أسفرت نتائج الانتخابات البريطانية التي أجريت أخيرا عن أن " الأحرار " في بريطانيا قد نالوا خمسة مقاعد فقط في مجلس النواب . فهل معني ذلك أن أنصار " الحرية " في بريطانيا أصبحوا يعدون على الأصابع ، وأنهم كحزب سياسي قد آن لهم الأوان أن يتلاشوا ؟ لقد تقلد زعماء هذا الحزب مقاليد الحكم في انجلترا زهاء نصف قرن على فترات كان يتخللها حكم المحافظين ، فهل مات الحزب كما يموت الأفراد بسبب الشيخوخة أم بسبب حوادث فجائية أو علل أصابته دون أمل في الشفاء ؟ .
أخذ الحزب في النشوء بعد أن هدأت الثورة الفرنسية وبعد أن أخذت المخاوف من آثارها تضمحل ، وتحل محلها رغبات جديدة وسبل إلى الإصلاح والتقدم . وتغير معنى " الحرية " تبعا لذلك ؛ فبعد أن كان النداء بالحرية والإخاء والمساواة ، مرتبطا في أذهان الناس بالثورة ضد النظم القائمة ، أصبح معنى الحرية أوسع من ذلك بكثير ، فشملت حرية الشعوب والحرية في السياسة الداخلية والحرية الاقتصادية والحرية الشخصية في الدين وفي السلوك الفردي ، وفي اختيار نوع العمل الذي يمكن للفرد أن يخدم به أمته . ومن العسير أن نعين بالضبط متى تم تطور معني الحرية ، بعد أن كانت تعتبر فضيلة سلبية يفهم منها المقاومة لكل ما يعوق الفرد في تصرفه فقط حتى أصبحت فضيلة إيجابية تتضمن قيام كل مواطن بواجبه كفرد في المجتمع الذي يعيش فيه ، ولكن يمكننا أن نذكر أن هذا الاتجاه الجديد نلمسه لأول مرة في كتاب "On Liberty " لمؤلفه جون ستيوارت ميل ، ثم في كتابات T.H. green و B. Bosatgnet في أواخر القرن التاسع عشر ، وفي مؤلفات L.T Hobhouse و R. Muir في أوائل القرن العشرين .
وقد سمى " حزب الأحرار " لأول مرة بهذا الأسم في
سنة ١٨٤٧ ، إلا أن المبادئ التحريرية كان يعتنقها الصناع والتجار منذ القرن السابع عشر ، وكان غرضهم الأول من الحرية هو مقاومة الملكية والكنيسة وكبار الملاك . ولتحقيق هذا الغرض الأساسي طالب هؤلاء ، بحقوق سياسية كتمثيلهم في البرلمان . وحرية الصحافة والعبادة ، والقضاء على الامتيازات التى كانت تتمتع بها بعض الطبقات . وقد استنكروا أي تدخل من الحكومة القائمة في شئونهم الاقتصادية أو في حرية التجارة ، ولكنهم رأوا وجوب تدخلها في القضاء على الرقيق وفي نشر التعليم .
وبالرغم من قوة الحزب في القرن التاسع عشر إلا أن أعضاءه " لم يكونوا على اتفاق بشأن الاصلاحات التى كان يجب أن يضعوها نصب أعينهم ، وتلك التي سوف تتعارض مع حرية الأفراد ، خصوصا بعد أن أعطي الشعب حقوقه الانتخابية في سنة ١٨٦٧ وتعددت العناصر والطبقات الممثلة في البرلمان .
وكانت أولى الصدمات التى تلقاها الحزب طرح مسألة ايرلنده على المجلس في سنة ١٨٨٦ ، عندما كان جلادستون رئيسا للوزراء ، فقد انقسم حزب الأحرار بسبب هذه المسألة إلى قسمين انضم أحدهما إلى حزب المحافظين مستنكرا فكرة منح أيرلنده الحكم الذاتي، ولم يستعد الحزب قوته إلا في سنة ١٩٠٦ عندما نال أغلبية ساحقة في الانتخابات التي أجريت في ذلك العام ، قام بعدها بسن قوانين أهمها القوانين الخاصة بالمعاشات وبالضمان الجماعي .
وكانت الصدمة الثانية هي اتحاد لويد جورج مع المحافظين فيما بين سنة ١٩١٦ و سنة ١٩٢٢ . فليتمكن من التغلب على اسكويث Asqwith اضطر لويد جورج إلى أن يستعين بالمحافظين ، وسبب بذلك لحزبه الأنخذال . فبالطبع رفض أسكويث وأتباعه الانضمام إلى حكومة لويد جورج ، كما أن المحافظين شعروا في الوقت نفسه بقوتهم في الجبهة التى تكونت لحكم البلاد . وحتى بعد خروج لويد جورج من الوزارة ، ظل الحزب منقسما ليس الآن بسبب الاصلاحات فقط ، ولكن
لم يعد افراده يثق بعضهم ببعض بعد ان خدع أحد زعمائهم زعيمة وزميله اسكويث .
وقد حدثت علاوة علي هذا الانقسام السياسي حركة اجتماعية لم يكن منها بد ، عملت على إضعاف الحزب الذي كان يمثل الطبقة المتوسطة . فإنه بعد اندماج الطبقة المتوسطة العليا من الأحرار مع الطبقة الأرستقراطية من المحافظين في التعليم ثم في الثروة وبالتزاوج ، أصبح حزب الأحرار يمثل الطبقة المتوسطة الدنيا ، وعمل منذ ذلك الوقت على جذب أصوات ناخبين من طبقة العمال ، وعلى تحسين حال معيشة هؤلاء بوساطة تدخل الحكومة ، بعد أن كان الأحرار لا يوافقون على سن القوانين التي تحد من حرية التصرف عند الأفراد . وأصبح المقصود من كلمة " الحرية " ليس استقلال الوطن أو الحكم البرلماني فحسب ، بل تحرير الشعب من الفقر والجهل والمرض . وبذلك أوجد الحزب لنفسه أعداء ثلاثة : أولهم بعض الأحرار أنفسهم الذين لم يتحملوا كل ما نادى به الحزب من إصلاحات جديدة ، فانضموا إلي المحافظين ؛ وثانيهم منافسو الحزب وهم الاشتراكيون وحزب العمال الناشئ والذي قوي تدريجيا وأصبح ممثلا المبادئ التحررية بمعناها الواسع ؛ وثالثا انفصلت عن الحزب هيئات الموظفين والمدرسين وأصحاب المهن الحرة الذين اعتنقوا تدريجيا مبدأ التشريع الحكومي للعمل على ترقية الشعب ورفع مستوي المعيشة ، وأصبحوا مضادين للمبدأ الأساسي لحزب الأحرار وهو الحرية التامة للأفراد خلقيا وعقليا .
وربما يعتقد البعض أن حزبا قويا مثل حزب الأحرار كان يمكن أن يجمع شمله مرة أخرى بالرغم مما اعترضه من صعوبات ، وما حل به من انقسامات ، ولكن الفرصة قد فاتته لأن يصبح مرة اخري حزبا عاملا في السياسة البريطانية ؛ وذلك لأحد أسباب ثلاثة : إما أن يكون الحزب قد تلاشى بعد أن نجح في مهمته الأولى وهي إيجاد التوازن بين التاج والبرلمان وبعد ان قام الشعب بحكم نفسه بنفسه ، وتم تحقيق حريته - غير أنه من المستبعد أن يكون النجاح سبب اضمحلال حزب من الأحزاب - وإما أن يكون المثل الأعلى للحرية قد أصبح المحافظة على كيان الدولة وليس
تحقيق الحرية الفردية أو الشخصية ، وبذلك يكون الفرد قد حرم من أثمن ألوان الحرية لديه . وتكون الدولة بدورها قد فقدت أهم ما ترتكز عليه وهو قوة شخصيات أفرادها .
وهناك سبب ثالث ربما يكون أقرب إلى الحقيقة من السببين السالفين ، وهو احتمال نجاح الحزب في إقناع الحزبين الآخرين - حزبى المحافظين والعمال - بصحة آرائه حتى اقتبس كل من الحزبين ما يتمنى ووجهة نظره ويجاري مطالب العصر الحديث في الوقت ذاته ، وبذلك يكون الشعب البريطاني بأجمعه قد اعتنق المبادىء التحررية وأصبح للخمسة أعضاء الممثلين لحزب الأحرار في البرلمان البريطاني اليوم معنى أسمى من مجرد تمثيلهم لبقايا حزب لا يزال يكافح سدي للبقاء بجانب حزبين يفوقانه عددا وقوة أو حزب كل مهمته أن يضم صوته إلي الجانب المنتصر كلما اقتضت الظروف .

