يعتز الأدب الإنجليزي بذلك التراث الخالد الذي خلفته الشقيقات الثلاث : شارلوت وإميلي وان برونتيه . ولاشك أن قصة "مرتفعات ويذرنج" التى كتبتها إميلي ، أو قصة "جين أير" التي وضعتها شارلوت ، ستبقى عملا رائعا على مدى الأزمان .
ومن عجب ان الشقيقات الثلاث اللاتي اغنين الأدب بهذه الروائع كانت حياتهن قصة حزينة من قصص البؤس والشقاء . فلقد توالت عليهن المصائب فماتت أمهن أولا ، وفي عام ۱۸٤۸ مات أخوهن بترك بالسل بعد ان ادمن الخمر والمخدرات ، ومرضت إميلي بعده بقليل وتوفيت بعد أخيها بثلاثة أشهر . ولحقت بها أختها آن بعد ذلك بخمسة أشهر ، ولم تبق من الأسرة البائسة إلا شارلوت التي تزوجت عام
١٨٥٤ ، ولكن ما مضي على زواجها عام واحد حتى قضت حتفها هي الأخرى بالسل .
وقد كتبت شارلوت برونتيه ، وهي التي كانت تتسمى باسم " كورير بل " في سبتمبر ١٨٥٠ في مقدمة لكتاب أختها إميلي برونتيه "مرتفعات ويذرنج" حين أعيد طبعه تتحدث عن أختها وعن نفسها وجهادهن المشترك فقالت :
"لقد كان يظن أن كل الأعمال التي نشرت بأسماء كورير وإليس وأكتون بل ، هي في الحقيقة إنتاج شخص واحد ، وقد حاولت إصلاح هذا الخطأ ببضع كلمات من التصويب في مقدمة الطبعة الثالثة من "جين أير" ولكن يبدو أن هذه الكلمات لم تحظ بالتصديق ، وأجدني مضطرة في مناسبة إعادة طبع " مرتفعات ويذرنج" أن أشرح جلية الأمر .
وإني لأشعر بأن الخفاء الذي لابس هذين الاسمين إليس وأكنون قد مضي أجله . والمأساة الصغيرة الى كانت تبعث فينا قبلا بعض المتعة قد فقدت هذا الآثر، فلقد تغيرت الأحوال . وأصبح إذا من واجبي أن أشرح باختصار أصل وتأليف الكتب التي وضعتها كورير وإليس وأكتون بل .
فمنذ خمسة أعوام وجدنا أنفسنا - أختاي وأنا - مجتمعات في منزلنا بعد فترة طويلة من الفراق ، ولما كنا نعيش في منطقة نائية حيث لم يتقدم العلم إلا قليلا ، فلم تكن هناك إذا فرصة البحث عن صلات اجتماعية خارج محيطنا المنزلي فاعتمدنا كلية على انفسنا، وعلى الكتب والدراسة لتشغل بها حياتنا ، ونصيب حظنا من المتعة ، وكانت السعادة القصوي التي عرفناها منذ الطفولة هي في محاولة الإنشاء الأدبى . وكنا في أول الأمر نتبادل ونتشاور فيما نكتبه . ولكنا انقطعنا عن ذلك ، ولذا كانت كل واحدة منا تجهل التقدم الذي أصابته الأخرى .
وذات يوم وفي خريف عام ١٨٤٥ وقع في يدي مصادقة كتاب من الشعر بخط شقيقتي إميلي ، ولم تأخذنى الدهشة ، إذ كنت أعرف أنها قادرة علي نظم الشعر وانها كانت تنظمه بالفعل ، ونظرت فيه ولكن شيئا أكثر من الدهشة قد استولى على ؛ ذلك هو شعور عميق بأن هذه ليست أشعارا عادية ولا هي كالتي تكتبها النساء بل هي أشعار قوية أنيقة وعميقة ومبتكرة ، وكان لها في أذني نغم خاص ، نغم حزين سام ، ولم تكن شخصية إميلي تسمح لأقرب الناس إليها وأعزهم عليها بالتدخل في شئونها ، ولما استغرقت ساعات حتى أخبرتها بما اكتشفت واحتجت إلى أيام حتى أقنعتها بأن هذه الأشعار تستحق النشر ، وكنت أعلم أن ذهنا كذهنها لا يمكن أن يكون خاليا من ومضة خفية من ومضات الطموح ، ورفضت أن أنغامس في محاولاتي لإذكاء النار في هذه الومضة .
وفي نفس الوقت أخرجت شقيقتى الصغري في هدوء بعض ما كتبت ، وهي تقول إنه ما دامت أشعار اميلي قد أسعدتني فربما أحب أن انظر في أشعارها ... وإني لأعلم أنني لست بالقاضي العادل ، ولكنني أعتقد أن أشعارها هي الأخرى لها نغم حلو متفرد .
لقد حفظنا منذ زمن طويل ذلك الحلم بأن نصبح مؤلفات ، الحلم الذي لم يبرح أذهاننا حتى حين باعدتنا الايام
وشغلتنا أمور الحياة، والآن أصبح هذا الحلم قوة وتصميما ، واتفقنا على أن نتعلم مجموعة صغيرة من أشعارنا ونحاول أن ننشرها ، وأخفينا أسماءنا تحت أسماء (كورير وإيليس وأكتون بل) حتى لا نظهر أننا نساء ، وإن لم نكن نعلم بعد أن طريقة كتابتنا وتفكيرنا ليست بالتي تسمى "نسائية" وكان لدينا شعور مهم بان المؤلفات ينظر إليهن بشيء من الحقد ، ولقد لاحظنا كيف يستغل النقاد أحيانا في نقدهم سلاح الشخصية .
وكان إخراج كتابنا الصغير عملا شاقا . فكما هو متوقع لم تكن نحن ولا اشعارنا من المرغوب فيهم ، ولكننا أعددنا أنفسنا لهذه النتيجة منذ البداية ، وبرغم قلة تجاربنا ، فقد استفدنا من تجارب من قبلنا ، وكانت الصعوبة أكثر في الحصول على اجابة من الناشرين الذين كتبنا إليهم ، ولما أضنتنا هذه العقبة خاطرت بالكتابة إلى السادة تشاميرز وشركاه ،من ادنبرج أطلب نصحهم . وتلقيت منهم إجابة مقتضبة ورسمية ، ولكنها مؤدية ومعقولة اتبعناها فشققنا أخيرا طريقنا .
وطبع الكتاب ، وهو قليل الشهرة ، وليس فيه ما يستحق الذكر ، إلا أشعار إبليس ، وإن كان هذا الرأي لا يتفق ورأي النقاد، على أنني متمسكة به . وقد أخفق هذا الفشل في أن يحطمنا، بل إن محاولتنا الأولى قد اكتسبتنا قدرة عجية على المقاومة، وبدأت كل واحدة منا نكتب ، فكتبت إبليس بل قصة "مرتفعات ويذرنج" وكتبت أكتون بل "أجنز جراي" وكتبت كورير بل قصة في مجلد واحد ، وعرضنا هذه الكتب على الناشرين عاما ونصف عام ، ولكنها قوبلت دائما بالرفض ، وأخيرا قبلت . . "مرتفعات ويذرنج" و اجنز جراي " بشروط خاصة بالمؤلفتين ، أما كتاب كورير بل فلم يقبله أحد ، حتى إن شيئا يشبه برودة اليأس بدأ يغشي قلبها . وكمحاولة بائسة أرسلت مرة اخري إلي ناشر جديد "السادة سمث والدر وشركاهما" .
وفي وقت أقصر مما تتوقع وصلها خطاب فتحته في خوف وهي تتوقع أن تقرأ كلمتين جافتين تعلنان أن " السادة سمث والدر وشركاهما" ليسوا مستعدين لنشر هذا الكتاب ، ولكنها بدلا من ذلك أخرجت خطابا في صفحتين قرأته وهي ترتجف .
كانوا يعتذرون عن نشر القصة لأسباب فنية ، ولكنهم ناقشوا قيمتها وأثنوا علي مزاياها في تشجيع واهتمام وبروح منصفة ، حتى إن هذا الرفض قد أطرب المؤلفة أكثر من أي موافقة مقتضبة . وقد ذكروا أن كتابا في ثلاثة أجزاء سيلقي اهتماما أكبر . وكنت في ذلك الحين أكمل "جين أير" التي كنت أعمل فيها ، بينما الكتاب ذو الجزء الواحد يدور بين ناشري لندن ، وفي ثلاثة أسابيع أرسلنها حيث تلقتها أيدي ماهرة صديقة . وكان هذا في بداية سبتمبر سنة ١٨٤٧ . وظهرت القصة قبل نهاية أكتوبر التالي بينما كانت "مرتفعات ويذرنج " و " جين أير " أعمال شقيقتي مازالتا في المطبعة منذ شهور وأخيرا ظهرا ؛ وأخفق النقاد في أن يكونوا إزاءهما عادلين ، فإن القوة الحقيقية وإن تكن غير ناضجة في " مرتفعات ويذرنج" لم يدركها إلا القليلون ولم يفهم أحد حقيقتها ويقدرها التقدير الصحيح . وصورت شخصية مؤلفة الكتاب تصويرا خاطئا ، فقد ذكروا أن هذه محاولة سابقة وفجة من محاولات نفس الفلم الذي كتب "جين أير" وكانت غلطة محزنة وافتراء ، إن آثار ضحكنا في تلك الأيام فإنه اليوم يشعرني بمرارته . وقد قوبل الكتاب بحقد على اعتبار أن كتابي " مرتفعات ويذرنج" و "جين أير " لشخص واحد استغل نجاح كتاب "جين أير " لبنشر بعدها محاولة غير ناضجة له ، وهو تصرف لا يليق من كاتب . وأنا لا أحب أن أجعل من هذه الحادثة موضعا للشكوي أو اللوم ، فإن احترامي لذكري شقيقتي - التي كانت تعد مثل هذا الحديث لا يليق ، تمنعني من ذلك .
ولقيت قصة "مستأجر قاعة ويدخل" لاكنون بل مثل هذا الاستقبال غير الكريم ، ولكنني لا أعجب لذلك ، فقد كان اختيار الموضوع غير موفق، لأنه أبعد ما يكون عن طبيعة اكتون ؛ وهكذا اضطرت أن تقاسي الآلام وقتا طويلا ، نتيجة إساءة استخدام المواهب والاستفادة من الذكاء ، وإذ كانت شديدة الحساسية منطوية على نفسها فقد انطيع هذا الفشل في أعماقها وأخذت تمعن التفكير فيه ، حتى إنها اعتقدت أن من واجبها أن تكتب لتجعل من قصتها عظمة للاخرين .
ولم تسمح إليس ولا اكتون لليأس بأن يتسلط عليهما وأعادتا المحاولة ، ولكنهما عنيتا بالفشل مرة اخرى ، فاعتزلت
شقيقتي إميلي العالم ، وما تزال ذكريات مرضها محفورة في ذاكرتي ، ولكنني لا أقوى على أن أسردها ، لقد مضت تنحدر بسرعة وكانت متعجلة في فراقنا ، وكلما ازداد جسمها ضعفا ازداد عقلها قوة ، فكانت تتحمل الآلام في شجاعة جعلتني أنظر إليها في اعجاب وحنو ، ومضي شهران قاسيان أليمان بين اليأس والرجاء وأخيرا حل اليوم الذي كان عليها أن تقاسي فيه آلام الموت ، وفقدنا إميلي في ١٩ ديسمبر سنة ١٨٤٨ ففارقنا جسدها وإن لم تفارقنا ذكراها .
وحسيت أن الدهر قد نال منا بما فيه الكفاية ، ولكنني كنت مخطئة ، فما كادت إميلي توشد التراب حتى مرضت ان ، وما مضي على وفاة إميلي أسبوعان حتى أحسسنا أننا يجب أن نعد أنفسنا لاستقبال كارثة أخرى ، ومضت آن في نفس الطريق وإن ابطأت الخطي ، وفي شجاعة تشبه شجاعة أختها ، وأعانها تدينها وإيمانها على احتمال رحلتها القاسية ، وما زلت أذكر مشيتها الهادئة في ٢٨ مايو سنة ١٨٤٩ .
ماذا أقول عن شقيقتي بعد ذلك ... يجب ألا أقول شيئا وليس عندي ما أقوله .. لقد كانتا امرأتين من طراز نادر لهما أخلاق وعادات خاصة ، ففي طبيعة إميلي النفت القوة بالبساطة ، كانت ثقافتها مضطربة وذوقها غير مشذب ، ولكن لها قوة غامضة لا تاتلف والحياة التى تحيط بها ، وكانت دائما بحاجة إلى وسيط يقف بينها وبين العالم ، وكانت إرادتها صلبة وكثيرا ما تعارضت مع مصلحتها . أما آن فكانت أقل عنفا ، وكانت تستغرقها أفكارها الخاصة ، قوية الاحتمال ، منكرة للذات ، ذكية ؛ ولكن تحفظها يلقي ستارا على احساساتها ، ولم تكن أميلي ولا أن تعلمنا تعليما منتظما ، ولم تفكرا في تثقيف عقليهما بنتاج العقول الأخرى ، فكانت كتابتهما طبيعية لا تكلف فيها أصيلة لا تقليد فيها ، كانت كتابتهما خلفا خالصا تستمدان حادثه من تجتربهما القليلة في الحياة .
كانتا للغرباء لا شئ ، ولأصحاب النظرة السطحية أقل من لا شئ .. أما لمن عرفهما عن كثب طوال الحياة فقد كانتا عظيمتين رائعتين . . ولقد كتبت هذه الكلمات لأننى شعرت أن واجبا مقدسا يدعوني أن أزيح شيئا من التراب عن قبرهما وأجعل اجسمهما الكريمين نظيفين من الوحل" .

