الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 655الرجوع إلى "الثقافة"

ندوة القلم

Share

مستقبل الأدب في مصر

أصغيت منذ بضعة أيام إلي حديث لأحد الفضلاء تحت هذا العنوان بإحدي محطات الإذاعة . ولا أكتمك أن العنوان استرجى انتباهي ، لاعتقادي  بأن ذلك موضوع قديم انتهى الناس منه منذ أمد بعيد ، فجمعت حواسي وأخذت استمع إلى الأديب الفاضل وهو يقسم الأدب إلي شعر ونثر ويقول إن الشعر كان في القرن الماضي ضعيف الديباجة ركيك الأسلوب مهلهل الألفاظ ، فيه كثير من التصنع غير الطبيعي . ثم استطرد إلى ذكر شوقي وأقرانه . وما قاموا به من جليل الخدمات في رفع أسلوب الشعر العربي والتسامي بألفاظه إلى فصيح العربية وجزل العبارة ، واثنى الأديب الفاضل إلى المقارنة بين أسلوب النثر في القرن الماضي وبين أسلوبه بعد المويلحي والمنفلوطي ، وبعد أن شرع الناس يدرسون أسلوب كليلة ودمنة والعقد الفريد .

عجبت لهذا المقال الذي يري فيه مؤلفه أن الأدب العربي بجميع موضوعاته من منظوم ومنثور ) إنما هو أسلوب فقط ، وديباجة وجزالة عبارة ، وأن مستقبله ينحصر في بلوغ المزيد من هذه الديباجة والجزالة . ولا أدري كيف غاب عن المحاضر الفاضل معنيا الأدب العام والخاص وانطواء الأول منهما على كل ما صدر في اللغة من فكر مسطر أو غير مسطر ، وكيف أن معنى الثاني هو كل ما عبرت به الأفكار عن الشعور والأحاسيس الإنسانية أبا ما كان الثوب الذي ترتديه تلك المشاعر ؛ فالشعر إذا - وهذا من المسائل البديهية التي لم يعد أحد يتناقش فيها فيما اعتقد - تعبير عن المشاعر البشرية ، وليس الشعر ديباجة ، ولا جزالة عبارة ولا رصانة أسلوب ، بل هو كل ما عبر عن معني في النفس ، فلو تكلمنا عن شوقي بوصف كونه شاعرا ، وجب أن يتضح أمام أذهاننا أننا نتحدث عنه من ناحية تعبيره عن عواطفه

ومشاعره . فإن هو تمكن من ذلك وأجاد فهو الشاعر الحق ، وإن هو لم يستطع أن يعبر عما في نفسه فليس بشاعر ، وإن جود عبارته ورفق ديباجته كما يقولون . لذلك فإني لم استطع أن أوافق المحاضر في رأيه بأن الشعر العربي قد أنحط بعد شوقي وزميليه حافظ ومطران ورائدهم البارودي ؛ إذ الرأي عندي أن الشعر - وإن تراجعت قيمته اليوم في العالم أجمع - إلا أنه في العربية قد أخذ يتجه إلى الاتجاه الصحيح الواجب للشعر ، الذي يذهب إليه النقاد في العصور الحديثة ، وهي تعبيره عن النفس كما أسلفنا . ومن ذا الذي يستطيع أن ينكر ما عليه كتاب الملاح التائه من روعة تهز النفوس ، لأنه تعبير صادق عن مشاعر شاعر ، وليس مدحا لأمير أو طلبا لقوت أو تكففا يقتل كل موهبة في أنبغ شاعر . ولعل قارئ هذه الكلمة معي الآن في أن مستقبل الشعر ينحصر في التعبير عن صادق العاطفة النفسية ؟ فكأن الشاعر موسيقار يمسك بقيثارته ينطق أوتارها بما يختلج في نفسه من ألوان : منها المفرح والمطرب والمحزن والمثير والمحمس .

ذلك مستقبل الشعر ، لعله هو ما كان يجب أن يكون عليه ماضيه في العربية ، لولا سمة المجتمع العربي واستئثار أمرائه بالجاه والمال . واضطرار الشاعر إلى التحليق والمديح استدرارا للقوت

ولقد غلبت الدوافع العملية علي عقلية الناس في جميع أقطار الأرض . فكان أول ما بدأوا به في الأدب أن انزلوا الشعر عن عرشه الذي ظل متربعا عليه عصورا مديدة ، ثم منحوا النثر تلك المنزلة المبرزة التى كانت للشعر ، منحوه إياها لابوصفه ديباجة مشرقة وأسلوبا ناصعا ، بل حصروا قيمة النثر كلها فيما يعبر عنه من موضوع ، واقتضت ظروف الحياة الجديدة أن يتواءم ذلك الموضوع مع أحداث الدنيا وأحوال الناس . فزالت من الوجود تلك الأغراض القديمة

وتلك الموضوعات البالية من إخوانيات ورسائل سلطانية ، وأخذ النثر في العربية - بل في العالم أجمع - يتجه إلى الحياة يتخذها محورا للأدب النثري الحديث ، ويجعل الصحافة والمجلات مرآته ومعرضه ، فهو فيها مقالات تبلغ من دقة التعبير وكمال الوصف حدا يتزايد في كل يوم ، ولكن الذروة الحقيقية التي أخذ يتجه إليها النثر العربي تنحصر في موضوعين أخذناهما عن أوربا : فأما الأول فكتابة المذكرات والتراجم الحقة المعبرة عن النفس والعصر والواصفة لما مر بكاتبها من أحداث ، والترجمة بصدق عما تقلب في نفسه ، والمصورة بشجاعة وجرأة دون خجل أو مداراة . ولست أنكر أن للعربية تراثا ينطوي على كثير من التراجم ، ولكنها جلها إن لم تكن كلها ليست صورا حقة للشخص أو العصر المترجم له ، بل هي صورة بلاغية يتأنق فيها كاتبها في الأسلوب ولا يزال يوليه عنايته حتى يضمط الموضوع حقه من صدق الوصف وإبراز الشخصية . أما العنصر الثاني من عنصري الأدب اللذين سينحصر فيهما مستقبله في العربية فهو الرواية بوصفها تصويرا مكتوبا لأحوال الناس ومعايشهم ، ونقدا لتصرفاتهم وأساليبهم في الحياة ، وتحليلا لما يهجس في نفوسهم من هواجس ويختلج فيها من عواطف أو يترقرق فيها من أحاسيس

ومن يمن الطالع أن أدباء هذا العصر قد أخذوا أنفسهم آنفا بهذين الضربين من الأدب ، فظهرت المذكرات والتراجم الصادقة التصوير . وما حديث كتاب الأيام لطه حسين وحياتي لأحمد أمين بغائب عن الأذهان . ولو نظرت إلي المكتبة العربية لوجدتها الآن عامرة بمئات من قصص عظيمة دبج فيها أدباؤنا الناهضون أمثال المرحوم إبراهيم رمزي بك في باب القمر والدكتور طه حسين باشا في دعاء الكروان وغيرها ، ومحمود تيمور بك في مؤلفاته العديدة الجذلة ، فخرا عظيما للأدب العربي والنثر العربي والفكر العربي .

هذا هو فيما أعتقد ما ينحصر فيه مستقبل الأدب العربي شعره ونثره .

اشترك في نشرتنا البريدية