صلاة !!
قالت لى صديقتى النمساوية : أين ستذهب يوم الأحد القادم ؟ قلت : ربما أمكث فى المنزل أقرأ أو أستمع إلى الراديو . قالت : ولماذا لا تذهب معى إلى الكنيسة ؟ قلت " إني لا أعبد ما تعبدون ؟ فلماذا أذهب معك إلى الكنيسة ؟ قالت : لكن الدين عندنا في فينا يختلف عن جميع الأديان فى العالم . وعشاق ديننا كثيرون ، وهو لا يفرق بين أبيض وأسود ، وأنبياؤها كذلك كلهم محبوبون من أناس كثيرين ، وكل من يأتى إلى فينا عليه أن يحج إلى أحد هؤلاء الأنبياء .
قلت : وما هذا الدين الجديد الذى تدعين إليه ؟ قالت : عليك أن تتبعنى ...
وفي يوم الأحد إذا بصديقتى تطرق بابى في الثامنة صباحا وتدعونى للخروج معها إلى الكنيسة . وفعلا قمت معها على مضض . وكانت تضحك طوال الطريق ، ولم أدر لماذا كانت تضحك حتى وصلنا إلى الكنيسة ، وإذا بى أمام شباك تذاكر به ثلاثة أنواع من التذاكر كالسينما تماما ، صالة وبلكون وتذاكر للواقفين . قلت لها : أتدخلون الكنائس هنا بالتذاكر ؟ إننا نعبد إلهنا بالمجان ! .
قالت : ألم أقل لك إن الدين في فينا غير جميع الأديان . وتبعتها إلى الداخل وصعدنا إلي البلكون وجلسنا على الكراسى وإذا بى أرى أمامى فرقة من الأطفال يبلغ عددهم عشرين طفلا وهم جميعا دون الرابعة عشرة ، يلبسون ملابس تشبه ما يلبسه رجال البحرية عندنا ، وعلى جانبى هؤلاء الأطفال يجلس أشهر العازفين في فينا ، وهم مشهورون فى العالم أجمع ومعروفون باسم " فينا فيلهارمونيكا اوركسترا " وقد زاروا مصر في السنتين الأخيرتين وأحيوا فيها حفلات رائعة فى صالة سينما ريفولي بالقاهرة على ما أذكر . ووزع علينا البرنامج ، فإذا هو يحتوى على أربع مقطوعات موسيقية
من تأليف " هايدن" وفى العاشرة تماما تقدم رتل من الرهبان إلي "المذبح " وابتدأوا فى صلاتهم ثم سكتوا ، وإذا بالنغم الحلو يرن في آذاننا وأصوات هؤلاء الأطفال وهم ينشدون كأنهم ملائكة من السماء ترفرف علينا ، وساد الجمع صمت رهيب ، وذهب الخيال بكل منا إلى حيث ما نتمناه وانتقل الأطفال من مقطوعة إلى مقطوعة ، وانتقل معهم النغم الرائع سهلا لينا حينا ، ومرتفعا صاخبا حينا آخر . . وانتقلنا نحن معهم كما تنتقل الفراشة من زهرة إلى زهرة لتنعم بالرحيق العذب والرائحة الشجية .
ثم عادت بنا الموسيقى هادئة ناعمة وعدنا معها كذلك من سماء خيالنا إلى أرض الحقيقة . و انتهت المقطوعات الأربع . . وخرجنا من الكنيسة وكل منا يذكر هذه الساعة الحلوة التى كنا نريدها أن تطول ما طال بنا العمر . وقالت صديقتى : هل آمنت بديننا الجديد ؟ وهل آمنت بنبينا " هايدن ؟ إننا هنا في فينا يا صديقى حياتنا تختلف عن حياة البشر : الحب هو ديننا ، والغناء صلواتنا وتراتيلنا ، والموسيقى هى روحنا التي نحيا بها وبدونها لانعرف للحياة طعما . إننا نؤمن يا صديقى بأن حياتنا على وجه الأرض قصيرة وليس فيها متسع ، لذلك نجدنا جميعا نصب من كأس الحياة ومن رحيقها أكثر ما يمكننا . تجد الكبير والصغير والشيخ والشاب كل يأخذ الحياة مأخذا سهلا لينا ، ينعم فيها ما شاء الله له أن ينعم و يبعد عن نفسه وعائلته وحبيبته كل ما يعوق هناءه ونعيمه .
إننا نؤمن يا صديقي أن بلدنا هى مهبط الوحي . ونؤمن أن الوحى لا يهبط على المرء إلا في فينا . . فى نغم الموسيقى . هذه هى حياتنا ! هل أعجبتك ؟ . . إننى أعرف أنك محافظ . . وتقاليدك تمنعك أن تجارينا ، ولكن ألا تعذرنا فيما نحن فاعلون ؛ إننا خضنا غمار حربين عالميتين . . ومن سوء الطالع خسرناهما معا . . وفقدنا فيهما ما تعرف عنه القليل من شباب ومال وعقار وأملاك . . إنكم تضجون لأن على أرضكم عدوا واحدا . . فماذا نفعل وعلى أرضنا أربعة
أعداء ؟ وأصبحنا ولا حول لنا ولا قوة . أتنتظر منا أن تأخذ الحياة مأخذا جدا و نخسر مرة أخرى كل ما بقى لنا . وأنت تعلم أنه لم يبق لنا شئ . إن الحياة صعبة وليست هينة ، والأصعب أن تتغلب على ما في الحياة من صعاب . . وقد تغلبنا عليه بطريقتنا الخاصة ، وأصبحنا لا نفكر إلا في لهونا وغنائنا وموسيقانا .
هذه ياصديقى حياتنا قصصتها عليك بإختصار ، فماذا ترى فيها ؟ وهل آمنت بديننا ؟ . قلت : يا صديقتى ، لكم دينكم . . . ولنا دين .
( فينا )

