الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 676الرجوع إلى "الثقافة"

ندوة القلم

Share

شيخنا موجود

عندما وصلت انجلترا سكنت مع سيدة إنجليزية فى لندن، لها بنت فى العاشرة وابن فى السادسة، وهى تؤجر بقية حجرات المنزل لتعيش بما تناله من إيجار، فضلا عما يأتيها من يعض المال من عملها كسكرتيرة فى إحدى المؤسسات .

وكانت السيدة - لكثرة أعمالها فى الداخل والخارج ولتغيب زوجها - تترك الولدين فى أوقات كثيرة من غير أن تعطيهما شيئا من وقتها ( الذى تعتبره ثمينا ) . ومع ذلك فعي تهيئ لهما كل ما يطلبان . ولكن على شرط واحد ، هو الا يطلباها هى نفسها لتلاعبهما أو تقضى معهما بعضا من وقتها .

ورغم ما فى الأطفال الإنجليز من رجولة ورزانة . فقد كان " بيلى" - طفلها - كثير البكاء والمشاغية، وكان كثيرا ما يجلس بيننا فيأتى بحركات عجيبة فيها كثير من الخطورة، أو بأصوات غريبة تفسد اجتماعاتنا ومناقشاتنا، فكنا نتاوب تأتيه وتهديده، وكانت أمه تشترك معنا فى هذا التأنيب والتهديد، ولكن الطفل يصر على هذه المشاغبة دون أن يرضخ لتهديد .

وكنت كثيرا ما أسائل نفسى: ما الذى يسبب هذا فى نفس الطفل فيجعله مشاغبا هكذا ؟ فهو ينال كل ما يطلب، وهو لا يحصل من مناوشاته هذه إلا على غضبنا عليه وعقابنا له، وهو - بالطبع - لا يبغى غضبا أو عقابا . . لا بد إذا من انه يبغى شيئا هاما جدا بحيث لا يهمه بعد ذلك غضبنا وعقابنا . . ما هو هذا الشئ . . ؟ ذلك ما عرفته من جملة لغوه بها الطفل مرة بعد أن زاد تأنيبنا له . . إذ قال : " وماذا أفعل ، ما دمتم تتكلمون فى شئ لا أعرفه ؟ " .

إذا فهو لا يشاغب حبا فى المشاغبة، بل هو يشاغب ورغم عدم حبه للمشاغبة، وإنما السبب هو أننا نتكلم فى شئ

يجعله يعتقد أنه مهشتمل، وأننا لا نحس وجوده ، فلا بأس إن صاح وصرخ وأنى بحركات تجعلنا نلتفت إليه ونحس وجوده . حتى لو كان هذا الوجود ثقيلا . . ولكن - لا بأس - فهذا أفضل من أن يحس بأنه غير موجود على الإطلاق .

وتساءلت : أإلى هذا الحد يضحى الإنسان بحب الناس له لكى يشعر بأنه موجود؛ وإلى هذا الحد يقبل الإنسان أشد العقوبات ويضحى بكثير من المغريات لكى يرضى فى نفسه نزعة الوجود، حتى لو اعتمد هذا الوجود على الصياح والصراخ ؟ إذا فقد فهمت مشكلة ذلك الصديق الذى أتانى يوما يقص على مشكلة حار فى تفسيرها وحرث معه، وفكرت فيها كثيرا وأمعنت فى التفكير، حتى حلها ذلك الطفل الإنجليزى .

قال صديقى : لقد لاحظنا على والدنا، فى السنوات الأخيرة، أن صياحه وصراخه قد ازداد بشكل جعلنا لا تفكر إلا فى كيفية علاجه منهما، والبحث عن مسبباتهما، قلنا أحيانا إن المرض يجعل النفس حزينة متشائمة تنظر إلى الأمور بمنظار أسود، فلا ترى إلا الفاسد من الأمور . فإن أردنا علاجا لهذا فلنعالج المرض . فإن يئسنا صيرنا وسلمنا أمرنا لله. وقلنا أحيانا هو الشعور بالشيخوخة وعدم القدرة على العمل . والنقص فى الإنتاج يؤثر فى النفس التى أحبت العمل والإنتاج، وهذا شىء طبيعي ليس له علاج إلا أن نسلم أمرنا لله.

قلت لصديقى : إن صباح والدك هذا سببه هو نفس السبب الذى يصيح من أجله ذلك الطفل الإنجليزى، إنه لا يريد إلا أن يذكر من حوله " أنه موجود " .

إن هذا الصراخ لا يمكن أن يكون غرضه إصلاح شئ فلا بد لمن كان فى سن والدك أن يدرك تمام الإدراك أن صياحه لن يصلح شيئا، بل وربما حافظ على الشئ الفاسد ليكون سببا من أسباب تبريره لصياحه .

لقد كانت كثرة أهماله فى الماضى تشعره بأنه موجود، فلما زال العمل زال بعض هذا الشعور. وكان احترام الناس له، بسبب مركزه الاجتماعى أو بسبب شخصيته القوية . يشعره بأنه موجود، فلما زال هذا الاحترام زال بعض آخر من هذا الشعور . . وهكذا أخذ يفقد وجوديته شيئا فشيئا حتى اضطر أن يخدع نفسه ليشعر أنه موجود فلم يجد غير الصياح .

سألنى صاحبى : فإذا كان هذا هو سبب المرض فأى دواء تعتقد أن فيه العلاج ؟ .

قلت : إن الشيخ يريد أن يشعر أنه موجود، إذا فلتشعروه بوجوده . ولكن ليس فى وقت صياحه، وإنما فى وقت حدوثه، فإن وجدوتموه فى وقت ما هادئا لطيفا اجتمع حوله وأشعرتموء بأهميته بينكم، فإذا صاح تجنبتموه وتظاهرتهم بأنكم لا تعبأون بكلامه ولا صياحه . هنا سيشعر بأن وجوده سيكون فى شيء آخر غير الصياح والصراخ . وإنما فى تجمعكم حوله يقص عليكم تجاريبه فى الحياة بكلام مملوء بحكمة الشيخوخة الهادئة.

اشترك في نشرتنا البريدية