الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 684الرجوع إلى "الثقافة"

ندوة القلم, مركز المرأة فى التاريخ القديم

Share

اختلف نظر الناس فى الزمن القديم إلى المرأة . وتباينت نظرتهم إليها ؛ فجماعات منهم أكرمتها وأنزلتها المنزلة اللائقة بها كأم وعربية . وجماعات منهم لم تر فيها غير آلة تسخرها يد الرجل ، وجماعات أخرى بالغت فى تعظيمها حتى كادت أن تبز الرجل . ومركز المرأة بين هذه الجماعات جميعا إنما كان متأثرا إلى أبعد حد باختلاف البيئات ، وتباين الحضارات ؛ فنجد البيئات الزراعية مثلا قد أحسنت معاملة المرأة ، وهذا يعكس البيئات الرعوية التى ضفت على المرأة بأبسط حقوقها . ففي البيئة الأولى حيث تقوم الزراعة وحيث تلح الحاجة إلى الأيدي العاملة وحيث يجد الرجل نفسه عاجزا عن القيام بالعمل وحده دون مساعدة زوجه ، كل ذلك كان سببا ودافعا لتقدير المرأة . أما فى البيئات الرعوية فلم ير الناس فى المرأة أهمية تذكر ، ومن ثم أهملوا شأنها وأسقطوها من حسابهم .

و باعتبار البيئات كانت المرأة فى مصر القديمة أعز جانبا وأوفر كرامة من نظيرتها فى البلاد الأخرى ، فإن أعرق الحضارات القديمة لم تنزل المرأة منزلتها الجديرة بها كما أنزلتها الحضارة المصرية ، ففى الآثار القديمة نجد المرأة إلى جانب الرجل وحتى الملوك لا يكادون يصورون إلا إلى جانب زوجاتهم ، وليس ذلك إلا لأنهم قدروا المرأة حق قدرها ، فهى شريكة الرجل فى حياته تقف إلى جانبه فى جد الحياة ولهوها ؛ ولكن الرجل يحكم عمله وطبيعة تكوينه كان قواما على المرأة فى حدود ما يحفظ عليها حقها ويصون عزنها ويدخر وقارها ويوفر كرامتها ، وإذا نحن ألقينا النظر فى الصور المنقوشة على آثار ذلك العصر ، نجد دليل ذلك واضحا فى لون الرجل إذ يضرب إلى السمرة ، بينما كان لون المرأة يضرب إلى الصفرة ، وذلك بطبيعة الحال كان متأثرا بعمل الاثنين ؛ فالرجل يعمل طيلة يومه خارج المنزل معرضا لحرارة الشمس ، بينما كانت المرأة سيدة البيت وربة الدار

وإذا كانت الآثار تنبئنا بكل ذلك فإن أدب القدماء يحدثنا بما هو أجل وأعظم ، فقد أوصى كاحوتب بالمرأة خيرا فقال : " إذا أصبحت رجلا فتزوج وأجل وأعظم زوجك وقدم لها الطعام والكساء ، وأعد لها الزيت فإن فيه شقاء لها ، وأدخل عليها السرور ، ولا تسلك معها سبيل العنف والقسوة " .

وكانت المرأة لا تتزوج إلا بمحض إرادتها ، وكان الزواج يقوم بعقد بين أسرة الزوج وأسرة الزوجة ، يتعهد الزوج فيه بتقديم كل ما تحتاج إليه زوجه من طعام وشراب وكساء ، وفى حالة ما إذا طلقها كان عليه أن يدفع لها تعويضا ، ويبدو أن إتمام الزواج عند القدماء كان متمشيا مع ما تقضى به الشريعة الإسلامية من قبول الطرفين التزوج من بعضهما ، ولكن لإثبات حقوق الزوجة والأولاد كان يتعين تحرير العقود .

وكان تعدد الزوجات معروفا لدى القدماء لكنه كان شائعا بين ذوى اليسار والغنى أما عند عامة الشعب والسواد الأعظم فكانت قيود الزواج ثقيلة بدرجة جعلت تعدد الزوجات أمرا متعذرا بالفعل وإن كان مباحا فى الشكل . ومن أطرف ما فى هذا الموضوع أننا رأينا فى أحد عقود الزواج تعهدا من الزوج أن يعطى قرينته خمسين قطعة من الفضة إذا طردها ومائة قطعة إذا اتخذ عليها ضرة .

كل ذلك ينهض من غير شك على احترام المصريين القدماء للمرأة وإجلالهم لها .

ولم تكن المرأة فى بابل أقل مكانة من المرأة فى مصر ، فكان النساء بتبوأن مكانة لا تكاد تقل عن مكانة الرجل ، فكن يمتلكن وكن يرثن ، وكان للأنثى مثل حظ الذكر فى الميراث وكن مع ذلك يتربعن على مناصب الحكم والقضاء ويحترفن مهنة الكتابة ويشتغلن بالوظائف الكهنوتية .

أما الزواج فكان تعاقدا بين الرجل والمرأة ، ولم يكن فى وسع الرجل أن يتزوج امرأتين إلا إذا ثبت أن الزوجة الأولى مريضة أو عاقر ، والرجل يعد مسئولا عن كل ما يتعلق بزوجته من قريب أو بعيد ، وكانت المرأة تقف مع

الرجل على قدم المساواة فى حق الطلاق ، وكان لكل من الطرفين أن يستخدم هذا الحق متى شاء ، لكنه كان من المتعذر على المرأة أن تقاوم الطلاق إذا شاء الرجل ، فإن هى عارضت استطاع الزوج أن يقدمها إلى القضاء فإذا ثبت من التحقيق أنها زوجة معاكسة شريرة حكم عليها بالموت غرقا . ولكن ، مع ذلك ، فلا نستطيع أن ننكر أن المرأة فى بابل كانت تتمتع بنظام اجتماعى كفل لها حقوقها . وساواها بالرجل .

أما فى أثينا فقد شاع احتقار المرأة ونظر إليها المجتمع نظرة حقيرة ، فكانت تقضى زمانها قعيدة فى البيت ، حياتها سلسلة متصلة من الفراغ ، وماذا هي فاعلة ؟ ! الرقيق يقوم بأعمال المنزل والرجال يشتغلون بالأعمال العامة ، ومن ثم انطوت المرأة على نفسها فى دار زوجها واتخذها الرجل للمتعة والتسلية فقط ؛ وفى الواقع أن نظرة أثينا إلى المرأة يدعو إلى العجب فى وقت بلغ فيه العقل اليونانى درجة كبيرة من النضج ووصلت حضارة اليونان إلى مستوى عال رفيع .

حقيقة كانت هناك أقلية من النساء الأجنبيات يعشن خارج البيت عيشة باهرة راضية وأفمن أنفسهن فى مصاف الرجال لكن أولئك النساء كن أقلية ضئيلة وعنصرا غريبا عن المرأة اليونانية التى كان دستورها الجهل والطاعة العمياء ، وكانت النظرية القائلة بأن المكان الوحيد للمرأة الفاضلة هو البيت ، متأصلة فى روح العصر ، وبلغ من قوتها أن النساء فى عهد يوربيديس كن يتكلمن لغة محدودة أو حديثا تافها كان مقصورا عليهن .

وقد أثر ذلك فى حضارة اليونان ، إذ لو أن المرأة أخذت بثقافة عصرها لعمرت حضارة اليونان أطول مما عمرت .

وبرغم أن المرأة اليونانية لم تجد مكانها فى المجتمع فقد وجدت لها مكانا ساميا فى الأدب والفلسفة ، فيوربيديس وهو من أكبر المسرحيين كان يضع نفسه دائما فى صف المرأة ، وكذلك كان أفلاطون يشيد بالمرأة فى فلسفته ويرى

أنها مخلوق من الجمال والنور ، لكن ذلك لم يتجاوز الناحية النظرية فقط .

أما فى روما بلد الشرائع والقوانين فكانت المرأة تابعة للرجل فى كل شئ ، فهى منذ ولادتها تابعة لأبيها ، حتى إذا ما تزوجت انتقلت تلك التبعية إلى زوجها ، وأصبح منذ ذلك الحين زوجها هو المسيطر عليها حتى آخر لحظة فى حياتها ، ولم يكن لها أن ترث أو تمتلك ولم يكن لها كذلك حق التوظف أو الاشتغال بالشئون العامة ، بل حيل بينها وبين أداء الشهادة وتوقيع العقود ، وكانت القوانين تعفيها من أخطائها إذا ثبت جهلها .

على أن ذلك لم يطل ، إذ كان لزاما أن يتطور مركز المرأة فى روما ، وكان الجو ملائما ، فلم يكن القتال الفردى أهم ما يشغل الرجال وإنما انغمر الناس فى بحر من الحضارة الزاهرة والمدنية الراقية ، وقد كانت المرأة تابعة لأبيها فى الشطر الأول من حياتها ثم تنتقل التبعية فى الشطر الثانى إلى زوجها ، وأدى ذلك إلى قيام الكفاح بين الأب وزوج ابنته الأمر الذى أدى إلى منح المرأة كثيرا من الحرية الخاصة والاستقلال الشخصى ؛ ومن ذلك الحين أخذ مركز المرأة يقوي فى المجتمع الرومانى حتى كاد أن يطغى على مركز الرجل ، وخاف بعض الرجال نتيجة ذلك التقدم السريع من جانب المرأة ، وخشى بعض المشرعين عاقبة الأمر ، فتقدم أحد القرابنة بمشروع قانون يحرم على المرأة أن تمتلك أكثر من نصف أوقية من الذهب ويحدد لها الملابس التى يجب أن تلبسها ، بل الألوان التى ينبغى أن تكون عليها تلك الملابس .

إلا أن النساء يوم ذاك كن أعظم من أن ينقص الرجال من حقوقهن . وسرعان ما تكون من بينهن اتحاد نسوى للوقوف فى وجه طغيان الرجال . ولما كان عام ٢١٥ ق . م قام كانو أحد مشاهير الرومان وقدم مشروعا إلى مجلس السنا ولتحديد ملكية المرأة حتى تقلل من زينتها ، وتقتصد في بذخها ؛ لكن الاتحاد النسوى وقف فى وجه المشروع وقاومه حتى كتب عليه الفشل وتأيدت حقوق المرأة .

أما كانو فقد ازداد حتفه على النساء ووجه إلى أعضاء السناتو خطايا ناريا ندد فيه بالنساء وألقى مسئولية ذلك على الرجال لأنهم هم الذين سمحوا لأزواجهم بالخروج عن حادة الحياة والخوض مع الرجال فى ميدان السياسة ، واختتم خطابه متشائما من نتيجة ذلك ومؤكدا أن نجاح النساء ومساواتهن بالرجال نذير شر على روما .

لكن لوسيس فلاريس عارض كأنو مؤيدا النساء ومناصرا لهن وأبدى دهشته من موقف النساء مستندا إلى التاريخ يوم قامت سيدات رومانيات بالمفاوضات يوما ما ويوم تدخلن فى الغزو الحالى ، وعلل فلاريس موقف كأنو يحقده على المرأة الأمر الذى دفعه إلى سوء تقديره

غير أن الزمن وحده كان كفيلا بالفصل بين كانو وخصومه ، وقد صدق نظره وحققت أوهامه حين تغالى النساء وتدخلت المرأة المستهترة فى شئون السياسة الأمر الذى هوى بالأمبراطورية الرومانية وصدع أركانها .

اشترك في نشرتنا البريدية