إن قرار جمعية الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين قد هز العالم العربى هزة عنيفة ، على الرغم من أن مثل هذا القرار لم يكن مستبعدا . ولكن كان هنالك أمل ضئيل فى أن ترى بعض الدول المترددة وجه الصواب فى آخر لحظة ، فإذا هى لا تري إلا الجور والضلال . وإذا القرار يصدر بالتقسيم ، وبإنشاء دولة يهودية تنقطع من جسم العروبة . فاعثر العالم العربي لهذا النبأ ، لأنه رأى تحول الظلم والجور فاغرا شدقيه لالتهام أجل الأقطار العربية وأغلاها ، فتملكت البلاد العربية ثورة الغضب ، وارتفعت الأصوات فى كل قطر عربي بالاحتجاج المر . واتخذ هذا الاحتجاج صورا شتى فى مختلف الأقطار . وقد لا يكون بعض تلك الصور مما لا يجدى فى إنقاذ الموقف ، بل قد يكون بعضها ضارا بالجهود الصادقة التى يجب أن تبذل فيما بعد . ولكن ليس مما يقبله العقل ، ولا مما يحتمله الطبع البشري ، أن هذا الزلزال العنيف ، الذي اجتاح العالم العربى كله ، يمر فى فى هدوء وسكون ، وأن يظل الشباب الثائر كاظما غيظه ، تأثرما كل تؤدة وسكينة أمام هذا الطرف المصيب .
ولكنا إذا عذرنا الشباب العربى ، لأن وقع هذا النبأ قد دفعه إلى عمل غير لائق بالسداد ، فإننا لا نستطيع أن نعذره ، بعد أن حان الوقت لأن يملك زمام غضبه ، وأن يدرك أن الخطب أجل من أن يعالج بالتظاهر فى الشوارع ،
وبتحطيم النوافذ ، وبالصيحات والنداءات العدائية . إن الشعوب العربية ليست فى حاجة إلى مظاهرات ونداءات لكى تدرك الخطر الجسيم الذى يهددها اليوم بتقسيم فلسطين ، وإنشاء دولة صهيونية فى قلب العالم العربى . وليس هنالك مسألة قد اتفقت فيها كلمة الشعوب العربية - كمسألة فلسطين - وليس هنالك أدنى شذوذ أو خروج على هذا الاجماع فى أى بلد عربى . وإن جميع أبنائه وحكوماته وهيئاته مجمة على الذود عن فلسطين ونصرتها بكل ما فى وسع البلاد العربية من قوة وحول . وسيتطلب هذا الأمر جدا وجلدا وصبرا ، وجهودا متصلة لا تنقضي إلا بالقضاء التام على الصهيونية . وهذه الجهود ليست جهود أفراد يتجولون فى الشوارع والطرقات ، ويلقون الخطب والصيحات ، بل جهود تشترك فيها الأمة شعبا وحكومة ، ويدبر أمرها أولو الأمر فى كل قطر عربى ، وتنظمها وتنسقها هيئة الجامعة العربية ، وليس علينا أبناء البلاد العربية إلا أن نضع أنفسنا تحت تصرف أولى الأمر فينا ، وأن نواليهم ثقتنا ، وقد أثبتت جميع الحكومات العربية أنها مدركة تمام الإدرك للتبعات الملقاة على عاتقها بشأن فلسطين ، ولا يمكن أن يؤدي تدخل أفراد الشعب إلا إلى تعطيل جهودها وإحراجها .
فمن الجائز أن طائفة من الشباب تري من الوطنية
الصادقة أن تهاجم مؤسسة روسية ، أو أمريكية ، أو دار سفارة من السفارات الأجنبية . مثل هذا العمل الطائش يحدث فى كل قطر وفى كل بلد عربى أو غير عربى . ولكنه فى البلاد العربية ، فى هذه الظروف ، امر بالغ الضرر ، لأن فيه صرفا للجهود عما يجب أن توجه إليه ، وظلما لمؤسسات لعلها نقمة اشد النقمة على قرار حكوماتها ؛ وبوجه خاص لأن فيه عدوانا على مؤسسات تحميها الحكومات العربية ، وهى مسئولة عن المحافظة عليها ، فإذا اعتدى عليها ، اضطرت كل حكومة لأن تقف موقف الآسف المعتذر . وليس من الوطنية فى شئ أن نعرض حكومة عربية لأن تقف هذا الموقف من دول ليس من شك فى أن العالم العربى ينظر إليها اليوم نظرة الاحتقار الشديد إنما السياسة التى يجب أن تقع نحو هذه الدول ، هي سياسة عليا تقررها الحكومات العربية وتؤازرها الشعوب العربية .
لا شك أن جميع الدول التي أعلنت رضاها عن تقسيم فلسطين تستحق كل احتقار وامتهان ، لا من العالم العربى وحده ، بل من كل دولة ، ومن كل فرد يدرك معنى الشرف والكرامة . ولا شك أيضا فى أن أحقها بأن يحتقر وأن تزدري هى حكومة الولايات المتحدة الأمريكية . فقد أثبتت هذه الحكومة فى صورة واضحة جلية أنها ليست سوى دالة يركبها الصهيونيون ويسيرونها كما تسير الأنعام . صحيح أن يهود الولايات المتحدة يسيطرون على كثير من الأدرات التى تؤثر فى الرأى العام كالصحافة والإذاعة والسينما ، ولكن للحكومة آخر الأمر الكلمة العليا ، ولو كان لها وعى سياسي سليم لاستطاعت أن ترى وجه الحق والصواب برغم المؤثرات الصهيونية .
ولكن الولايات المتحدة كانت دائما بلد السياسة الخاطئة ، والخطط السياسية المرتجلة . فتحت قبة برلمانها يحتشد أصحاب المصالح والشهوات ، ولا عمل لهم إلا ان يؤثروا فى النواب والشيوخ ، بمختلف الطرق ووسائل الإغراء .
وقد ظهر اضطراب سياستها وضلال ساستها فى قضية فلسطين ظهورا واضحا . وكانت الآراء التى يدلى بها المندوب الأمريكى فى مجالس الأمم المتحدة عبارة عن ترديدات للآراء الصهيونية ، كأنما المندوب آلة حاكية تردد صوت صاحب الصوت ، من غير تدبر أو تفكير .
ولقد يحاول المرء أن يقلب الأمر على جميع وجوهه ، لعله يجد للولايات المتحدة ، شعبا أو حكومة ، مصلحة حقيقية فى السياسة التى اتبعتها نحو فلسطين ، أو يلتمس لها عذرا فى موقفها من المشكلة الصهيونية ، فلا يستطيع أن يهتدى إلى رأى فيه ما يدل على أن الساسة الأمريكيين يصدرون فى أعمالهم وأقوالهم عن إدراك لمصلحة بلادهم . ولئن التمسنا لهم عذرا بجهلهم حقيقة الأمر ، وأنهم يتوحمون عن عقيدة وإيمان أن ما يطلبه الصهيونيون عدل ، فإن هذا العذر لا يلبث بعد تمحيص قليل أن يتبدد ويزول ، فان كثيرا من الأمريكين ، وعلى الأخص رجال السياسة فى الشرق الأوسط ، قد بذلوا مجهودا جبارا فى إفهام رجل الحكومة حقيقة الحال ، وبطلان المزاعم الصهيونية . ووزارة الخارجية الأمريكية نفسها مدركه هذه الحقائق تمام الإدراك .
وإذا قيل إن سياسة أمريكا تمليها المصلحة الاقتصادية فليس بمعقول أن تعادى العرب ولها منافع اقتصادية كبيرة فى البلاد العربية . وان تستطيع رعاية هذه المصالح إذا جاهرت بعداء العالم العربى اللهم إلا إذا كانت تريد بسط سلطاتها على الأقطار العربية كلها ، وهى سياسة لا يمكن أن تخطر على عقل عاقل .
وإذا أردنا أن نفسر مسلك الساسة الأمريكرين بأنهم فى حاجة إلى اصوات الناخبين اليهود فى ولاية نيويورك ، وأنهم من أجل هذا مستعدون للتضحية بشرفهم وبمصالحهم فمن الحمق الشرف على الجنون ، أن تدفع الإدارة الأمريكية هذا الثمن الباهظ من أجل تولى رجل من الديمقراطيين رئاسة الحكومة ؛ ولئن سمحت الأحزاب السياسية لنفسها
بأن تكون أداة تسخرها الصهيونية كيف تشاء ، فان الشعب الأمريكى الذي يبغض اليهود أشد البغض لا يمكن أن يرضى عن هذه الحال . وماذا يكون مصير الأمة الأمريكية كلما إذا كانت أحزابها تتنافس من أجل إرضاء الصهيونيين وإعطائهم الكلمة العليا فى إدارة سياسة الدولة الخارجية ؟ وإذا كان لأصوات اليهود كل هذا التأثير ، فليس من شك فى أنها لن يقف تأثيرها عند مسألة فلسطين ، بل بتجاوزها إلى توجيه السياسة الأمريكية فى كل أمر يراه الصهيونيون .
بقى أن من الجائر أن يقال : إن الباعث على السياسة الصهيونية التى تتبعها أمريكا ، أنها تريد أن يكون لها نفوذ فى شرق البحر المتوسط ، فى هذه النقطة الخطيرة من العالم ، دون أن تحتمل تبعات ، وذلك بأن تقيم دولة تستطيع أمريكا أن تؤثر فيها بواسطة يهود أمريكا ، فإن الدولة الصهيونية لا يمكن أن تقوم لها قائمة من غير تأييد اليهود فى الولايات المتحدة ، وبذلك تضمن الحكومة الأمريكية أن يبقى لها نفوذ سياسى فى الشرق الأوسط دون أن تكون مسئولة بطرق مباشرة عما تعمله تلك الدولة الصهيونية . وبعبارة أخري أن الولايات المتحدة أرادت أن يكون لها ذئب فى الشرق الأوسط تحركه كما تشاء .
وهذا الرأي يبدو وجيها لأول وهلة ، قبل أن يتناوله الرء بالتفكير والتمحيص . ولعل هذا الرأى هو الطعم الأ كبر الذى ألقمه الصهيونيون للحوت الأمريكى فابتلعه ، من غير تفكير أو تدبر . ولئن كان هذا هو الغرض الذى هدفت إليه السياسة الأمريكية ، فمن العجيب أنها سلكت طريقا تبعدها عن هذا الغرض كل البعد . فقد اضطرت من أجل تأييد الصهيونيين ، وإنشاء الدولة الصهيونية فى فلسطين أن تسمح لروسيا السوفياتية بأن تكون شريكة لها فى المشروع الفلسطيني ، أيا كان هذا الشروع . فلم تلبث السياسة الأمريكية أن أخذت تتخبط على غير هدى ، فاقترحت أول الأمر إنشاء جيش دولى لفلسطين ، لتنفيذ
قرار الأمم المتحدة ، فنبهت إلى أن مثل هذا الجيش الدولى سيكون للروس فيه نصيب الأسد ، فبدلت عن الجيش الدولى . ولكنها لكى تحصل على موافقة روسيا للمشروع اضطرت لأن تجارى الروس فى جميع خططهم ، وأهمها أن مجال تنفيذ مشروع التقسيم إلى مجلس الأمن حتى يتخذ ما يلزم من إجراء لتنفيذه . وهذا معناه أن التنفيذ لن يتم فى مراحله المختلفة إلا برضاء حكومة السوفيت ، وسيكون لها حق الاعتراض على كل إجراء لا توافق عليه . فأمر التنفيذ لن يكون رهنا بإرادة الولايات المتحدة بقدر ما هو رهن بإرادة الحكومة السوفياتية .
فإذا سلمنا بأن حكومة الولايات المتحدة أرادت بتأييد الصهيونين أن يكون لها نفوذ سياسى فى الشرق الأوسط ، وهو رأى لا يخلو من الرجاعة فلا شك أن زمام هذه السياسة قد أملت من يدها . وأنها لم تستطع أن تتجه نحو الهدف الذي تبغيه ، وبدلا من أن تكون الصهيونية ذئبا تحركه الولايات المتحدة ، أصبحت حكومة أمريكا هى الذئب الذى تحركه الصهيونية كيف تشاء . وقد أمعن الصهيونيون فى استخدام الحكومة الأمريكية وتسخيرها لأغراضهم . ولم يقبلوا منها مجرد تأييد مشروع التقسيم ، بل أصروا على أن تكون للحكومة الأمريكية سياسة إيجابية ، بحيث تقوم هى باقناع الدول المترددة من أعضاء هيئة الأمم المتحدة وأن تبذل نفوذها كله من أجل تحريض هذه الدول على تأييد مشروع التقسيم والدولة الصهيونية ، فقد كانت الأصوات المؤيدة فى لجنة فلسطين ٢٥ صوتا ، أى أقل من نصف أعضاء هيئة الأمم المتحدة ، فلم تلبث أمريكا والصهيونيون أن استمالوا الحكومات والضمائر حتى ارتفعت الأصوات إلى ٣٣ صوتا فى الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة . وقد اغتبط الأمريكيون فيما يظهر بهذه النتيجة أيما اغتباط ، والمستقبل وحده كفيل بأن يرينا على أى أساس بنى هذا الاغتباط . إن هنالك هدفين اثنين نجحت أمريكا فى تحقيقهما ، وإن لم تكن تريد ذلك : أولهما أن العالم قد
أدرك أن الأمم المتحدة هيئة ساقطة ومسرح للنفوذ الباطل ، والثاني انه بات من الواضح أن الولايات المتحدة دولة لا تصدر فى أعمالها عن سياسة نبيلة أو إرادة سليمة .
ولا بد للعالم العربي اليوم أن يدرك أنه أمام خطر جدى يهدده ، وأن المشكلة التى نواجهها اليوم ليست مما يمكن علاجه بالوسائل المرتجلة ، والصيحات المرددة . وأكبر ما نحن فى حاجة إليه سياسة مقررة وقيادة منظمة ، وشعوب مطيعة لقادتها، واضطلاع كل منا بواجبه فى هدوء وسكون . وآخر ما نحن فى حاجة إليه هذه المظهرات والخطب الجوفاء ، ومحاولة كل فرد أن يرسم الخطط ويقود الحركة .
إن الصهيونيين لم يفوزوا إلى اليوم إلا بفضل تماسكهم ونظامهم الدقيق ، والتزام السكون والتكتم بذلك استطاعوا أن ينكلوا بالإنجليز ، وأن يذيقوهم مر العذاب؛
وقد بلغ من لؤمهم أنهم ألفوا من أنفسهم جماعة سموها " ممثلة " وهى الهجانا ، وجعلوها تمثل أدوارا مسرحية تتظاهر فيها بتهدئة المتعارفين من أعضاء العصابات الأخرى ، وكبح جماحهم . ولذلك امكنها أن تظهر فى هذه الأيام ، وتقف مدججة بالسلاح إلى جانب البريطانيين من أجل " تهدئة " الأحوال فى فلسطين .
فليس مما يقبله العقل ، بل وليس من الوفاء للعروبة وللأوطان العربية ، أن نقابل هذا النظام الصهيونى الدقيق بالفوضى بالهياج المرتجل ، بل لا بد لنا لنصرة فلسطين ونجدتها أن نقف صفا واحدا وراء قادتنا وأولى الرأى فينا ، فليس بين الشعوب وبين حكوماتها خلاف فى الواجب الذى يجب أن يضطلع به كل منا .
