الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 602الرجوع إلى "الثقافة"

نشأة التاريخ الاسلامى والطبرى, نشأة التاريخ الاسلامى والطبرى

Share

- ١ -

ظهر الإسلام فى القرن السابع الميلادى ، وجمع أشتات القبائل العربية المتناثرة فى شبه الحزيرة العربية ، وانتشر بسرعة غير مسبوقة فى التاريخ ، وتهدلت ظلاله الوارفة على بلاد الشام وإيران والسند ومصر وشمال إفريقية والأندلس ، وأثار فى كل ناحية حل بها العقول ، وحرك القلوب ، واستنهض العزائم ، واستجاش الهمم . والأعمال الجليلة والمساعى الباهرة والمواقف الرائعة تستوجب الإعجاب والتقدير من ناحية ، وتبتعث حب المفاخرة بها والرغبة فى تخليدها من ناحية أخرى ، ويمهد هذا السبيل ويفسح المجال لظهور الرجال الذين ينقطعون إلى جمع أخبارها ، واستقصاء أحداثها ، ووصف أحوالها وملابساتها . ومن هؤلاء الرجال الرواة والإخباريون والمؤرخون والشعراء ؛ ولذا نلاحظ أنه لما هدأت فورة الغزوات الإسلامية الظافرة وتوقفت حركة الفتوح المتوالية كثر القصاصون والرواة والمؤرخون الذين يفصلون أخبارها ، ويتحدثون عن وقائعها ومشاهدها ، ويصفون أبطالها وقادتها .

وقد كانت الأمية غالبة على العرب فى جاهليتهم ، ولذا كانت معلوماتهم التاريخية قليلة محدودة بالرغم مما عرف عنهم من صفاء الخاطر وقوة الذاكرة ، وكانت هذه المعلومات تكاد تقتصر على معرفة سلاسل أنسابهم التى يؤكدون بها عراقة أصولهم وإلمامهم بما كان يسمى " أيام العرب " ، وهى أخبار الحروب الداخلية التى نشبت بين القبائل المختلفة مثل حرب البسوس وحرب داحس والغبراء وما إلى ذلك من الوقائع المحلية ، يضاف إلى ذلك أخبار القبائل البائدة التى كانوا يتناقلونها ، مثل أخبار عاد وثمود وطسم وجديس ، وبعض ما انتهى إليهم من حوادث التوراة والتلمود عن أحبار اليهود أو قسس النصارى . ولمم من الأخبار المتفرقة عن الأمم التى جاورتهم واحتكت بهم .

ولم يكن عندهم بطبيعة الحال مؤلفات تاريخية ولا مدونات للحوادث والكوائن ، ويمكن أن نستثنى من

ذلك العرب الذين استطاعوا أن يأخذوا في جاهليتهم بنصيب من الاستقرار والحضارة ، مثل عرب اليمن وعرب الحيرة ؛ فقد ترك أهل اليمن طرفا من أخار ملوكهم وأحوالهم العامة منقوشة بالخط المسند على قصورهم ومبانيهم فى مختلف محافدهم ، وخلف أهل الحيرة أخبارهم وأنسابهم ومبالغ أعمار من عمل منهم لآل كسرى وتاريخ سنيهم ، وما إلى ذلك من أمورهم فى مدونات استودعوها بيع الحيرة .

ولما كان النبى العربى هو باعث النهضة ومحركها الأول ؛ فمن الطبيعى والمعقول أن تصبح سيرته أول موضوع للتاريخ الإسلامى . وأن يتبع ذلك فى الأهمية تاريخ صحابته الأوفياء الذين حاربوا تحت ألويته ، واستشهدوا فى سبيل دعوته ، أو أبلوا بلاء حسنا فى توطيدها ، وأزالوا العقبات فى طريق نشرها وإذاعتها وتغلبها .

والظاهر أن التاريخ الإسلامى نشأ نشأة مستقلة غير متأثرة بما كتبه أعلام المؤرخين اليونانيين أو الرومانيين , فلم يعرف العرب أمثال هيرودوت وتوكوتيدس عند اليونان ، أو تيتوس ليفيوس وتاسيتوس عند الرومان ، وكانت نشأته استجابة لمطالب العالم الإسلامى وحاجاته وخصائصه وتطوراته .

ومن المزايا التى اشتهر بها مؤرخو الإسلام مراعاة الدقة فى تسجيل الحوادث وتأريخها بالسنة والشهر واليوم . وينقل مرجليوث فى كتابه عن مؤرخى العرب عن بكل قوله : " إن التوقيت على هذا النحو لم يعرف فى أوربا قبل عام ١٥٩٧ ميلادية " ؛ وقد ابتدأ التأريخ بالهجرة فى عهد ابن الخطاب ثانى الخلفاء الراشدين .

والخصلة الثانية التى امتاز بها التاريخ الإسلامى هى الإسناد ، وهو إرجاع الرواية التاريخية إلى شخص شاهد عيان ، وفى سبيل تحرى صحة الأحاديث المنسوبة إلى النبى نشأ نوع من التحقيق يقوم على فحص سلسلة الأسناد ، ويتتبع كيف وصل الحديث إلى كل جيل من الأجيال

المتوالية ، وكان دارسو الحديث فى بادىء الأمر هم المؤرخين ، ولكن التاريخ استقل بالتدريج عن علم الحديث ، وصار الأخبارى شخصا آخر غير المحدث ، ولكنه أقل منه فى المنزلة والاعتبار .

ولم تبدأ حركة كتابة التاريخ الإسلامى إلا فى أواخر عهد الدولة الأموية ، ولعل السبب فى هذا التأخير هو قوة ذاكرة العرب واعتمادهم الشديد على هذه الذاكرة الواعية القوية ، يضاف إلى ذلك اعتبار آخر لحظه مرجليوث وربما كان له أهميته ، وذلك أن الحرص على معرفة السنة كان من شأنه أن يعلى مكانة الحفاظ ، ويجعل الحاجة إليهم ماسة ؛ ووظيفة الحافظ هى أن يكون عنده معرفة دقيقة شاملة واسعة للحوادث التى يرويها ، وهذه المكانة التى بلغها الحافظ كان مما يضعفها من غير شك إمكان الحصول على هذه المعرفة بتفصيلاتها من الكتب ، وقد تعبوا هم فى تحصيلها والتثبت من صحتها ، وكان يهم هؤلاء الحفاظ أن يظلوا مرجعا للتحصيل ، على أن المادة التى بدأت تكتب فى عهد العباسيين لم تؤثر فى مكانة الحفاظ ، وأكثر مؤلفى الكتب أنفسهم كانوا من هذه الطبقة ، وأرجح أن سبب اضطرارهم إلى الكتابة والتدوين هو تكاثر المعلومات التاريخية إلى حد جعل المذاكرات حتى القوية منها تنوء تحت أعبائها ، وقد أوجد الحفاظ حلا وسطا ، وهو طريقة الإجازة ، وهى أن يقرأ القارئ الكتاب ويدرسه على المؤلف نفسه أو من تكون له الأهلية والاستعداد لذلك ، وفى عصر الطبرى كان الناس يسمعون منه التاريخ والتفسير ، وكان العلم المستمد من الكتب ينتقص ويطعن فى قيمته ويفضل عليه العلم المنقول بالسماع ، فهناك إذا أسباب أبطأت بحركة الكتابة ؛ أبرزها أن وظيفة الحافظ جعلت الكتب لا لزوم لها ، ثم الاعتقاد بأن الكتب المكتوبة قد تكون وثائق لا يعتمد عليها لأنها قابلة للتزوير والتزييف .

وقد تغير هذا النوع من التفكير مع الزمن ، وقد استلزم تفسير القرآن ضروبا من المعارف التاريخية ، فالقرآن يشير إلى بعض الحوادث المعاصرة لنزوله ، ومن ثم نشأت الحاجة إلى معرفة مناسبات النزول ، والنصوص القرآنية تتناول الحوادث فى صورة تلميحية ، وتكتفى بالإيجاز عن

التفصيل لتستخرج العبرة أو تستنبط الحكم والقاعدة ، والذين نزلت فيهم الآية كانوا يعرفون تفصيلات الظروف الموجبة للنزول ، ويعرفون مناسباته وملابساته ، ولكن الجيل التالى كان مضطرا إلى معرفة تلك التفصيلات ، ومن ثم احتاج المفسرون إلى التاريخ وإلى دراسة الظروف التى ولد فيها الإسلام ليقرأوا القرآن عن فهم وبصيرة .

وفى القرآن كذلك إشارات تاريخية ، ولمحات عن الأمم السالفة ومواقف الأنبياء المتقدمين ، والذى يريد أن يتفقه فى الدين ويستمكن من العلم يحرص على الرجوع إلى كتب المسيحيين واليهود لتزداد معلوماته وتتسع آفاق معرفته ، ولم يكن الرجوع إلى تلك الكتب فيما أعلم محرما أو ممنوعا ، ولكنه لم يكن فى الوقت نفسه مما يشجع عليه ، ومن ناحية أخرى كان اليهود أو المسيحيون الذين دخلوا فى الدين الإسلامى يميلون إلى الانتفاع بما فى ذا كرتهم عن الحوادث التى أشار إليها القرآن إشارات سريعة خاطفة لينفذ إلى الجوهر واللباب ، وقد اقتضى ذلك التوسع فى معرفة التاريخ والاستكثار من أخبار الأنبياء المتقدمين والأمم الوارد ذكرها فى القرآن .

ومن أسباب التوسع فى التاريخ كذلك رغبة بعض الخلفاء فى استماع أخبار الملوك السابقين لينتفعوا بتجاربهم ، ويتعرفوا سياستهم . ذكر المسعودى أن معاوية كان يستمع كل ليلة إلى أخبار العرب وأيامها والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها ، وسير ملوك الأمم وحروبها ومكايدها وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة ، فتمر بسمعه كل ليلة جمل من الأخبار والسير والآثار وأنواع السياسات ، وكذلك كان المنصور يحرص على معرفة التاريخ للاستفادة من تجارب الماضين واستخلاص العبرة من سياستهم ، ذكر عنه فى (1) الجزء الثانى من كتاب الإمامة والسياسة أنه حينما هم بقتل أبى مسلم استدعى اسحق بن مسلم العقيلى وقال له : " حدثنى عن الملك الذى كنت حدثتنى عنه بحران " ، فقال له : " نعم ، أكرمك الله ، أخبرنى أبى عن حصين بن المنذر أن ملكا من ملوك الفرس يقال له سابور الأكبر كان له وزير ناصح قد أخذ أدبا من آداب

الملوك وشاب ذلك يفهم فى الدين " وقص عليه الحديث ، وخلاصته أن سابور أنفذ وزيره إلى خراسان يدعو أهلها إلى طاعته فمضى الوزير وسعى فى تحبيب الناس به ، ودعاهم إلى طاعة نفسه ، فلما استفحل أمره صمم سابور على قتله عند رجوعه إليه بأعيان خراسان ، فلما رجعوا بغتهم ، فلم ينتبهوا إلا ورأس الوزير بين أيديهم ، فاضطروا إلى طاعة سابور ، فلما سمع المنصور هذه القصة بما فيها من المشابهة بين سلوك الوزير وسلوك أبى مسلم أطرق مليا ثم رفع رأسه وهو يقول :

الذى الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا

                       وما علم الإنسان إلا ليعلما

وكان تقدير عطاء الجند يقتضى معرفة الأنساب ، وكذلك رغبة الدولة فى معرفة البلاد التى فتحت صلحا أو التى اقتحمت عنوة أو التى فتحت بعد ، فقد كان لكل حالة من هذه الحالات حكم خاص من ناحية فرض الجزية وتقدير الخراج ، وبدون تدوين التاريخ كانت المحافظة على هذه الحقوق تكاد تكون غير ميسورة ، وبغير المعرفة التاريخية لا يمكن التثبت من صحة للمعاهدات .

وفى عهد عبد الملك بن مروان أصبحت الدواوين عربية ، وقد شجع نقل كتابة الدواوين إلى العربية على نشأة الكتابة وانتشارها ، وأوجد وظيفة " الكاتب " الذى أصبحت معلوماته واسعة مستفيضة ، ومهد ذلك السبيل لظهور أساليب النثر العربى ، وقد أصبح الكاتب فى العصور المتأخرة هو المؤرخ ، لا لأنه أعلم ببواطن الأمور وخفايا السياسات ، وإنما لأنه قد تدرب على معالجة الكتابة فى الموضوعات المختلفة .

وأطلق اسم " القصاص " على الأشخاص الذين كانوا يعنون مجمع الأخبار الشائقة التى تثير حب الاستطلاع ، وكانوا يسمونهم لذلك الرواة والأخباريين ، وكانوا يعقدون حلقات فى المساجد ويتحلق حولهم الناس ، وكان كثير من هذه الأخبار يدور حول شخصية النبى وأبطال الإسلام ، أو عن الأنبياء الوارد ذكرهم فى القرآن ، وبعض هؤلاء الرواة المتقدمين قد اتهم بالكذب والتلفيق والانتحال والاختراع ، ففى ترجمة عوانة بن الحكم الأخبارى المتوفى سنة سبع

وأربعين ومائة - كما يروى لنا ياقوت فى الجزء السادس عشر من معجمه - " أن عوانة بن الحكم كان عثمانيا وكان يضع أخبارا لبنى أمية " ويقال إنه أنشد مرة بيتين من الشعر فقيل له : لمن هما ؟ فقال : " أنا تركت الحديث بغضا منى للإسناد ، ولست أراكم تعفوننى منه فى الشعر " وفى رواية أخرى أنه كان علوى النزعة .

وحاجة النظام القضائى جعلت معرفة التاريخ ضرورة لازمة ، وذلك لأن نشوء السنة كان يستدعى معرفة الأعمال الداعية لذلك ، وقد كانت دراسة الأحاديث مما ساعد على نشوء علم الجغرافيا وفن التراجم ، وذلك لأن طريقة اختيار صحة الأحاديث كانت تدعو إلى معرفة حياة رواة الحديث وأخلاقهم وسجاياهم وعقليتهم وسلامة تمييزهم .

ويقال إن أول من صنف المغازى والسير عروة بن الزبير المتوفى سنة ٩٣ هجرية ؛ ووهب بن منبه المتوفى سنة ١١٤ ه . وقد ألف محمد بن مسلم الزهرى المتوفى سنة ١٢٤ هجرية كتابا فى المغازى . ومهما يكن من الأمر فإن هذه الكتب قد فقدت ، وأقدم ما وصل إلينا هو سيرة النبى لعبد الملك بن هشام المتوفى سنة ٢١٣ فى كتابه المعروف بسيرة ابن هشام وهى منقولة عن ابن اسحق .

واشتغال المسلمين فى ضرب الخراج اضطرهم إلى تدوين أخبار فتوح البلدان مثل كتاب فتوح مصر والمغرب لابن عبد الحكيم المتوفى سنة ٢٥٧ وفتوح بيت المقدس وما إلى ذلك ، ومن أشهر كتب فتوح البلدان كتاب البلاذرى المتوفى سنة ٢٧٩ هجرية .

وأقدم كتب الطبقات التى وصلت إلينا كتاب الصحابة لمحمد بن سعد المعروف بكاتب الواقدى المتوفى سنة 230 هجرية ، وهو يحتوى على تراجم الصحابة والتابعين والحنفاء ، وقد ألفت كتب على نمطه فى طبقات الشعراء وطبقات الأدباء وطبقات النحاة وطبقات اللغويين والمتكلمين والنسابين والأطباء حتى الندماء والمغنين وغيرهم مما جعل كتب التراجم موفورة فى الأدب العربى .

ونرى من ذلك أن كتابة التاريخ نشطت وازدهرت وتنوعت فى خلال القرن الثانى الهجرى ؛ ومن أشهر مؤرخى                ( البقية على صفحة ١٤ )

( بقية المنشور على صفحة ٨ )

هذه الفترة محمد بن إسحاق بن يسار صاحب السيرة التى اعتمد عليها ابن هشام ، وقد توفى سنة خمسين أو إحدى أو اثنتين وخمسين ومائة ، وقد قيل عنه إنه كانت تعمل له الأشعار فيضعها فى كتب المغازى ، وإنه أخطا فى كثير من النسب الذى أورده فى كتابه ، وأصحاب الحديث يضعفونه ويتهمونه كما ذكر لنا ياقوت فى معجمه ، وكان قصد أبا جعفر المنصور بالحيرة فكتب له المغازى .

والمؤرخ الذى نال شهرة بعيدة ومكانة سامية فى ذلك القرن هو الواقدى ، واسمه محمد بن عمر ، وكان عالما بالحديث والمغازى والفتوح ، وقد قربه المأمون وولاه القضاء بشرقى بغداد ف عسكر المهدى ، وتوفى هناك

سنة ٢٠٧ هجرية . وكان المأمون يكبره وبالغ فى إكرامه ، ولكن المحققين يستضعفون حديثه .

ومن مؤرخى ذلك العصر المعروفين الهيثم بن عدى الذى عاش من سنة ١٣٠ إلى ٢٠٩ هجرية ، وكان أهل الحديث لا يثقون به ، ويروون أن خادمته قالت عنه : " كان مولاى يقوم عامة الليل يصلى . فإذا أصبح جلس يكذب " ,  وكان من معاصريه هشام بن محمد السائب الكلبى ، ولكن الهيثم كان يفوقه معرفة .

ومن مؤلفى هذا العصر المدائنى على بن محمد المولود سنة ١٣٥ ، والمتوفى سنة ٢2٥ ، وقد مهد هؤلاء المؤرخون بما جمعوه من مادة السبيل لظهور المؤرخ المحدث الكبير ابن جرير الطبرى .

اشترك في نشرتنا البريدية