ألقى الأستاذ كاتسفليس وكيل جمعية (الأصدقاء في العالم) محاضرة في قاعة (بابازيان) بالإسكندرية استهلها بقوله: إن من يدقق النظر في العالم يدهشه أمران: أولهما تعدد أسباب الموت والفناء من جراء الأعراض الطبيعية مثل البراكين والزلازل والعواصف والأمراض والوحوش المفترسة وغيرها. وثانيهما: ثبات الحياة وتغلبها على عوامل الفناء. ومما يلفت النظر أن ذوات الأجسام الضئيلة كالنمل والذباب تجد أسباب معيشتها على الرغم من وجود أعداء لها أكثر منها قوة وبطشاً
ويتحقق هذا أيضاً في الحياة الاجتماعية، إذ أن كثيراً من ضعفاء الأجسام والعقول يجدون طرق المعيشة إلى أمد طويل، في حين أن المتعلمين وأقوياء الإرادة يصعب عليهم أحيانا أن يجدوها وهكذا، فإن الأمل لا يمكن ملاشاته من قلب الإنسان. وقد شوهد في جزيرة صقلية وغيرها، حيث قضت الزلازل على مئات الألوف من السكان، أن الذين ظلوا على قيد الحياة منهم سرعان ما أعادوا بناء منازلهم في الحال، وعلى مقربة من البركان الذي كان سبب الكارثة. وهذا ما حدث أيضاً في بلاد الصين واليابان وسواهما
ثم استطرد المحاضر فقال: إن الذي نستخلصه من ذلك هو أن قوة الحياة تتغلب على القوى الأخرى المضادة لها، وأن الأمر
يجري على هذا النمط في المجتمع الإنساني، فإن قوة المودة ستنتصر في النهاية، على الرغم من وجود أسباب الخصام والشرور والحروب والمنازعات. على أنه يجب بث هذه الفكرة، فكرة المودة والمصافاة، وتمهيد الطريق لها
ولهذا الغرض قد تأسست (جمعية الأصدقاء في العالم) ، وجمعيات أخرى مماثلة لها وقال: إن كثيراً من الناس يحبذون فكرة جمعية (الأصدقاء في العالم) ولكنهم يقولون بأن تحقيق أمانيها مستحيل، لأن الناس كانوا منذ بدء الحياة وعلى تعاقب الأجيال في خلاف وحروب مستمرة
ولكننا نؤكد أنه ما دامت الإنسانية قد فازت على الطبيعة، وحققت التقدم المادي بالاختراعات والاستكشافات: كالطيران والإضاءة الكهربائية والراديو وغيرها، فلا شك في أنها جديرة بتحقيق التمدن الأدبي وهو الأهم، ولهذا السبب، أي لكونه الأهم، فإنه سيستغرق وقتاً أطول مما استغرقه التمدن المادي، إذ أنه يستلزم كفاح النفس ضد شهواتها وميولها. وهذا الكفاح صعب على الطبيعة البشرية، ولكنه ليس من المستحيل. والبرهان على ذلك وجود كثير ممن فازوا وتغلبوا على ميولهم الأولى كالغضب والبخل، وأصبحوا بكفاحهم الداخلي ذوي حلم وكرم
وانتقل المحاضر إلى القول بأن المساعي لم تنجح حتى الآن في نشر لواء السلام، لأن الداعين إليه يريدون تأسيسه على الماديات فقط لا على ما تكنه الصدور، أعني على القلب ثم ختم محاضرته بقوله: (إذا سقط رجل في الشارع مصاباً بصدمة سيارة وشهده جمع من المارة، ألا يتهافتون لمساعدته شفقة عليه دون أن يعنيهم مذهبه أو جنسه أو لأي حزب سياسي ينتمي؟)
فهذا يدل بلا شك على أن هناك شعوراً مكنوناً في صدر الإنسان، وفي أعماق قلبه يمكن بوساطته التفاهم، وإيجاد المحبة بين الجميع. ذلك الشعور هو الأساس الذي يجب أن ينشأ عليه العالم الجديد الذي تسعى إليه جمعيتنا، ذلك هو عالم المودة والوفاق والرقي الأدبي والروحي، أي التمدن الحقيقي
وإذا اعترض أحد قائلاً: (ما هي فائدتي الشخصية في السعي لإيجاد المودة بين الناس كما تقترحه على جمعيتكم؟) لأجبته قائلاً: (لأنك لو حققت السلم في الوسط الذي أنت فيه لعرفت ما هي نفسك التي تجهلها الآن، ولوجدت في أعماقها ينبوع الحياة والسعادة التي لا تزول)

