الحرب حالة طبيعية تنشب بين الأفراد ، كما تنشب بين الدول ؛ إذا استحكم الخلاف وتأزمت العلاقات ، ولم يستطع السلام أن يقض هذا الخلاف ، أو يسوي هانيك العلاقات . .
فأما عن الحرب بين الأفراد ، فهذه تقع في المجتمع الواحد ، وأصلها موجود في نظام " الانتقام الشخصى " وفي نزعة الفوضى التى كانت مستحكمة الحلقات في نفوس الأفراد ، يعتدى قويهم على ضعيفهم ، ولا يستطيع هذا الضعيف أن يعيش وسط الأقواء إلا مستعبدا دليلا لا حول له ولا قوة . .
هذا الانطلاق الفطري إلى الاعتداء والانتقام ، وهذه الفوضى التي لم تكن منظمة ، وليست لها حدود ، جعلت الحياة في المجتمع سعيرا لا يطاق وعذابا لا يحتمل ، فكان لا مناص من أن ينازل كل فرد عن قسط من حريته ، حتى يستطيع اقرانه في المجتمع أن يتمتعوا بحظهم من الحرية والأمن والسعادة والطمأنينة .
وتفلسف القدامى في ذلك ، فأيقنوا بوجود أصول سليمة الأصل طبيعية المهد ، هي التي تحكم بل وتستطيع أن تحكم الروابط بين الأفراد ، ويستطيع هؤلاء الأفراد أن يحتكموا إليها لفصل في منازعاتهم ، بدل الجنوح إلى تلك النزعة الفطرية الغربية : نزعة الانتقام الشخصى ونزعة الحروب بين أفراد البشر .
وقيل بأن كل عمل من الأعمال ، سواء أكان خيرا أم شرا ، إنما يهدي إليه العقل البشري السليم وفقا للطبيعة من حيث اتفاقه معها أو عدم انسجامه وما تقضي به . .
وقامت الخلافات حول هذا المبدأ ، فسلم البعض بهذه الأصول ، وانكر الآخرون وجودها ، ولكن الذي تريد أن تقوله هو أن فقهاء علم القانون وعلم الاجتماع قد أجمعوا
على أن القوانين وأحكامها وقضاءها ، ما قامت إلا لتحكم العلاقات بين الأفراد ، وذلك يجعل فوضى الاعتداءات من الأقوياء على الضعفاء ، وهذه من الوقائع المتشابهة وانما ، وكذلك فوضى الانتقام والثأر ، وفوض الحروب بين الأفراد بعضهم مع بعض ، لا مسوغ لها ؛ ثم إن تلك القوانين تضع الحد لتلك البدائيات حتى لا تطوح بالبشرية وتصد تيار النهضة وتقف حائلا دون التطور المطلوب . .
ولم تقم سلطة القضاء بقواعدها وقوانينها قومة واحدة بانتشار نظام الانتقام والحروب الفردية ، إنما مرت المسألة في فصول متتابعة ، استوحاها العقل السليم من الطبيعة المهيمنة على الأفراد ، مما يدل على أن ثمة أصولا لنزعة التحكيم والقضاء ، وقواعد قديمة تمشت مع عرف البشر في تطوره الدائم المستمر ؛ فنجد أن حرب الأفراد كان منشؤها نزاعا بين فردين ، يؤدي إلى نشوب حرب بين عشيرتهما ، مما أدى بالتالي إلى قيام " نظام التحكيم " المعروف ، والذي مهد لقيام نظام القضاء . .
بل إننا نجد في العصور الوسطى " نظام المبارزة " منتشرا ، يقض به المتنازعان نزاعهما عن طريق نواب ينوبون عن طرفي المنازعة بعد أن كان المنازعان يقومان شخصيا بالمبارزة ؛ ولا شك أن هذه الطريقة الفردية لم تكن من العدالة حيث تستدعي الإبقاء عليها ، حتى جاء أخيرا نظام الحكم بالدية التي هي الأصل القانوني للغرامة في القوانين العصرية ، فرقق بعض الشئ من الطريق الوحشي الذي كان متبعا في المجتمعات البدائية ومجتمعات العصور الوسطى . .
وقامت القوانين الموضوعة ، بعد أن توصل العقل البشري إلى أن الدولة هي المنوط بها مهمة النظام واستتباب الأمن ، فهي السلطة التي توقع العقاب على الجاني ، وفقا لتلك القوانين الموضوعة ، وهذه الأخيرة هي التي تحكم كذلك روابط الناس بعضهم ببعض ، حتى لا يتعرضوا لمهازل الانطلاق الأولى والحرية المطلقة ، تلك الحرية التي أشاعت
الفوضى وهددت الأمن وقضت على النظام ، وبالتالي على الأفراد وخاصة الضعفاء منهم ، وهم الكثرة الساحقة في مجتمع البشر .
على أن سيادة الدولة على هذا الأساس لا تكون شرعية إلا إذا كان المقصود منها أن تكفل تطبيق تلك القوانين الموضوعة لحماية الأفراد وتنظيم العلاقات . .
وقيل بأن نزعة السيطرة من القوي على الضعيف آن لها أن تباد ؛ إذ المفروض أن أفراد البشر كلهم متساوون ، وعلى هذا فحماية القوانين لهم متساوية بالنسبة لا بالدقة حسب الظروف الاجتماعية لكل منهم ، لأن التساوي في هذه الحماية ليس من العدالة في شئ ، بل إنه لا يؤدي إلى تلك المساواة التى أيقن العقل البشري بلزومها ووجوب وجودها بين سائر الأفراد .
وتتضح بعد هذا الحكمة من قيام الحكومات في المجتمعات ، تلك الحكومات التى تقوم بإنشاء البوليس ، وهذا الأخير عليه محور الحياة الحديثة ؛ ويبين لنا كذلك المدي الهائل الذي وصلت إليه البشرية في تطورها وكفاحها المستمر للقضاء على فضلات البدائية الفوضية التي لم يبق منها في العالم إلى اليوم إلا أطراف رقيقة ، يحاول أن يقدمها ، ويود أن يقضي عليها القضاء الأخير . .
يقول الأستاذ ج روبرتس : " إن الحكومة معناها من البساطة بمكان ؛ إنها تعنى أن الناس في أمريكا مثلا يخضعون لقواعد ويحتكمون إليها . . وبالرغم من أن في مكنهم ان يغيروها إذا شاءوا ، بيد انهم حتى ذلك الحين على كل منهم أن يخضع لها ، ولن يستطيع الفرد أن يناقش تلك القواعد ويصوت عليها ، إنما هو ينتخب نواباً لبنوبوا عنه في أداء تلك المهمة ، وان يستطيع الفرد أن يؤيد تلك القواعد ؛ لما يختار هؤلاء النواب قوة بوليسية لتقوم بذلك التأييد والتدعيم ، وتنشأ المحكمة لتسمع ما يقوله الفرد وما يقوله البوليس ، وكذلك السجين ، وحينئذ تقرر ما إذا خرق قاعدة اجتماعية ، وكيف ينال على هذا الخرق الجزاء . . وتلك هي القوة اللازمة للقانون .
" ولكن هناك في جنوب الباسفيك ، لم يصل المتوحشون إلى ذلك بعد ، حيث إنهم لا يدركون معنى الحكومة ، وليس ثمة قواعد وقوانين ولا بوليس ولا محاكم ، وما على الفرد إذا وقع عليه اعتداء إلا أن يضمد جراحه ، وبعدئذ ينصب كميناً لمن اعتدى عليه ليحق الحق ويحقق العدالة . . وتستمر الوحشية حتى يقع أحدهما أخيرا مضرجا بالدماء . . وتلك هي الحرب .
ولعلنا نجد أن الأستاذ ج روبرتس أجاد التعرض لهذه المسألة ، وأوضح الفارق بين حياة الأمريكان مثلاً ، حيث إن الأهلين مقيدون بقوانين إن خرقوها وقف البوليس في وجوههم ، وفصلت المحكمة في جرمهم ، ووقعت عليهم ما يستحقون من عذاب ، وبين بلاد كجنوب الباسفيك ليس فيها هذا التنظيم الذي يحد من الانطلاق الوحشي ويهذب الأنانية الفردية ، ويدعم كذلك النظام الاجتماعي .
هنا الفارق ملحوظ ، فتلك بلاد لم تعرف سبيلها إلى النهضة والتطور ، إنها تمثل المجتمع البائد حيث لا حكومة ولا قانون بالمعنى الذي نعرفه ، ولا عدالة بالمعنى الذي نفهمه . . إنما الحكومة والقانون والحق والعدالة ، كل أولئك يتمثلون في ₎₎ حروب الأفراد ₍₍ . . في حروب ₎₎ الانتقام الشخصى ₍₍ تلك الخطوة الأولى التي تخطوها البشرية فى فترة الوحشية والتي تبقى إلى اليوم جذورها ممثلة في الظاهر في بلاد لم تنهض بعد كهذا الجنوب من الباسفيك ، وكامنة في الباطن في المجتمعات الحديثة ، ولكن يحد من ظهورها وينظم تهورها ويدعم أركانها ، قوانين المجتمع الحديث بحكومته ومحاكمه وبوليسه .
. . كل هذا يدعونا إلى القول بأن الحروب بين الأفراد قد وصلت إلي مرحلة ناهضة من موافقة العدالة والمنطق . . يستريح إليها العقل البشري ، ويرجي على يدها خير البشرية ، وقد جاهدت قروناً كي تصل إليها ، حتى آن لها أن تفعل . . .

