الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 662الرجوع إلى "الثقافة"

ندوة القلم, من شعراء الطبيعة, فرانسيس تومـسن، أو الشاعر المعدم

Share

كان تومسن صبيا حالما خجولا بعد أن قضى حياة شقية ومرت عليه أيام حالكة فى المدرسة وفى عام ١٨٧٨ بعث به والده الطبيب إلى مانشستر لدراسة الطب وبينا كان المفروض فيه الإقبال على دراسة التشريح صار يصرف ساعاته في المكتبة ليطالع الشعر ومرت الأعوام وشاعرنا يلاقى فشلا أثر فشل في امتحاناته حتى تهاوي صبر أبيه الرقيق وانهدت قواه حين لاحظ أن مطامح ابنه الأدبية قد لا تثمر شيئا وعليه نبذ الشاعر ونفسه ليتدبر أمرها وفى حالة يرنى لها من التدهور الجسمانى الشنيع والناتج خصوصا عن طبيعة تناول الأفيون وصل لندن خاوى الوفاض بدون مال سوى ما يحتويه متاعه من دواوين شعر ل بليك واخيلوس وضع كل منهما فى جيب وراح يجوب الطرفات وهو بأسماله الرئة فكان يقضي ليلة نائما على الأرصفة والجسور ويشق النفس كان يحصل على القرش الأبيض من مهنته مساح أحذية ثم ما لبث أن اندفع يبيع الشخاط والجرائد في الميادين وكان الحزن العميق هو المذنب الأول للقدر والذى حفر كل الأوجاع البدنية في هيكله العليل والعلاج الناجع الوحيد الذى وصفه لنفسه هو اشف نفسك أيها الطبيب

وفي عام ١٨٨٧ عندما تبدى له بصيص من الأمل قدم عدة مخطوطات من شعره إلى ولفريد ما ينيل محرر مجلة ميرى انكلاند الذي حالما وقمت عيناه عليها صعقه الدهش

لشدة متانتها وقوة أسرها فبعث حالا في طلب ناظمها الذي ظهر في غرفة التحرير اخشن وأزرى حالة من متسول عادى مرتديا سترة ليس خلفها قميص وبأقدام عارية داخل حذاء مثقوب وكانت تلك الزيارة من أروع القصص في تاريخ الأدب الحديث وبعد إقناع وإلحاح رضى تومسن بضيافة والفريد ما يقيل وزوجه إليس ذلك لأن شعره بالرغم من فلته وعوزه إلى مساندة شعبية هو في طريقته الخاصة يعد أعظم شعر في تلك الفترة وبقى تومسن في ملجته من بيت ماينيل حتى آخر لحظة من حياته وحين ازدهر اسمه وسمت شهرته فيما بعد كان والده يقرأ اسمه مقرونا بأسماء شيللى وتينسن وغيرهما حتى تأخذه الدهشة فيقول يا للصبى ما ضر لو أخبرنى قبل الآن

يعد تومسن أعظم شاعر صوفى في الأدب الانكليزى وكان ذا نفسية بسيطة وروح صافية مبالة لحب الأطفال ويعتبر تومسن غروبا لشمس القرن التاسع عشر ذات الروعة الأخاذة وقد توج رأسه بتلك الصور المسرفة بالألوان الروحية من خريدته أغنية إلى الشمس الغاربة كقوله

ايه أيها اليوم المسن تطامن للغروب

فإن مناءك يرتسم حولك عند الهبوط

جليلا كان موكبك الشرقى الاحتفالى

" ولكنك في غروبك تحاكى مهرجانا عظيما

مثقلا بضوضاء السماء

وعصفة موسيقاك المرئية تصم آذان القضاء

ومتوجك تصطفق لتشمل أديم المغرب

أنت تصنع أيها النهار فناءك بظفر واعتزاز

فإنى أري القرمز يدوى من مزاميرك ١

وإن أحلامه النمقة البهية ليست سوى هروب من مرارة الحياة ولقد وجد ساوته في التصوف الدينى فله فصائد راقية وعبادة نقية فى أغانى الأخت وله كلب السياء وحب فى حضن ديانا وفى قصائده عن الأطفال

كم عبير الرحمة يتضوع من أياتها وكان يدعو طفل القرية حين يصادفه زهرة الأقحوان ومن خاصية هذا الشاعر أنه جمع من الحوادث التافهة ومن تلك الأيام السائرة قصائده الموسومة ب الموسيقي الذهبية وحين شاهد الغروب في ستور نكتن ارسل نشيده الخالد المعروف

وفي الأيام السالفة لوفاته ذهب كمريض خصوصى إلى مستشفى سان جون في غابة سان جون وهناك في الثامن والأربعين من عمره في ١٣ من نوفمبر عام ١٩٠٧ مضى إلى العالم الآخر وقت الفجر الفجر الذيى كان ساعة موته فى قصيدته الحلم الموعود ورقد في كنيسة سانت مارى وفي كفنه حفظت ورود من حديقة الشاعر الكبير جورح ميردث وقد كتب عنها ميردث يقول حزمة صغيرة من شاعر وفى وهناك أيضا البنفسج الجانى علي صدر الشاعر الميت والمقدم من تلك اليد التى طالما تغنى بها الشاعر غناءه القدسى وانتحب الأصدقاء المخلصون لا من أجل فقده فقط بل من أجل أغانيه لقد جعل جميع الناس مدينين له تاركا لأولئك الذين أحبوه ذكرى تلك الشخصية الفريدة وإلى الشعر الانكليزى ذلك الاسم الذي لا يموت

بغداد

اشترك في نشرتنا البريدية