جميل من مكتب الصحافة أن يطالعنا بأسماء أبنائنا الألى جادوا بالأنفس العوالي والمهج الغوالي في تدعيم أركان السلام، سلام قوامه المبادئ الصحيحة والقوميات المعتدلة التي يهمها أن تبقى وإن تساعد الغير على البقاء، وإن تعين الإنسانية على الخير والنماء.
وجميل من مكتب الصحافة أن يسجل لنا والحرب دائرة رحاها أننا لم نكن في المؤخرة يوم أن حمى الوطيس بين الخير والشر. وجميل منه أن يبادر فيلبسنا تلك القلادة الفاخرة التي يشهد العالم أجمع أننا لم نرض أن يطغى الطغيان على هذا الكون فيعذب الإنسانية ويكبلها بأقسى القيود ونحن واقفون موقف المتفرج الذي لا يهمه الأمر؛ بل قمنا بنصيبنا في حفظ تراث الإنسانية الخالد الذي قام على الفضيلة والحق والمساواة.
أجل! فليشهد العالم أننا قمنا بنصيبنا في حفظ تراث الإنسانية نصيباً بذلناه في سبيل المال على ما نحن فيه من عسر، فبعثنا به إلى ما وراء البحار لنشعر أنفسنا هنالك أننا لم نكن ناسين ما هم فيه ولا جاحدين ما يعملون. وليشهد العالم أننا قد قمنا بنصيبنا فقدمنا إلى الموت أنفساً عزيزة علينا في ذاتها عزيزة علينا لأن بلادنا قلة منها، بل وتشكو أرضنا القافلة والبوار يث لم تجد من يعمرها فيجيها ولا من يثتثمرها فيغنيها.
قدمناها إلى الموت أنفساً كان في حياتها للبلاد نماء وثراء، وقدمنا إلى الموت أنفسا كانت لأهلها أملاً ورجاء. وقدمنا إلى الموت أنفسا كانت للنزلاء عوناً وسخاء ولجاراتها ذخراً لدى البلوى وبهجة في الخير والسراء.
قدمناها لتحمي ذمار الإنسانية وليلقى عدوها من أيدي أصحابها بلاء ونكالاً ما داموا أحياء، ولينوء - إن ماتوا - ملطخاً بدمائهم وهي على وجهه عاراً ولأبنائه شناراً.
أما هم ففي موتهم خلود، وفي موتهم فخار، وفي موتهم حياة. خلود لأسمائهم وبلادهم وحياة للإنسانية الطاهرة التي لا ترضى أن تسود الفوضى ويتحكم الطغيان.
ففي ذمة الله من مات ولينم في خلده منعما بما حفظت له البلاد من يد هي سندها يوم أن تجلس الأمم لمطالعة الحساب وهي باقة
حقيقة لا تتغير بمظاهر انفعاله وإكباره، وهي: أمثل ذلك الصنيع يلائم طبيعة الدين ويلائم غايته؟ ولاشك أن يسر الدين وكونه قريباً من إفهام أكبر عدد ممكن من الجماعة البشرية من أهم خصائص طبيعته. ولاشك أن اقتناع الكثرة به واجتماعها حوله غير متفرقة ولا متحزبة لتأويل معين لحقيقة من حقائقه غاية رئيسية له.
فإذا كان تفلسف الدين إذا يساعد على نمو طبيعة الدين ويساعد على تحقيق غايته، كان من مصلحة الدين جذبه نحو الفلسفة، وكان من مصلحة شرح عقيدته بآراء الفلاسفة.
دخلت الفلسفة الإغريقية بشرح رجال مدرسة الإسكندرية منذ عصر المأمون في ثقافة المسلمين، وأحدثت على إثر دخولها تحولاً في نشاط المسلمين الديني والعقلي أساسه الميل إلى الفلسفة في إنتاجهم في هاتين الناحيتين. وكانت العقيدة الإسلامية اشد تأثراً بالفلسفة في نطاق الإنتاج الديني؛ إذ من أهم ما تناولته الفلسفة بالبحث المبدأ الأول للكون، وصفات هذا المبدأ، ونشأة العالم المشاهد عنه، والإنسان أمام العقل الإسلامي المشتغل بالعقيدة الإسلامية نظرية الواجب والممكن، ونظرية وساطة العقل الفعال بين الله والعالم، ونظرية الصورة والهيولي، ونظرية العقول المجردة، ونظرية فيض النفس الكلية على النفوس الجزئية. . .
م يشأ العقل الإسلامي أن يعالج هذه النظريات في عزلة عن الدين، ولا أن ينقدها - إذا نقدها - من غير رعاية للدين بل حاول جهد طاقته، وبالأخص بدء اشتغاله بها، أن يشرح ب عض حقائق العقيدة بما ورد في الفلسفة من آراء لأنه جعل شعاره: (إذا انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال( 1 ) ). إذ أنه يقول: (وهل الحكمة إلا مولدة ا لديانة؟ وهل الديانة إلا متممة للحكمة؟ وهل الفلسفة إلا صورة النفس؟ وهل الديانة إلا سيرة النفس(2) ؟). وإذ أنه يقول: (لا خلاف بين أحد من العلماء بالفلسفة ولا بين أحد من العلماء بالشريعة بأن غرض الشريعة هو غرض الفلسفة على الحقيقة)
وقد كان للعلماء المسلمين بعض العذر في تحديد الصلة بين الدين والفلسفة الإغريقية بعد ترجمتها على هذا النحو لأن الفلسفة الإغريقية نقلت إليهم من ثوب ديني صوفي في كثير من نقطها، نتيجة عمل رجال الإسكندرية، ولأن منطق أرسطو الذي ترجم أولاً، في عهد المنصور، أحدث في نفوس المسلمين شبه يقين برجاحة العلم اليوناني وعصمة الحكمة اليونانية)
وتبعاً لذلك الشعار وهذا التحديد في الصلة بين الدين والفلسفة من العقل الإسلامي، أصبحنا نرى علماء العقيدة يستدلون على مغايرة الله للعالم بنظرية الواجب والممكن التي أسسها أرسطو على نظامه الفلسفي في الصورة المحضة والمادة المحضة، والتي استتبعت مما استتبعت من صفات، وحدة الوجود الواجب بمعنى عدم تعدد ذاته وعدم تركب ذاته الواحدة من أجزاء. وقد بنى فريق من المسلمين على مبالغته في إثبات الوحدة ففي صفات الباري، كلها أو الكثير منها، لأن إثباتها - في نظره - يقتضي التعدد. وسلك فريق آخر من الراغبين في إثبات الصفات، تمشياً مع ظاهر القران، وفي الوقت نفسه من الحريصين على نفي ما يوهم عدم الوحدة طريقاً هو أقرب إلى التلاعب بالألفاظ منه إلى الإتيان بنصيب إيجابي جوهري في حل هذا الإشكال. فقال: (الله له صفة كذا. . . وهي عين ذاته)
كل هذا بعد أن كان المسلم، وبعد أن كان في استطاعة كل مسلم كذلك أن يفهم، أن المعبود غير متعدد لا شريك له، وأنه غير ما في الكون من مخلوقات إذا تليت عليه آيات ربه الداعية إلى التوحيد وعبادة الخالق مثل قوله تعالى: (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم). وبعد أن كان يكفيه في إثبات هذه الدعوى مثل قوله تعالى: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما انزل من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون
تبعاً لذلك الشعار أصبحنا نسمع لأبى الهذيل العلاف من شيوخ المعتزلة رأيا في أن كلمة التكوين (قول الله للشيء: كن) التي تعبر عن الإرادة الإلهية حادثة لا في محل، وإن الإرادة تغاير المريد والمراد. وعلى هذا فكلمة التكوين في المكان الوسط بين الخالق الأزلي وبين العالم المخلوق الحادث. وهذه الكلمات
لمعبرة عن الإرادة الإلهية هي بمثابة جواهر بسيطة تشبه المثل وعقول الأفلاك.
يقرأ الكثير من المسلمين لأبى الهذيل العلاف هذا الرأي ولكن الذي يفهم المراد منه قليل، وهو الذي يعرف المثل، ويعرف لأي غرض وضع أفلاطون نظرية المثل، ولماذا كان القول بالوساطة بين المبدأ الأول (الله) والعالم؟ بينما المسلم إلى عهد الترجمة كانت نفسه مطمئنة إلى الإيمان بخلق الله للعالم على أية كيفية، وكانت حرارة هذا الإيمان تعمر قلبه فانتج وساد، وبينما كان لا ميزة لأحد على غيره في تصور تأثير الله في العالم، ولا مختصاً بسر من أسرار هذا التصور.
تبعاً لذلك الشعار أصبحنا نرى الملائكة تحدد بأنها (جواهر بسيطة، عقلية، علامة، فعالة، وبأنها صور مجردة عن الهيولي مستعملة للأجسام، مدبرة لها، ومنها أفعالها(4). كما وجدنا هذا التحديد يتخذ أساساً من أسس الإيمان (والثاني من الأمور التي يضعها واضع الشريعة - في نظر إخوان الصفا - ثم يبني عليها سائر ما يعمل أن يرى ويتصور موجودات عقلية، مجردة من الهيولي، كل واحد منها قائم بنفسه، متوجه نحو ما نصب له من أمره وهم ملائكة الله تعالى وخالص عباده(5) .)
فما معنى الجوهر؟ وما معنى بساطته؟ وما معنى كونه علامة؟ وما معنى كونه فعالاً؟ وما معنى الصورة؟ وما معنى تجريدها عن الهيولي؟ وعلى أي كيفية يكون تدبيرها الأشياء؟ لاشك أنها معان لا تفهمها إلا قلة من الخواص فضلا عن أن تفهمها عامة المسلمين. ومع هذا طولبوا بالإيمان بها في نظر فريق من علماء المسلمين في نظر إخوان الصفاء.
تبعا لذلك الشعار رأينا الشريعة الإلهية تحدد (بأنها جبلة روحانية، تبدو من نفس جزئية في جسد بشري، بقوة عقلية، تفيض عليها من النفس الكلية، بإذن الله تعالى، في دور من الأدوار لتجذب النفوس الجزئية، وتخلصها من أجساد بشرية متفرقة ليفصل بينها يوم القيامة (6) )
لماذا وجدت النفس الكلية؟ ولماذا كانت المصدر المباشر للفيض، أو كانت القوة التي تتولى نقل الأثر - وهو الإيجاد -
من الله إلى هذا العالم؟ وما معنى جذب النفوس الجزئية إليها؟ لاشك أنه لا سبيل إلى فهم ذلك إلا لمن اطلع على فكرة النفس الكلية في الأفلاطونية وفي الرواقية وفي الأفلاطونية الحديثة؟ وعلى فكرة جذب (الصورة المحضة - للهيولي) في رأي أرسطو. تبعاً لذلك الشعار، رأينا الجنة تفسر بأنها عالم الأفلاك والعقول المجردة، والنار تفسر بأنها عالم ما تحت فلك القمر، وهو العالم الأرضي عالم الكون والفساد. ورأينا الشهداء الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً) تعلل تسميتهم بالشهداء لمشاهدتهم تلك الأمور الروحانية المفارقة للهيولي.
هذا مثال من صنيع العلماء المسلمين بالعقيدة الإسلامية بعد دخول الفلسفة الإغريقية، وبعد رغبتهم في شرحها بالفلسفة، وفي تفلسفها.
والعلماء الحديثون المفلسفون ينهجون نهجهم في تفلسف العقيدة، ولكن فقط يستمدون شرحهم الفلسفي من نظريات العلم التجريبي التي تطبع العصر الحاضر بطابعها الخاص! وقد يستمدونها أيضاً مما بقي لدى أصحاب العلم والحضارة اليوم، وهم الأوربيون، من الآراء الميتافيزيكية والأقوال الروحية، واثر صنيعهم في العقيدة لا يقل عن أثر ذلكم من قبل.
فنرى بعضهم يحاول تحديد الروح، وهي التي اختص بها علم الله (ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) بما يسميه أدلة حسية (تجريبية طبقاً لطابع العصر العلمي) فيقول: (إن الروح وإن كانت أمراً إلهياً لا يدرك لها كنه، إلا أن لها جسدا أتيزياً على صورة صاحبها، غاية في اللطافة، لا يتعريه البلى ولا التحلل، في قدرتها أن تستبدل مادة من الخارج وإن تظهر بصورة صاحبه في أحوال خاصة، ويكون صاحبها إذ ذاك واقعاً في غيبوبة(7) )
ونرى تعليقاً من أحد هؤلاء المعاصرين على رأي (لأحد أقطاب الفلاسفة العصريين) يذكره على هذا النحو: (هذه محاولة فلسفية تعتبر أبدع ما أنتجت الفلسفة العالية إلى تأييد الكتاب المجيد. أليس كل ما في هذا البحث الجليل - وهو
(راشد! من راشد هذا؟). وكان يشعر شعوراً باطنياً بأنه لا يسمع هذا الاسم لأول مرة، وكأنما سبق أن آذى مشاعره. واسند جبينه إلى كفه وأغمض عينيه، وكأن صاحب هذا الاسم يعيش في الظلام، فقد رآه وعرفه، وأحس لذلك رجفة تسري في مفاصله. . . راشد أمين أو أمين راشد - لا يذكر - شاب نافسه في طلب يدها على عهد خطبته لها، ولولا أن والدها فضله هو واختاره لكان قد تزوج منها. وقد تذكر أنه رآه مرة وإن كان لا يحفظ من صورته أي أثر؛ ورفع رأسه مرة أُخرى ونظر إليها بعينين مرتابتين لا تصدقان؛ ورغب رغبة حارة في أن يستزيدها ويستوضحها، ولكنه لم يدر كيف يحثها على الكلام، ورأى شفتيها تتحركان في ضعف؛ فدنا من حافة سريرها وأرهف السمع وكتم أنفاسه وهو يعاني جزعاً مجنوناً فسمع صوتها يقول فيما يشبه الأنين: (من يقول هذا. . . أف. . . والخيانة. . . راشد. . . صابر. . . الخيانة شيء قذر. . .) فشبك كفيه وشدهما على صدره بحالة عصبية كأنما يضرع إلى شيء مجهول أن يمنع كارثة على وشك الوقوع، وذهل بصره من طول الجمود على وجهها، فغاب عنه ما حوله، وكبر الوجه في وهمه حتى ملأ الفراغ الذي أمامه فثقل عليه وسمج، ودوى صدى صوتها في أذنيه، فصار كطنين لا ينقطع، وثقل تنفسه ويبس حلقه. . . ما هذا الذي تتكلم عنه؟! ما هذه الخيانة التي أطلق الهذيان عقدة كتمانها فانطلقت خبيئة منكرة أنكى من الحمى؟! هل يكذب الهذيان؟ كيف يكذب الهذيان؟! ولكن كيف يصدق أذنيه وما بذل زوج لزوجة عشر ما بذل من الرقة والمودة، وما بذلت زوجة لزوجها عشر ما كانت تبذله له من الصفاء والإخلاص؟ فكيف انطوى هذا على أقذر ما تبتلي به الضمائر والنفوس؟ رباه. . . أنها تقول أن الخيانة شيء قذر، وإنها لكذلك، ولكن لا يفزع في هذيانه من قذارتها إلا من انغمس في بؤرتها. رباه. . . لقد ظن أن ما ابتلى به من مرض زوجة أقسى ما ابتلى به إنسان، فإذا به بلاء هين عابر، لا يقاس بما هتك الهذيان أستاره، وأحس اليأس يحبس أنفاسه، وكان صابر دمث الأخلاق، لين الجانب رقيق الحاشية، لا يدفعه الغضب إلى الانفعال الشديد والعدوان ولكنه يشل حركته، ويعطف اندفاع أعصابه إلى صميم نفسه، فيجعله كسيارة يدفعها محركها، وتقيد الفرملة عجلاتها، ولكنه بالرغم من هذا، تحولت رأسه بحركة عصبية إلى سرير الطفلة،
وبرح فراشه في سكون، ودنا منه وأزاح ستاره، وألقى نظرة غريبة على الوجه الصغير المدمج القسمات وأدام إليه النظر والشك والألم يأكلان قلبه بقسوة، ثم تحول عنه إلى وجه زوجه كأنه يسألها ويستوضحها، ودنا من فراشها كالسائر في نومه حتى التصق به وكانت مغمضة العينين بادية الاصفرار والخور، تقلب رأسها ذات اليمين وذات الشمال، فألقى عليها نظرة جامدة، جرى فيها بريق القسوة جريان البرق في السحاب الداكن، وكان قبل لحظات إذا وقف موقفه هذا اضطرب جسمه من الحنان والرحمة، ودمعت عيناه، ولكن قلبه تحجر هذه المرة فمال عليها حتى نسمت عليها أنفاسه وسألها:(نعيمة. . . نعيمة. . . ماذا فعل راشد؟) فلم تنتبه إليه ولم تصح، فرفع صوته وناداها وهو لا يدري:(نعيمة)فبلغ صوته مسمعي أمها في الحجرة القريبة. وقامت المرأة من فراشها مضطربة وهي تظن الظنون وهرعت إليه متسائلة: مالها. . . هل أعطيتها الدواء؟ ولم يكن أعطاها شيئاً، وكان يريد استبقاء حالة الهذيان التي تعانيها ليستنطقها ما يريد فكذب عليها قائلاً في استهانة وقسوة:(نعم وهي بخير والحمد لله) وعاد إلى فراشه وأسند رأسه المثخن بالجراح إلى الوسادة ليتخلص منها، ولبثت حماته قليلاً. وفي أثناء ذلك أخلدت المريضة إلى الهدوء والسكينة كأنما راحت في نوم عميق فبرحت المرأة الغرفة وكان يتشوق إلى إيقاظها ولكنه خشى التي في الخارج، فمضى بقية الليل مفتوح العينين محموم الرأس بالأخيلة الشيطانية وعيناه زائغتان ما بين فراش المريضة ومهد الطفلة.
وحين سفور الصباح عاودت اليقظة المريضة وبدا عليها أنها لا تحس شيئاً حتى اهتدت عيناها إليه فبدت فيها حياة ضعيفة وقالت بصوت غدا من وهنه كالصفير (ما الذي أيقظك؟ لماذا ترهق نفسك هكذا؟) فرد عليها بنظرة جامدة وكانت تبدو ذاك الصباح أشد هزالاً وشحوباً، ولاحت في عينيها نظرة الوداع المخيفة، وكان يشغل باله شيء واحد أسهده الليل ولم يجهل أن إثارته خطر يهدد بالقضاء عليها، ولكنه لم يحس سواه ولم يبال غيره، وكان يشعر نحوها ساعته بحنق وكراهية ورغبة في الانتقام فقال بلهجة جافة: (تكلمت الليلة الماضية كثيراً، فشرقت وغربت، وأجرى الهذيان على لسانك كلاماً يحتاج إلى إيضاح) فلم تفهم شيئاً ونظرت إليه بعينين لا تعبران عن شيء سوى الذهول المطلق، وأراد أن يسترسل ولكن منعه عن
الاسترسال صراخ الطفلة فجأة، فما لبثت أن هرعت إلى الحجرة حماته والمرضعة فنكص على عقبيه مغضباً وهو يقول لنفسه: (الطفلة الملعونة تداري فضيحة أمها وأبيها!) . وغادر البيت يهيم على وجهه ومضى يحدث نفسه: (كان ينبغي أن أعلم كل شيء وقد أتيحت لي فرص، لماذا أفر من صراخ الطفلة؟ أو من ظهور جدتها؟ الحقيقة أني ضعيف. . . ضعيف. . . دائماً يندى قلبي بالحنان وبالعطف، فما كان أجدر بي أن أكون ممرضة. . . أما رجلاً فلا. . . لست رجلاً ولست زوجاَ. . . فأمثالي نساء كاملات، أو رجال مغفلون. . . ومع هذا هل أنا في حاجة إلى دليل جديد؟ دمرت حياتي وانتهى كل شيء)
وقضى النهار ضالاً لا يقر، يترد الألم في صدره مع أنفاسه، وعاد مع الأصيل إلى البيت فوجدها أسوأ حالاً وأشد هزلاً. وأقبلت عليه حماته تسأله أين كان، وتقص عليه ما قال الطبيب، فلم ينفذ شيء من قولها إلى صدره وعاف الرد عليها بتاتاً، بل لذ له أن تقول أن الحالة سيئة، فلتتألم كما يتألم، ولكن كيف يفهمها أنه يعلم كل شيء؟ كيف يحادثها في هذا الموضوع الخطير وأمها لا ترضى بمفارقتها في مثل تلك الحال الخطيرة؟. . . واشتد به الحنق، فاعتزم أن يمنع عنها الدواء ليعاودها الهذيان سريعاً فيسمع منه ما امتنع منه سماعه في اليقظة؟ وملأ الفنجان ماء خالصاً ووضعه على فم المريضة فازدرته بامتعاض. . . وعاد إلى فراشه يرقب الفرصة، ولكن زوجه لم تنم في تلك الليلة ولم تهذ واشتد عليها الألم الموجع فباتت تئن وتشكو وتضطرب. واستدعى الطبيب عند منتصف الليل فعاينها ولكنه لم ينصح بشيء، وهمس في أذنه بأن الحالة جد خطيرة. . . وبعد هذا التصريح بنصف ساعة احتضرت المريضة وفاضت روحها.
وخلا إلى نفسه، وكان الذهول مطبقاً على حواسه جميعاً؛ لأن الموت والخيانة الزوجية انتظما تجاربه الشخصية معاً في ساعة واحدة دون عهد سابق بهما. وماتت نعيمة ولم يحزن لموتها، ولكن حادثة الموت أذهلت نفسه الرقيقة المرهفة؛ على أن الحقيقة لم تغب عنه فقال: (لم تمت كما يظنون. . . أنا قتلتها. . . قتلتها لأني منعت عنها الدواء ليلتين متواليتين هما أشد ليالي المرض. . . فأنا قتلتها. . .) وجعل يردد (أنا قتلتها) . فكان يشعر لها بوقع غريب في نفسه يمتزج فيه الخوف بالارتياح
ثم قال مرة أُخرى:(وقتلتني هي حياً، وألصقت أسمي قسراً بطفلة إنسان سواي. . . ولكني قاتل فلست إذن مغفلاً) . وأسند رأسه إلى يده وراح في تأمل طويل وقد سرت في جسده قشعريرة البرد والخوف.
كيف انقضت الأيام التي أعقبت الوفاة؟. . . انقضت في ألم وقلق ومخاوف لا يمكن أن تتمثل لعقل إنسان، ثم أعلن عن رغبته فجأة في السفر إلى لبنان انتجاعاً للصحة والراحة، وكان في الحق يفر من أفكاره وطفلته. ومضى إلى الإسكندرية واستقل السفينة، والظاهر أن نفسه الرقيقة تعرضت في البحر لأزمة عنيفة هدت كيانها وأتلفت أعصابه، فاستشعر اليأس من الدنيا جميعاً وألقى بنفسه في ليم خلاصاً من عذابه وآلامه، محتفظاً بأسراره لقلبه ولبطون الأسماك. . .
وكان يترحم عليه المترحمون فيقولون: (ما رأينا إنساناً يحب زوجه كالمرحوم صابر، فلا هو صبر على فقدانها ولا احتمل الدنيا بعدها فقضى على نفسه بعد موتها بأيام. . . رحمهما الله!)

