الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 604الرجوع إلى "الثقافة"

نشأة التاريخ الاسلامى والطبرى, نشأة التاريخ الاسلامى والطبرى

Share

٢

كان القرن الثالث الهجرى من القرون الخصبة الحقل فى تاريخ الإسلام ، فقد نبغ فيه كثيرون من الشعراء والكتاب والمؤرخين واللغويين والنحاة والمحدثين والفقهاء وأينما أدرنا الطرف فى ذلك القرن السرى نجد مؤلفات هامة وكتبا قيمة أصبحت فى القرون التالية مراجع للبحث وأمهات فى فروع المعرفة المختلفة ؟ وقد عاش فى هذا القرن من الشعراء أمثال البحترى وابن الرومى وابن المعتز ، ومن الكتاب امثال الجاحظ وابن قتيبة الدينورى ، ومن النحاة أمثال المازنى وثعلب والزجاج ، ومن اللغويين أمثال أبى حاتم السجستانى والمبرد ، ومن المؤرخين أمثال البلاذرى وابن طيفور واليعقوبى وأبى حنيفة الدينورى ، ومن أبرز رجال هذا القرن رجلان ممتازان ، وهما البخارى صاحب كتاب " جامع الصحيح " المشهور بصحيح البخارى والطبرى صاحب التفسير الكبير وكتاب تاريخ الأمم والملوك المعروف بتاريخ الطبرى ، وكانا كلاهما من كبار المحدثين .

وقد كان التاريخ فى نشأته عند العرب نوعا من أنواع الحديث ، ولما اتسع نطاقه وتكاثرت مادته وتعددت فروعه استدعى الأمر شيئا من التخصص ، فاقتصر بعض المؤرخين على رواية الحديث ، وتجرد فريق آخر منهم لجمع الأخبار ومعرفة الحوادث السالفة ، وصار يطلق على المتخصصين فى ذلك لفظة الأخباريين ، وكان الواقدى وابن إسحاق من الذين انتقلوا من الحديث إلى الأخبار . وفى ابن جرير الطبرى عاد التياران إلى الالتقاء ؛ فالطبرى محدث كبير . وأخبارى من الطراز الأول ، وتوفر هاتين الخصلتين فى الطبرى من الأسباب التى ساعدت على رفع مستوى المؤرخين عند العرب ، وأعادت إلى التاريخ اعتباره ، وجعلت جهابذة العلماء وكبار الفقهاء لا يتحرجون من دراسة التاريخ والتوافر على التأليف فيه والانقطاع له .

وقد ولد الطبرى سنة أربع أو أول سنة خمس وعشرين ومائتين ، وكان مولده بآمل ، وهى قصبة طبرستان ، وقد

روى لنا الطبرى نفسه سبب تسمية البلاد التى نشأ بها " طبرستان فقال : " جئت إلى أبى حاتم السجستانى وكان عنده حديث عن الأصمعى عن أبى زائدة الشعبى فى القياس ، فسألته عنه فحدثنى به . وقال لى أبو حاتم : من أى بلد أنت ؟ فقلت : من طبرستان . فقال : ولم سميت طبرستان ؟ . فقلت : لا أدرى . فقال : لما افتتحت وابتدىء ببنائها كانت أرضا ذات شجر فالتمسوا ما يقطعون به الشجر فجاءوهم بهذا الطبر الذى يقطع به الشجر فسمى الموضع به ) ١ ( .

وقد ظهرت قوة حافظته وشدة إقباله على طلب العلم من بواكير صباه . قال عن نفسه فى خلال حديثه مع أحد أصحابه : " حفظت القرآن ولى سبع سنين ، وصليت بالناس وأنا ابن ثمانى سنين ، وكتبت الحديث وأنا ابن تسع سنين " ولمح أبوه فيه ذكاء الفطنة وتوقد الخاطر والإخلاص فى طلب العلم والجد فى تحصيله ؛ فحرص على معونته على ذلك وكتب الطبرى الحديث ببلده ، ثم بالرى وما جاورها من البلاد ، وكان العالم الإسلامى حينذاك على اتساع رفعته وترامى حدوده متصل الأسباب ، وكان التنقل فى طلب العلم سهلا ميسورا ، فقصد الطبرى مدينة السلام ، وهى حينذاك مثابة العلماء والمنهل العذب للوراد ، وأقام بها حينا من الزمن يكتب عن شيوخها ويحضر مجالسهم ويستمع إلى مناقشاتهم وأحاديثهم ومساجلاتهم ، ثم انحدر إلى البصرة فسمع من كان بقى من شيوخها فى وقته ثم صار إلى الكوفة ليستوفى سماع الأحاديث عن علمائها ، ثم عاد إلى مدينة السلام ولزم المقام بها مدة ، وتفقه بها ، وأخذ فى علوم القرآن ، ثم غرب فخرج إلى مصر وكتب فى طريقه عن المشايخ بأجناد الشام والسواحل والثغور وأكثر منها ، ثم سار إلى الفسطاط

وأكثر الكتابة عن علمائها ، ثم عاد إلى الشام ورجع إلى مصر ، وظهرت حينذاك قدرته فى دراسة القرآن والفقه والحديث واللغة والنحو والشعر . وقد روى عن نفسه وهو بمصر فقال : " لما دخلت مصر لم يبق احد من أهل العلم إلا لقينى وامتحننى فى العلم الذى يتحقق به ، فجاءنى يوما رجل فسألنى عن شئ من العروض ، ولم اكن نشطت له قبل ذلك فقلت له : " على قول ألا أتكلم اليوم فى شئ من العروض ، فإذا كان فى غد فصر إلى " وطلبت من صديق لى العروض للخليل بن أحمد فجاء به ، فنظرت فيه ليلتى فأمسيت غير عروضى وأصبحت عروضيا " ! وقد حاول الطبرى أن يلم بأطراف المعرفة جميعها فى عصره ويستوعبها استيعابا ، ويسر له ذلك قوة ذاكرته وجودة فهمه ومثابرته وانصرافه التام للتحصيل وزهده فى المطالب الدنيوية .

وعاد من مصر إلى مدينة السلام وهو يتابع الكتابة عن العلماء ، ويحضر دروسهم ، وزار بلده ثم استقر به المقام فى بغداد ، واشتهر اسمه فيها ، وشاع خبره بالفهم والتقدم . وكان الطبرى على ما يظهر حرا فى تفكيره صريحا فى إبداء رأيه ، وكان للحنابلة فى بغداد قوة ونفوذ وكثرة عددية ، واتفق أن الطبرى ألف كتابا ذكر فيه اختلاف الفقهاء ، ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل ، فسئل عن سبب ذلك فقال لأنه لم يكن فقيها وإنما كان محدثا " فكبر ذلك على الحنابلة فشغبوا عليه ورموه بمحابرهم . فقام ودخل داره فرموا داره بالحجارة حتى صار على بابه كالتل وركب صاحب الشرطة مع الجند ليمنع عنه العامة ، وأمر برفع الحجارة عنه . ويذكر ياقوت أن الطبرى خلا بعد ذلك فى داره وعمل كتابه المشهور فى الاعتذار إليهم ، وذكر مذهبه واعتقاده ، وجرح من ظن فيه غير ذلك ، وفضل أحمد بن حنبل وذكر مذهبه وتصويب اعتقاده ولم يزل فى ذكره إلى أن مات .

وقد نظر أبو جعفر فى المنطق والحساب والجبر والمقابلة وكثير من شئون أبواب الحساب وفى الطب وأخذ منه قسطا وافرا ، قال عنه أحد معاصريه : إنه كان كالقارىء الذى لا يعرف إلا القرآن ، وكالمحدث الذى لا يعرف إلا الحديث ، وكالفقية الذى لا يعرف إلا الفقه ، وكالنحوى الذى لا يعرف

إلا النحو ، وكالحاسب الذى لا يعرف إلا الحساب ، وكان عالما بالعبادات جامعا للعلوم .

وهذا العلم الواسع والمعرفة الغزيرة مع ثقته بنفسه وعلو عمته جعلته يقدم على تفسير القرآن . ويضطلع بهذه التبعة الخطيرة . ولما هم بتفسير القرآن قال لأصحابه : " أتنشطون لتفسير القرآن ؟ " فقالوا : " كم يكون قدره ؟ " فقال : " ثلاثون ألف ورقة " فقالوا : " هذا مما يفنى الأعمار قبل تمامه ، فاختصره فى نحو ثلاثة آلاف ورقة ، وقد وفق فى تفسيره وحاز إعجاب العلماء الأعلام ، وظفر بتقديرهم العالى . والظاهر أن تفسيره للقرآن اضطره إلى كثير من المراجعات التاريخية ، وأوحى إليه فكرة كتابة تاريخ العالم . ولما انتوى ذلك بعد فراغه من التفسير شاور أصحابه فقال لهم : " تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا ؟ " فقالوا : " كم قدره ؟ " فذكر نحوا مما ذكره فى التفسير ، فأجابوه بمثل ذلك فقال :

" إنا لله ماتت الهمم " فاختصره فى نحو مما اختصر التفسير . وقد أفاد الطبرى من المواد التى جمعها مؤرخو القرن الثانى ، وانتفع بحركة النقل عن اللغات الأجنبية التى بدأت فى ذلك القرن ، واستعمل طريقة الإسناد التى جرى عليها رواة الحديث ، وقد تأثر بطريقتهم فى كتابه ، واستطاع أن يجمع فيه مجموعة كبيرة من مختلف الروايات والأخبار التاريخية استوعبت كل ما تقدمها ، وقد استطاع أن يربط بعضها ببعض ببراعة فائقة ؛ وعيب الطبرى الأصيل هو عيب مؤرخى العرب جميعهم ، وهو أنهم لا يتجاوزون الوصف والسرد الخولى ؛ ولم يفكر الطبرى فى تحليل الحوادث ، ولم يحاول تعرف أسبابها ، ولم يعمل على كشف البواعث العميقة المستخفية التى تعمل وراء التغيرات الاجتماعية الظاهرة ؛ وكان يكتفى بذكر الأسباب المباشرة ، وهو فى روايته للحوادث يكتفى كذلك بالتمويل على الإسناد دون أن يعرض النص نفسه على تفكيره الخاص ويزنه بميزانه ويخضعه لبحثه وتحليله ؛ وهو يصارحنا بذلك فى بساطة مستحبة فيقول فى مقدمة كتابه : " وليعلم الناظر فى كتابنا هذا أن اعتمادى فى كل ما أحضرت ذكره فيه مما شرطت أنى راسمه فيه إنما هو على ما رويت من الأخبار التى أنا ذاكرها فيه والآثار التى أنا مسندها إلى روائها فيه ، دون ما أدرك بحجج العقول ،

واستنبط بفكر النفوس ، إلا اليسير القليل منه ، إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين وما هو كائن من أنباء الحادثين غير واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانهم إلا بإخبار المخبرين ونقل الناقلين دون الاستخراج بالعقول والاستنباط بفكر النفوس ؛ فمهما يكن فى كتابى هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجها فى الصحة ولا معنى فى الحقيقة ، فليعلم أنه لم يؤت فى ذلك من قبلنا ، وإنما اتى من قبل بعض ناقليه إلينا ، وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدى إلينا " .

وهذه هى الطريقة التى انتقدها ابن خلدون فى مقدمته وثار بها وخرج عليها وقال فى التنديد بها : " إن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال فى الاجتماع الإنسانى ، ولا قيس الغائب فيها بالشاهد والحاضر بالذاهب ، فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق ؛ وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط فى الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا ، ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سيروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة فى الأخبار ، فضلوا عن الحق وتاهوا فى بيداء الوهم والغلط ، ولا سيما فى إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت فى الحكايات ، إذ هى مظنة الكذب ومطية الهذر ، ولا بد من ردها إلى الأصول وعرضها على القواعد " .

وقد أخذ ابن خلدون على الطبرى ذهابه إلى أن غزوات التبابعة ملوك اليمن وجزيرة العرب قد امتدت إلى إفريقية والبربر من بلاد المغرب ، وقال إن هذه الاخبار بعيدة عن الصحة ، وعريقة فى الوهم والغلط . وإنها أشبه بأحاديث القصاص الموضوعة ، وذلك لأن ملك التبابعة إنما كان بجزيرة العرب وقرارهم وكرسهم بصنعاء اليمن .

والأسلوب الذى اتبعه مؤرخو العرب بوجه عام فى اكثر مؤلفاتهم التاريخية كان يضطرهم من بادئ الأمر إلى ممارسة نوع خاص من النقد التاريخى ، وذلك لأن التاريخ

كان عندهم قائما على الثقة بالمشاهد الأول ، والاعتماد على صدق روايته ، وصحة إدراكه ، واستقامة أخلاقه ؛ وقد استلزم ذلك بذل مجهود ضخم فى تحرى سير أمثال هؤلاء الرجال الذين يصح الاعتماد على أقوالهم ، والأخذ برواياتهم ؛ وكان على المؤرخ أن يشعر نفسه الاطمئنان إلى هؤلاء الرواة بعد التحقق والتثبت . والظاهر أنه كان يجد أن الرواة ونقلة الأخبار والحفاظ أهل للثقة والرجوع إلى آثر هم متى عرفوا باستقامة الأخلاق وسلامة العقيدة والبعد عن الشبه والريب واشتهروا بالسمعة الطيبة وحسن السمت . أما نقد الرواية فى ذاتها وتحقيقها فقد قصروا فيه تقصيرا واضحا والنقد التاريخى بالمعنى الحديث لم يعرفه الواقدى ولا الطبرى أو ابن قتيبة أو المسعوى ، ولم يقدر أهميته سوى ابن خلدون ، فهو الذى عرف مداه وأدرك طبيعته . والواقع أن الحاجة كانت ماسة إلى ممارسة هذا النوع من النقد التاريخى فى القرن الثانى والقرن الثالث الهجريين ، فقد اختلطت بروايات هذين القرنين التاريخية الكثير من الأوهام والخزعبلات والأكاذيب المصنوعة والأقاويل المزيفة ، وكان للعصبيات المختلفة والأغراض السياسية والفرق المتنافرة أثر واضح فى ترويج بعض الروايات ،

وإذاعة طائفة من الشائعات . وقد كان الطبرى رجلا واسع المعرفة ، غزير العلم ، مستقل التفكير ، وإنى أرجح ان مثل هذا الرجل كان يغربل الروايات والأقاويل فى صمت وسكون ، فيلغى ما يداخله فيه الشك ، ويثبت ما يطمئن إليه ويراه جديرا بالثقة والتصديق ؛ فليس هو خابط عشواء ولا خاطب ليل ؛ فقد اعتمد على وثائق كثيرة وأحاديث وروايات وأخبار ممحصة إلى حد ما ، وفيها ما يدل على دقة النظر وصدق الحكم ، وقد أجاد عرضها ، وأحسن تنسيقها ، حتى أغنت عن الرجوع إلى ما كان قبلها ، وأصبحت مادة يستمد منها المؤرخون ، ويعتمدون عليها ، ويسيرون فى أضوائها ؛ وقد مهد الطبرى الطريق لمن جاء بعده من كبار مؤرخى الإسلام مثل المسعودى صاحب مروج الذهب ، وابن مسكوبه مؤلف كتاب تجارب الأمم ، وابن الأثير واضع كتاب الكامل ، وأبى الفداء كاتب كتاب المختصر فى تاريخ البشر ، وابن خلدون نفسه مؤلف كتاب العبر وديوان المبتدا والخبر . ) البقية على صفحة ٩ (

) بقية المنشور على صفحة ٧ (

وأسلوب الطبرى عربى أصيل يجمع بين السهولة والجزالة والوفاء بالغرض من أقرب سبيل ، وفى تصويره للحوادث وضوح وقوة ، وقد مكنته سعة اطلاعه على الأدب وأشعار العرب من أن يرصع كتابه بمجموعة صالحة من القصائد البديعة ، والمقطوعات البارعة ، والخطب البليغة ، والأقاويل الحكيمة ، وهو لا يعرضها فى بذخ وإسراف ، وإنما يذكرها فى مناسباتها ، وينزلها منازلها اللائقة ، فيضئ بها جوانب التاريخ ، ويجلو بها غوامض الحوادث .

وقد عزا إليه ياقوت فى معجمه بعض أبيات من الشعر ، منها قوله فى تصوير إبائه وذكر قناعته ووفائه :

إذا أعسرت لم أعلم رفيقى

وأستغنى فيستغنى صديقى

حبائى حافظ لى ماء وجهى

ورفقى فى مطالبتى رفيقى

ولو أنى سمحت ببذل وجهى

لكنت إلى الغنى سهل الطريق

وأبرز ميزة فى هذه الآبيات هى ميزة الصدق ، فهكذا عاش الطبرى منقطعا للعلم ، مثابرا على طلبه ، متقللا متقشفا ، قائما بما كان يأتيه من مال ضيعة ورثها عن أبيه ؛ وقد وجه إليه مرة محمد بن عبيد الله الوزير بدرة فيها عشرة آلاف درهم وكتب معها رقعة وسأله أن يقبلها ، وقال للذى حملها إليه : " إن قبلها وإلا فسلوه أن يفرقها فى أصحابه ممن يستحق " فلما دخل عليه الرسول وأوصل إليه الرقعة امتنع من قبول

الدراهم ، ولما قال له الرسول : " فرقها فى أصحابك على من يحتاج إليها ولا تردها " أجابه الطبرى : " هو اعرف بالناس إذا أراد ذلك " .

ومع طول معاناته للدراسات الجدية ومعالجة التأليف فى المسائل الصعبة التى تستغرق الجهد وتعنى النفوس وترهق الأعصاب ظل محتفظا بهدوء النفس وصفاء الخاطر وطيبة القلب ، وقد ترك أثرا جميلا فى نفوس عارفيه ومنافسيه ؟ وقد وصفه أحد الآخذين عنه فقال : " كان أبو جعفر ظريفا فى ظاهره ، نظيفا فى باطنه ، حسن العشرة لمجالسيه ، متفقدا لأحوال أصحابه ، مهذبا فى جميع أحواله ، جميل الأدب فى مأكله وملبسه وما يخصه فى أحوال نفسه ، منبسطا مع إخواته ، حتى ربما داعبهم أحسن مداعبة ، وكان إذا أهدى إليه مهد هدية مما يمكن المكافأة عليه قبلها وكافأه ، وإن كانت مما لا يمكن المكافأة عليه ردها واعتذر إلى مهديها .

وكان صاحب هذه النفس النبيلة والروح السامية رجلا أسمر إلى الأدمة أعين نحيف الجسم مديد القامة لم يغير شيبه حتى وافته المنية يوم السبت لأربع بقين من شوال سنة عشر وثلثمائة ، وقد فرغ من تصنيف كتابه فى التاريخ يوم الأربعاء لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثمائة وقطعه على آخر سنة اثنتين وثلاثمائة ، وربما كان الطبرى والجاحظ وابن حزم الظاهرى أغزر المؤلفين إنتاجا فى تاريخ الأدب العربى برمته .

اشترك في نشرتنا البريدية