في أثناء مطالعاتي ما يختص بالأدب العباسي رأيت الكامل للمبرد "ج٢ ص٢٥٤ " يورد هذه القصة: "دخل شبل بن عبد الله مولى بن هاشم على عبد الله بن علي وقد أجلس ثمانين رجلاً من بني أمية على سُمُطِ الطعام فمثل بين يديه فقال:
أصبح الملك ثابت الآساس بالبهاليل من بني العباس
طلبوا وتر هاشم فشفوها بعد ميْل من الزمان وياس
لا تقيلن عبد شمس عثاراً واقطعن كل رَقْلَةِ وعراس
خوفها أظهر التودد منها وبها منكم كحز المواسي
إلى أن قال:
نعم شبل الهراش مولاك شبل لو نجا من حبائل الإفلاس
فأمر بهم عبد الله فشدخوا بالعمد، وبسطت عليهم البسط، وجلس عليها ودعا بالطعام وإنه ليسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعاً. وقال لشبل لولا أنك خلطت كلامك بالمسألة لأغنمتك جميع أموالهم" وقد عجبت كثيرا بعد أن فرغت من تلاوة هذه القصة , إذا انني أحفظ من قديم هذا الشعر منسوبا إلى رجل آخر غير شبل يخاطب به رجلا آخر غير " عبدالله " ... فرجعت
بالذاكرة حتى اهتديت إلى الكتاب الذي أخذت عنه , وهو "الاغاني" فصاحبه أبو الفرج الذي ينتسب إلى بني أمية يعنون فصلا في " ج4 ص92-96" بقوله " ذكر من قتل ... أبو العباس السفاح من بني أمية " ويدير أبو الفرج فصله هذا علي قصة سديف بن ميمون الشاعر فيزعم أنه دخل على أبي العباس بالحيرة وعنده بنو هاشم وبنو أمية فأنشده قصيدته:
أصبح الملك ثابت الآساس بالبهاليل من بني العباس. . . الخ ثم قال بعد أن روى الشعر: "فتغير لون أبي العباس وأمر
بمن في مجلسه من الأمويين فأهمدوا "
قلت لنفس بعد أن تلوت هذا وذاك. . . إنه لو صحت الرواية الأولى " وهذا ما نعتقده " لوجب أن يغير الحكم على أبي العباس بأنه كان سفاكا للدماء بهذه الصورة المرعبة التي يصوره بها المؤرخون فإنهم لا يكادون يستدلون على فظاعته وقساوته إلا بهذه الرواية ثم قلت لنفسي أيضاً وأنا حائر بين هذا وذاك: ما أحْوجَ أدبنا العربي إلى غربال دقيق

