يتحدث جملة من المفكرين عن الذاتية والموضوعية في الأدب والنقد والعلم منذ أكثر من قرن . . ولكن أحدا من هؤلاء لم يعن بالتحدث عن الذاتية والموضوعية في السلوك والأخلاق ، وهو موضوع غاية في الخطورة . . إذ يعني بطبيعته موقف الفرد من نفسه وموقفه من الجماعة التى يعيش بينها . . وقد ظلم الفرد أشد الظلم خلال تاريخ الإنسانية الطويل حين طلب إليه أن ينسي فرديته وأن يلائم بين مصالحه ومصالح سواء في الحياة . . وقد اشتط البعض في الظلم حين قدروا له تقديرا موضوع تفكيره وحصروه فيه وليس في ذلك نفع له أو لواحد سواء ، إلا ما يتصوره هذا البعض من ضرورة السيطرة على البشر ، وتحقيق سطوته في طريق إعلان المباديء ، الحالية والدعوة إليها . . ومن ثمة ترتفع دعوة الموضوعية في الأدب ووجوب عرض المشاهد البشعة في الحياة . لأن زمن الخلوص إلى الذات ، يزعم أصحاب هذه الدعوة ، واستلهامها روائع الشعر والقصص قد مضي مع مامضى من خرافات وأساطير الأولين . . وهذا خطأ محض . . بأباء طبيعة الإنسان وغرائزه وتكوينه العضوي . . فلا يمكن أن تغفل في تفسير السلوك الإنساني جانب الذاتية فيه ، إذ هو الباعث الذي لا تتعداه طبيعة الفرد في سائر العصور . . ولعل الحضارة القائمة لم تبلغ الرقي الذي بلغته اليوم لولا بعض المحاولات الفردية التى قصد بها أولا ثبوت الذات واجتناء المنفعة ، والتحقق من وجود الشخصية التي تلفت إليها الأنظار
والذاتية في السلوك معناها التحرر من الأصول السائدة ، والعرف الذي يشل إمكانيات الفرد وضيق صلاحيته في التصرف بقواه وتوجيه نشاطه الوجهة التي يراها هو ملائمة لميوله وأخلاقه . . ولابد قبل ذلك من تصحيح نظرتنا إلى الأخلاق وتعديل إيماننا ببعض القيم التي ذهب على تمكنها في أذهاننا حقب وآباد . . إذ أثبتت هذه عجزها عن مسايرة الواقع وفشلها في تحقيق الحاجات الجديدة التى اقتضتها
الحضارة الآلية الحاضرة . . ولست بصدد الإعلان عن هذه القيم والإشارة إليها . . وحسبى أن أحيل القارئ الكريم على اخلاقه ليلمس بنفسه كم من القيم التي يقيم عليها حياته لاجدوي فيها ولا حاجة إليها . . ولم يضطره إلى الاعتراف بها سوى " الموضوعية " التى يريدها لأدبنا ولنشاطنا الذهني جماعة الموضوعيين .
والموضوعية هنا معناها الخروج على الذات في تقدير الحقائق التي تمس الفرد والتي تمس الجماعة أيضا ، والأخذ في ذلك بالسائد من الآراء والقواعد التي لا يعرف مصدرها على التحقيق . . والعالم اليوم في ازمة عصبية من جراء الصراع بين المذاهب والتضارب بين الدعوات ، ومن جراء طغيان الاجتماعية التي تذهب إلى اضطهاد الفردية وكيف نشاطها في مجال الأدب والعلم والسياسة والفكر بصورة عامة . . ولا يرد للفرد اعتباره بغير حركة مقابلة يكون غرضها التقليل من شأن القوة الاجتماعية في العالم وحمل الناس على التخفف من قبولهم لبادئها وأخذهم بآرائها . ومن ثمة نستطيع أن تخطو خطوتنا الكبرى التى تقفنا وجها لوجه أمام ما ينبغي لنا كأفراد أفذاذ قبل أن نكون أفرادا في زمرة أو أعضاء في جماعة .
وأول ما يلزمه بعث الذات في زحمة الصراع الاجتماعي العالمي الحالي هو الشعور بكفاية الفرد في تحقيق وجوده وقدرته على مقاومة التيارات التي تهدف إلى صده في سبيله أو إيقاف نشاطه في مجاله ذاك . . وبذلك تجنب قواه من الانهيار وتحيي رغبته في السعي إلى مثله والاهتداء إلى نفسه . . ويكون ذلك يحفظ الفرد خلقه من العادات الشائعة في عصره وتأمين سلوكه من التأثر بحركات الجماعات التي تجاوره ، ومذاهبها في الحكم والأخلاق ونظام المعيشة ونظام الإتيكيت
لقد بلغت البشرية اليوم مرحلة حاسمة في تاريخها يلزم أن تفصل بها بين المبادىء الحلفية القديمة وبين حاجاتها ومنافعها ، وأن تخلى الاجتماعية أولا مكانها للفرد ليرى
رأيه في التكتلات التي يراد بها ضم الأفراد إلى بعضهم وفرض الحصار على تفكيرهم وسلب حقوقهم في أن يساوا لأنفسهم ويسعوا لمصالحهم . . فليست الغاية من وجود الفرد أن يعمل لغيره ضمن نطاق مذهب من المذاهب أو فئة من الفئات ، أو على رأي خلقى شائع منذ قديم العصور ، بل غاية وجوده في حقيقة الأمر أن يحقق نفسه ، وأن يكون حرا في سلوكه ، لا يمليه عليه خلق أو عرف أو مذهب اجتماعي خاص .
ويؤسفني أن محسن بعض الناس الظن بالمذاهب السياسية المعاصرة . . فيخولون زعماءها البت في تقرير مصير الفرد ، وتعيين مجاله في الحياة . أو يوكلونهم في حل المشاكل التي يستدعيها تحفز فرديتهم إلى الانطلاق وحاجتهم هم إلى العيش على نحو اختياري حر .
وقد بلغ الضعف في بعض الفئات أن تتخلى عن حقوقها الطبيعية الخالدة لرؤسائها ، أملا بأن يجد هؤلاء الرؤساء لتحسين أحوالها المعيشية وتأمين مستقبلها من الطوارئ . وإنقاذ الفرد من هذا الضعف رهن بتنبهه إلى ذاته وحمله على الإيمان بها والصدور عنها وحدها فيما يذهب إليه من رأي ويعتنقه من معتقدات .
إن أمرا واحدا يمكن أن يثبت به الفرد أمام التكتلات العالمية التي تهدد وجوده . هو أن يحيا لنفسه . . وسبيله إلى ذلك أن يتحرر من الخوف . . الخوف من الموت والخوف من الحياة والخوف من المستقبل ، والخوف من الجوع . وشعور بتفاهة هذه جميعا . . ولا يعدم في ذلك كله مبررا له في واقعه وواقع المجتمعات القائمة الآن . . ولعل هذا الاصطدام المباشر وغير المباشر بين القوي العالمية والمذاهب الكبرى في الحكم ، ومنزعها الحقيقى الذي يهدف إلى تكبيل البشرية في أوهاق من المعتقدات والخرافات وحصر كونها الخالد فيما يرضي حاسة الطعام بها ، هو في مقدمة ما يزهدنا بالقيم الإنسانية ويؤنسنا من قيام العدالة الحقة التي يتساوي في ظلها الأفراد والشعوب في حق الحياة الرافهة الرضية . وحين يعدم اسباب الحياة الكريمة بحكم شهوة بعض الكتل القوية إلى حجز المنفعة في منطقتها ، وتطاولها على حقوقه الطبيعية ، ومحاولتها بخس قيمته وإهمال فرديته ، حين يكون ذلك يتحتم على الفرد أن يتسلح ضد هذه الحركة
بأن يستخف بمعتقداتها ، ويعلن زيفها ، وبذيع استهتارها بمقدرات الإنسان وكفايته وإرادته . . والشعوب الضعيفة اليوم بحاجة إلى أن تقوي الفردية في أبنائها وتركز معناها فيهم ليحلو لهم الاستقلال وتطيب الحرية ويشبع فهم الحرص على ضمانها من الاعتداء والطغيان
بغداد

