كان هذا الكون من قديم الزمان أعجوبة العجائب ومشكلة المشاكل ، حير الألباب وأجهد العقول ، ومازال العلماء منذ القدم يحاولون فهمه واكتناع أسراره ، وكلما تقدموا فى العلوم الطبيعية والرياضية وازدادوا مقدرة على إجراء الأرصاد والحسابات وتطبيق النظريات الطبيعية والميكانيكية على المشاهدات والإحصائيات ، قربهم ذلك كله من هدفهم الأسمى خطوة خطوة نعم إنها خطى وثيدة لكنها على أى حال خطوات يحس العلماء لها نشوة وفرحة تبعث فى نفوسهم الأمل وتدكى منهم الهمم ، وجمهور المثقفين من ورائهم يتهافت على ما يصل إليه الرياضيون والفلكيون من نتائج وما يكتشفون من حقائق وما يضعون من فروض وما يصوغون من نظريات وما يبدون من تفسيرات وما يذيعون من تكهنات .
وقد وصلنا إلى نتائج هامة ونظريات قيمة وعرفنا عن الأجرام السماوية حقائق كثيرة لها خطرها وأهميتها ولذتها أيضا . وكم من اكتشافات فلكية اهتزت لها الدنيا ، وكم من تنبوءات لعلماء الفلك تحققت وبهرت العالم ! وقد أصبحنا الآن نعلم عن حركات المجموعة الشمسية بصفة خاصة وغيرها من الأجرام السماوية بصفة عامة قدرا كبيرا تجلت فيه دنة عظيمة برجع الفضل فى تحقيقها إلى الآلات الفلكية المعجيبة التى اكتشفت واحدة بعد أخرى ، وكل مها يتقدم ويزداد دقة وحساسية على مر الأيام ، ومن تتبع تطور المدسات والمراقب وحدها وجد فيها العجب العجاب .
على أن شيئا واحدا على جانب عظيم من الأهمية لا يزال العلم يتخبط فيه والعلماء يعصرون فرائحهم ولما نصل بعد إلي شىء أكيد حاسم بشأنه ، ألا وهو كيف نشأ هذا الكون
وكيف تكونت تلك النجوم وكيف تطورت تلك المجاميع التى تشبه مجموعتنا الشمسية ، أو بعبارة أخرى : ما هى الظواهر التى نشأ عنها ميلاد تلك الكواكب التى تدور حول الشمس وما يدور حول بعض هذه من أقمار ؟ وبعد ذلك كله كيف نشأت الحياة على الأرض ؟ وهل هناك أجرام سماوية أخرى نشأت فيها حياة كحياتنا أو شبيهة بها أو مغايرة لها ؟ .
كل هذه المسائل العويصة لما يصل العلم إلى رأى نهائى بشأنها ، وإن كانت المحاولات مستمرة منذ الأزل . فإذا أخذنا المشكلة الأولى مثلا وهى تطور مجموعتنا الشمسية وجدنا أن البحث فيها والسعى وراء حلها قد بدأ من عهد الحضارة اليونانية ، فيحدثنا التاريخ أن أفلاطون أول ما اتجه إليها كون لنفسه رأيا عن أبعاد أعضاء مجموعتنا الشمسية بعضها عن بعض ، وكان يعتقد أن هذه الأبعاد بينها نسب كالتى بين الأعداد ٢٧،٩،٨،٤،٣،٢،١ ، وقد أطلق على ما تكون منها اسم " نسب الأبعاد المضاعفة " .
ثم ظهرت الفكرة الثانية التى تعزى إلى أفلاطون أيضا ، وهى أن الشمس موجودة من عهد بعيد جدا ، وأن الكواكب لما أبدعها الخالق على الصورة التى هى عليها الآن أودعها مكانا قصيا هو ما نعبر عنه فى لغتنا الرياضية فى الوقت الحاضر باللانهائية ، ولما حان الموعد المقرر لها هبطت كلها متجهة صوب الشمس وأخذت سرعة كل منها تتزايد في هذا الهبوط بمقادير مختلفة ، حتى إذا ما بلغ كل كوكب الفلك المقدر له فى الخليقة تحولت سرعته فى اتجاه المماس لفلكه وأخذ يسير فيه وظل يملك سبيله فى هذا المدار أو الفلك إلى يومنا هذا وسيظل يفعل ذلك إلى ما شاء الله .
وقد علل هذا الفرض ببساطة الحركات السريعة للكواكب القريبة من الشمس وإن لم يحقق الانطلاقات(1)
الواقعية لتلك الكواكب فى الفضاء ، كما أثبت نيوتن فيما بعد ، فهذا الفرض لا يؤدى بالحساب إلى المقادير الواقعية لتلك الانطلاقات إلا إذا أضيف إليه فرض آخر هو أن جاذبية الشمس للكواكب قد تضاعفت قيمتها فى اللحظة التى تغير فيها اتجاه سيرها من هبوط صوب الشمس إلى سلوك السبيل السوى فى المدار المقرر كما قدمنا .
وبعد ذلك بألف سنة جاء كيلر بفكرته المشهورة أن أبعاد الكواكب السيارة عن الشمس خاضعة لاعتبارات هندسية بحتة ، وأن ما يحددها هو هندسة الأجسام المنظمة ، فقد قال بأننا لو تصورنا كرات متتابعة متمركزة مركزها الشمس ، وأنصاف أقطارها أبعاد تلك الكواكب عنها على التتابع كانت هذه الكرات من الحجم بحيث يستقر بين كل اثنتين متتابعين منها أحد المجسمات المنتظمة الخمسة المعروفة ، وهى ذو الأربعة الأوجه (أو الهرم الثلاثى المنتظم) والمكعب (وله ستة أوجه) وذو الثمانية الأوجه ، (ويتكون من هرمين رباعيين متساويين قاعدتاهما وجها لوجه) وذو الاثنى عشر وجها (وكل زاوية مجسمة فيه يحددها ثلاثة مخمسات منتظمة) وذو العشرين وجها (وكل زاوية مجسمة فيه يحددها خمسة مثلثات متساوية الاضلاع) . ويقصد باستقراره بين الكرتين أن تمس الداخلية منهما أضلاعه وتمر الخارجية منهما برءوسه .
والمعروف أن أفلاطون عدل بعد تفكير طويل عن هذه الفكرة الخلابة إلى فكرة أخرى طريقة تربط أبعاد الكواكب بنسب تتفق مع النسب التى بين عدد الذبذبات أو التردد لبعض الأنغام الوسيقية الخاصة .
هذه بعض المحاولات الخيالية التى تستند إلى القوانين الطبيعية والأسس الرياضية الحقة ، تلتها محاولات أخرى جدية ، تقوم على هذه وتلك ؛ حين أدلى كل من نيوتن وكانت وغيرهما (دون أن يتصل بعضهم بالبعض) بآراء لها قيمتها ، ثم تبعهم الرياضى لبلاس بآراء أدق وأكثر
اتفاقا مع الرياضيات والقوانين الطبيعية . وإلي القارىء خلاصة لتلك الآراء الجدية التى حاول بها هؤلاء العلماء والفلاسفة الأفذاذ ان يفسروا نشوء الكون بصفة عامة والمجموعة الشمسية بصفة خاصة .
أما نيوتن فقد خيل إليه أنه لو كانت المادة التى تتكون منها شمسنا وكواكبها ، وكذلك المادة التى يتألف منهم الكون كله ، ولو أن هذه انتشرت فى السماء بانتظام وكان لكل جسيم أو نقطة مادية منها جاذبية نحو جميع مثيلاتها ، وكان الفضاء الذى انتشرت فيه هذه المادة كلها محدودا لنشأ عن ذلك أن تتجه جميع الجسيمات بحكم الجاذبية من الأطراف إلى الوسط ، وبذلك تتكون بعد زمن كرة مادية عظيمة مركزة فى وسط الفضاء . أما إذا كانت مادة الكون كلها مبعثرة فى فضاء لانهائى فإنها لن تتجمع أدا فتكون كرة مادية واحدة على هذه الصورة ، بل يتجمع منها البعض فيكون كتلة كبيرة وبعض آخر كتلة أخرى وهكذا ، حتى يتكون عدد لا نهاية له من هذه الكتل المادية العظيمة مبعثرة فى ذلك الفضاء اللانهائى ، ومتباعدة عن بعضها بمسافات شاسعة . وعلى هذا النحو تصور نيوتن نشوء شمسنا وغيرها من النجوم .
أما كانت فقد تخيل الكون ف بدابته سحابة غير منتظمة تسودها الفوضى تتألف من عباءات من التراب وجسيمات مادية صغيرة مختلفة الأنواع بعضها ساكن وبعضها يقفز هنا وهناك بحركات عشواء ، هذه وهى المادة الخام التى ألفت منها قوانين الطبيعة عالما فيه الشمس والأرض وأمثالها من الكواكب ، والفمر وغيره من التوابع . فإن هذه المادة البدائية تأخذ فى التجميع والتكتل بحكم التجارب بين أجزائها حتى تكون منها كتلة مادية هائلة (كالتى تصورها نيوتن) هى الشمس .
وقد ظن كانت أن عملية التجمع والتكتل وتكوين
مجسم عظيم واحد علي هذه الصورة عملية من شأنها وحدها أن تولد فى هذا الجسم العظيم حركة دورانية (وهو على خطأ فى زعمه هذا) ثم افترض أن هذه الكتلة ستبرد بالتدريج وتتقلص فى خلال ذلك ، وكلما صغر حجمها بهذا الانكماش ازدادت سرعة دورانها شيئا فشيئا إلى أن تصير فى النهاية حركتها الدورانية من السرعة بحيث لا تستطيع أن تستمر على التماسك كجسم واحد وإنما ينفصل بعض أجزاء إطارها الخارجى فيتأثر بعيدا عنها ككتل غازية عظيمة متطايرة من الدائرة الاستوائية لهذه الكتلة الدوارة .
ثم تزداد برودة الكتل بدورها حتى تستحيل إلى سائل ، ثم تنتقل إلى حالة الصلابة ، فهذه الكتل الجامدة هى التى صارت فيما بعد (كما يرى كانت) الكواكب السيارة ومنها أرضنا التى نعيش عليها .
وأما لبلاس الرياضى العظيم فقد جال غزير علمه دون وقوعه فى الخطأ الذى وقع فيه كانت بافتراضه أن فى الإمكان تولد حركة دورانية فى كتلة سديمية عظيمة نتيجة لمجرد فعل التكاثف والتجمع ، فمن المحال تولد حركة دورانية من لا شىء ، ولذلك افترض أن تلك الكتلة السديمية كانت لها من مبدأ الأمر حركة دورانية . وليس على هذا الفرض أي اعتراض ، فإننا نعلم الآن (وإن لم يكن لبلاس يعلم فى زمانه) أن معظم السدائم التى فى السماء لها حركة دورانية ثم تأتى بعد ذلك الظواهر الثلاث : تتابع البرودة وتناقص الحجم وتزايد سرعة الدوران ، ويلاحظ لبلاس أن ازدياد الحركة الدورانية من شأنه أن يفرطح الكتلة الدورانية فتبرز مناطقها الاستوائية شيئا فشيئا إلى أن تنفصل فى النهاية حلقة مادية من تلك المنطقة الاستوائية وتظل دائرة حول الشمس التى يتتابع انكماشها . ويستشهد لبلاس على صحة رأيه هذا بحلقات زحل ، ويقول إن مثل
هذه الحلقة المادية المنطردة من الكتلة الكبيرة تتكاثف وتتجمع وتتكتل مولدة أحد الكواكب .
وتتكرر هذه الظواهر بالنسبة للشمس (وهى الكتلة الأصلية) التى تستمر فى برودتها وانكماشها وازدياد سرعة دورانها ، وبالتالى فرطحتها إلى أن تنفصل من منطقتها الاستوائية حلقة أخرى تكون كوكبا آخر وهكذا . وليست هذه نهاية القصة ، فان تلك الكوا كبكونة تتعرض بدورها إلى تلك الظواهر نفسها فينشأ عنها تولد أقمار أو توابع كما قدمنا .
لكن الرياضيين الذين جاءوا بعد لبلاس قد أثبتوا أن فكرته غير صحيحة ، فأنهم حسبوا مقدار السرعة الدورانية التى لابد أن كانت فى الكتلة السديمية الأصلية ، فإذا بها حركة ضئيلة بطيئة لا يمكن أن تؤدى إلى الفرطحة أو إلى حدوث تلك الظواهر التى بنى عليها لبلاس رأيه الذى سبق شرحه ، وانهارت بذلك نظريته .
أما الآراء التى جاءت بعد ذلك وانتهت بالنظرية الحديثة القائمة الآن التى وضعها السير جيمزجينز فستكون موضوع مقال آخر .

