصلاحات الاجتماعية ؛ فلما يجب أن يحل التفكير الايجابي محل التفكير في فلسفة ما وراء الطبيعة، وأن تؤسس الفلسفة الإيجابية قبل البدء بالتجديد الاجتماعي، وعلى هذا الأساس يستلزم تكوين علم جديد هو علم الاجتماع .
أكد كونت لزوم مشاهدة الحقائق بقدر الإمكان مع أنها عملية صعبة وموادها الدراسة معقدة ، كذلك أكد ضرورة إجراء مقارنة بين المجتمع الإنساني وبين المجتمع الحيوانى، ومقارنة المراحل المتتابعة في التاريخ الفئة معينة ، لكى يتضح أثر الجبل في الآخر في مضمار تطور المجتمع البشري .
تأسيس علم الاجتماع :
وضع كونت الاصطلاح العلمي لعلم الاجتماع ، فكان له الفضل في إظهاره للعالم علما من العلوم الحيوية، عندما نشر اثره المعروف Cours de philosophie positive(*) في معنى ١٨٣٠-١٨٤٠ فاشتق Socinlogy من Socius وهو مقطع لاتيني ومعناه المجتمع ، ومن logon وهو يوناني ومعناه العلم ، مما جعلها عرضة لانتقاد النقاد لأن هذا الاصلاح في نظرهم كان ثابتا، لأنه لم يشتق كما جرت العادة عن أصلين يونانيين كما في كلة Blology وكلمة pryebology ولكن بالرغم من ذلك فقد شاع استعماله واعترف الجميع به .
خصص كونت من نفس مصنفه (دروس في الفلسفة الإيجابية) أجزاء لعلم الاجتماع ، من الجزء الثالث إلى الجزء السادس ، وأعطى لهذا العلم درجة عظيمة عند تصنيفه المشهور للعلوم) ذلك انه حين تتبع الأدوار المختلفة التى مرت بها المعرفة الإنسانية ، جاء بترتيب خاص أسماء (التسلسل في العلوم) فقال : إن الرياضيات هي أقدم أنواع المعرفة التي اهتدى إليها الإنسان ، ثم الفلك فالطبيعة ، فالكيمياء ، فعلم الحياة (البيولوجي)، فعلم الاجتماع . وفي نظره أن أبسط ألوان المعرفة : الرياضيات ، وأعقدها : علم الاجتماع ، لأن تفسير الظواهر الاجتماعية يستلزم الإلمام بالمعارف الأخرى ، وهذا بدوره يحلل لنا تباطؤ ظهور علم الاجتماع .
إن علم الاجتماع في اعتقاد كونت جامع للعلوم الاجتماعية الأخرى : كالأخلاق والقانون والاقتصاد والسياسة والتاريخ والبحوث الدينية والفلسفة . وهو الذي يمد كل هذه العلوم بالقوانين العامة الشاملة للحياة والعلاقات الاجتماعية ، لأن لهذا العلم قوانينه كما لعلم الحياة قوانينه ، يستعملها في الربط بين الموضوعات التعددة ، والكشف عن مبادئها .
قام أوجست كونت في ساحة العلوم - التي كانت تعرف حتى ذلك الوقت بالعلوم الأدبية - بدور هائل . فأحدث فيها تغييرا يراه البعض أشبه بالانقلاب الكوبرنيكي منه إلى أي شئ آخر . فبدلا من أن يفسر الإنسانية بالإنسان،
كما يعمل علم النفس ، أخذ يفسر الإنسان بالإنسانية ، أو بأسلوب آخر : أيجب تصفيق الجزء مبتدئين من الكل . أم يجب تدقيق الكل بمساعدة الأجزاء ؟ والحقيقة أن السؤال يجاب عنه بالوجهين ، إلا أن فيلسوفنا وجد أن الكل هو الذي يفسر الأجزاء . ويقابل هذا أن الأجزاء لا يمكن أن تفسر الكل . ثم استطرد يقول : إن الإنسان حيوان اجتماعي يستمد كيانه المعنوي أو حياته الروحية من المجتمع الذي يعيش فيه . فهو إن لم يوجد في أحضان المجتمع لما وجدت الحياة العقلية والنفسية طريقها إليه . وإن ما نلاحظ عنده من المظاهر الروحية مثل الشعور والهياج والرغبة ليست إلا ضرويا من المظاهر البيولوجية الكثيرة التى يملكها .
يظهر من هذا الاستعراض البسيط للقارئ الكريم أن أوجست كونت في تاريخ علم الاجتماع داهية لا منشئ ؟ فإن عظمته تنحصر في مقدرته العقلية في التركيب Synthrnls وعلى بناء النظريات وما بدأ به من الأعمال ، لا على ما أنجزه منها ، فإن ما جاء به من المباحث والآراء لم تثبت في ضوء الحقائق الاجتماعية العلمية الحديثة ، ولم يسلم أكثرها من طابع الفموض والتجريد .

