الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 680 الرجوع إلى "الثقافة"

ندوة القلم, " رأى فى كنجزلى "

Share

حضرة الأستاذ المحترم مبارك إبراهيم بعد التحية ، فقد سرني عرضكم الممتع لنواحي " الفكر الأوربي المعاصر " وخصوصا ما نشرتم في عدد الثقافة ( ٦٧٦ ) عن رأي في تاكرى و " تشارلز كنجزلى " وأرجو السماح لي بأن أبدي " رأيا في كنجزلى " تعليقا على هذا المقال الأخير . فقد صور كنجزلي للقراء ككاتب يصف الطبيعة ويخاطب الطفل ، حتى في كتبه التي كتبها للكبار . لقد ذكرتم فعلا  أنه كان مجاهدا في سبيل الخير والعلم ولكنكم اعتقدتم بأنه " على الرغم من هذا كله لم يشتهر إلا بكتبه التي ألفها للأطفال أليس حقيقيا أن أشهر كتبه هو Weel ward Ho وهو كتاب تاريخ عن عصر الملكة اليزابث قبل ان يكون رواية لتسلية الأطفال ؛ نعم إن هذا الكتاب يصلح " مبسطا " لأن يقرأه الصغار ، ولكن الكبار لا يشعرون عند قراءته بأن كنجزلي يخاطب من هم دونهم سنا علاوة علي ذلك فإن اراءه التي عرضها في جميع كتبه عن التربية والمجتمع والاقتصاد والسياسة والدين ، ليس الغرض منها جعل كتبه مسلية للأطفال ، وإنما توجيه أنظار الكبار إلى ضرورة العناية بالتشويق في التربية ثم إلى إصلاح المجتمع اقتصاديا وسياسيا عن طريق تعاليم الدين المسيحى .

إن كتبه مثل The Heroes الذي نشر في سنة ١٨٥٦  و The Water Babies   ( ۱۸٦۳ ) و Madam How  Lady Why ( ۱۸٧٠ ) لم تكن إلا درعاً تكمن من ورائها معتقداته السياسية والاجتماعية بطريقة تشبه إلى حد ما ما جاء  في رواية Alice in Wanderland التي كتبت فعلا لطفلة ؟ تم إن تلك الكتب التي ذكرتموها ما كانت لتحظى بالمكانة  التي حظيت بها لو لم تكن لنفس المؤلف الذي سبق أن نشر Alton Locke في سنة ١٨٥٠ و Yeast )١٨٥١(  و Westwab Hal ( ١٨٥۰) التي يعدها بعض النقاد أهم

من الكتب سالفة الذكر وأصلح منها كمرآة لآراء كنجزلي المرئي والاشتراكي في مسيحيته ، المبالغ أحيانا إلى درجة نشوه الصورة الحقيقية لبيئته وعصره . كما يتضح من الكتابين الآتي ذكرهما .

فبطل رواية عن Alton Locke كان من الطبقة الدنيا في لندن وقد اعتبر مركزه هذا هبة من الإله ، لأنه جعله يتمكن من مشاركة الفقراء شعورهم في الطريق والمصانع والحانات والمستشفيات ، بل في الجهل والخطيئة . وكانت آلهته التي سيطرت على حياته حتى أصبح في العاشرة من عمره " جهنم والعصا ، والوصايا العشر ، والرأي العام حتى نما وتاق إلى إصلاح حاله ، فوجد مسألة التربية في إنجلترا حينئذ مسألة احتكار ، والجامعات ما هى إلا وسيلة لكسب العيش ، فاعتقد أنه إن لم تساعده الحكومة ولا أعضاء البرلمان فليساعد نفسه بنفسه ، إذ أن الاتحاد بينه وبين أمثاله من الطبقة العاملة هو الفرصة الوحيدة لتحقيق آمالهم المنشودة ، وكثيرا ما نادي " أعطونا نفس الهواء ، والماء والرياضة ، والتربية والمجتمع الممتاز ، وسوف ترون أن الخشونة التي تبدو على أمثالنا ما هى إلا ظاهرة عرضية " . ولم يعجب بتربية الطبقة الأرستقراطية هى الأخرى التي كان أساسها اللغة اللاتينية وعلم الرياضة ، حتى التعاليم الدينية بدت أمامه كأن خاوية لا فائدة منها إذا كانت معدة الفرد فارغة لدرجة لا يمكنه حتى من تأدية الصلاة .

وقد أشاد المؤلف بذكر فصل في كتاب جون ستيوارت ميل في الاقتصاد السياسي عن " المستقبل المحتمل الطبقات العاملة ، وثار مع ميل ضد الملكية المستعبدة للعامل وخصوصا في إيراندة - مستثنيا أملاك الكنيسة فقط . وطالب بإصلاح حال العمال الزراعيين الذين لم يشعروا بطمأنينة في حياتهم ، والدين كثيرا ما ضمنتهم السجون ظلما وعدوانا ، كما رأى ضرورة اصلاح السجون ، والقضاء على امتيازات بعض الأجناس البشرية دون البعض الآخر ؛

) البقية على الصفحة التالية (

فكان المثل الأعلى له مملكة الله " التى تمثا في الكنيسة والكتاب المقدس والمدنية والحرية والديموقراطية والتضحية والإخاء . ولقد لخص مبادئه الاشتراكية في بيتين من الشعر على لسان مطربة في ص ٤١٩ من هذا الكتاب الذي عمل اسم البطل آلتون لوك :

اعمل للجميع وتمكن الجميع من العمل تقاسم كل شئ وتمتع بكل شئ مع الجميع

أما الكتاب الثاني فاسمه يدل على الغرض منه " الخميرة ويوضح كنجزلي معناه في ص ٢٧٢ من الكتاب : " الخميرة أي عين صادقة للأفكار - الطبية أو السيئة - المختمرة في اذهان النشئ في الوقت الحاضر ، إلخ ؟ ثم في ص ٣٦٦ يصف عقول الشباب بانها في " حالة مختمرة تشبه البركان الذي عمل معه أثناء فورانه الأحجار والعصى والمواد النباتية وبعض القطاع الفاسد ، والعريش الذي فارق الحياة غرفا والأسمدة والسموم . . " إلخ .

ومن بين هذه الأفكار المضطربة مسألة وجود الفوارق الاقتصادية بين طبقات الشعب ، وما يصحب ذلك من شدة الفقر والجرائم والتبرم من الحياة من جانب الشعب من جهة ، وعدم مكافأة العامل ، أي سوء تقدير أجور العمال وإهمال الواجب

من الطبقة الحاكمة من جهة اخرى . وقد كان هناك اعتقاد بأن في الميدان متسعا لكل عامل يتوفى إلى رفع مستوى معيشته ، ولكن كنجزلي اعتقد أن هذا هراء ، وان من ولد عاملا ظل عاملا إلى أن يموت ، وأن القوانين التي سنت لإصلاح حال الفقراء لم تؤد إلى تحسين حالهم . بل بالعكس أدت إلى جعلهم لا يستحبون من الإعانات والتسول والعبودية ، كما ان تلك القوانين تؤدي إلى منعهم من الارتفاع فوق مستواهم الطبيعي لئلا يمتنعوا عن خدمة الطبقات الأخرى . وكان من رأي كنجزلي أن استخدام رءوس الأموال البريطانية في إصلاح حال الشعب أصلح من استثمارها في الخارج لجلب الربح للعدد القليل .

ويتضح من هذا العرض السريع لما اعتقد أنهما أهم كتب كنجزلي ، أن هذا الكاتب كان قبل كل شئ مسيحيا اشترا كيا ثم مربيا ، انجه في النصف الأخير من حياته إلى كتابة قصص للأطفال تتضمن هى الأخرى آراءه الدينية والسياسية والاجتماعية والتربوية . ولكن في لهجة أقل شدة من تلك التي خاطب بها الحكومة والمصلحين في " آلتون لوك " و " الخميرة

وتفضوا بقبول فائق الاحترام .

اشترك في نشرتنا البريدية