قد تكون ذكري النزهة الثقافية التي أشرت إليها في عنوان هذا المقال ابلغ ذكري رسخت في خاطري وانا في القاهرة ، فقد تفضل صاحب المعالي السنهوري بك وزير المعارف بدعوة رجال اللجنة الثقافية وطائفة من أفاضل مصر وفلسطين والشام إلى القناطر الخيرية في خلال هذا الشهر . لست احاول في هذا المقال وصف نزهة كلها شعر ، فالنيل في عظمته والسهول المنبسطة من حوله في محاسنها ، وهندسة العقل البشري في توزيع الماء على ريف مصر شعر من ابلغ الشعر ، إلا أني اتخطى الكلام على الشعر في هذه السطور ، وانسي هذا النشاط الذي ملأ جوانب نفسى وانا على النيل ، وهذه الموسيقي التي ادخلت السرور على قلبي ، وهذه النوادر التي خرجت من افواه الجماعة ، واحبس خاطري على أمر واحد وهو تقارب أذواق الحضور وشعورهم على تباعد أوطانهم وتباين طبائع هذه الأوطان
لم يخطر ببالي من أدبنا العربي وأنا على ظهر الباخرة الا عبارة واحدة صدرت عن امام من ائمة هذا الأدب ، فقد قال أبو منصور الثعالبي في كلامه على الصاحب بن عباد . ليست تحضرني عبارة ارضاها للافصاح عن علو محله في العلم والأدب ، فكأن الثعالبي في قوله هذا يشكو ضيق اللغة ويضجر من عجزها عن تصوير بعض ما في نفسه ، وهو المحيط بخصائص اللغة والواقف على مجاريها ومصارفها والتبحر في جلائلها ودقائقها . أصحيح أن اللغة ضاقت عن تصوير أمر بسيط في نفس الثعالبي ؟ قد يكون في هذه الشكوى شئ من المجاز ، فالثعالبي لا يعجز عن الافصاح عن علو محل الصاحب في العلم والأدب ، وقد تمكن من الإفصاح عن علو محل شعراء امثال المتنبي وأبي فراس . على أن المرء قد يعجز في بعض الأحوال عن تصوير شعوره وعاطفته ،
واللغة قد تخفي في بعض الاوقات مذاهبها في القدرة على هذا التصوير ، ولكن موضوعي لا صلة له بضيق اللغة وسعتها ، واما وقعت في خلدي عبارة الثعالبي من باب المقارنة لاغير
. لست أدري كيف تضيق اللغة عن وصف ادب اديب مهما تبلغ طبقته وقد استطاعت أن تجمع بين أذواق وعواطف ، اصحابها من أوطان متباعدة ذات طبائع متبابنة ، أفتضيق اللغة عن الاحاطة ببعض دقائق ادبية وقد استطاعت أن تؤلف بين جماعات نشأوا في السهول والجبال والصحاري والأودية وعلى البحار ؟ كلا ثم كلا ، لم تضف اللغة عن هذا كله ، فقد كنا على الباخرة من مصر وفلسطين ولبنان والشام والعراق ، وطبيعة مصر غير طبيعة العراق ، وطبيعة العراق غير طبيعة مصر ، وعلى الرغم من هذه الطبائع المتفاوتة كانت الجماعة على الباخرة كأنهم من بلد واحد ، فقد تألفت اذواقهم وعواطفهم وشعورهم ، فكان رجل فلسطين يقذف بالفكاهة فيضحك لها رجال العراق والشام ولبنان ومصر ، وكان رجل يدفع بالنادر
فيهتز لها أبناء هذه البلاد كلهم . واللغة هي التي تؤلف بين سكان صحاري وجبال وأودية وبحار مقسمة الأفياء متبسطة الآفاق . ولكن مالي ولسعة اللغة او ضيقها في هذا المقام ، فكل ماقيد ذهني في نزهتنا الثقافية ان اللغة هي التى تجمع بين الطبائع المتفاوتة ، وان للالفاظ في هذا الجمع سحرا أراني صادقا إذا قلت ليست تحضرني عبارة ارضاها للافصاح عنه ، وليست اللغة هي التي تعجز عن التقريب بيننا وإنما نحن العاجزون .
لقد تعودت وانا في القاهرة أن أتردد إلي مقهي على ميدان الأوبرا ، وكان يتردد إلى هذا المقهي فريق من طلاب العراق وجماعة من فلسطين ، وقوم من مصر فكان العراقيون في حلقة لا يخالطون غيرهم ، كنت اسمع

