هما نظارتان ، على جانب من البساطة والتواضع ، أراد التاريخ ان يكون لهما في صحائف مجده قصتان رائعتان ، يتشابه نسجاهما ويختلف بينهما المصير .
والأشياء كالناس والأحياء ، منها الشقي ومنها السعيد وفيها الذي يبلى فلا يؤسف عليه ، وفيها ما يعز ويخلد ويصان في الأحقاق أو في المتاحف .
وأولى هاتين النظارتين كانت المجاهد الشهيد " عمر المختار "، شيخ " برقة " وقائد شباب طرابلس إلى ميادين الشرف والثورة في وجه الظلم الإيطالي . وثانيتهما نظارة الأمير المراكشي " عبد الكريم "، فارس الريف ، وحامل راية الحق على باطل المستعمرين لبلاده .
عانقت الأولى أنف عمر المختار ، وظلت بين عينيه زهاء تسعة أعوام شداد تخدمه فتبين له مواقع العدو في الأفق البعيد ، وتشف عما وراءها من كر الفرسان وفرهم وإدبارهم وإقبالهم ، واصطراعهم تحت المجاجة وبين النيران سواء على ساحل البحر في " بنغازي "وبنُين " أم في جوف الصحراء اليابسة المطني بين " جغبوب " والواحات ، أم على شعاف الجبل الأخضر ، وفي وديانه وعلى وهداته .
وكان عمر كثير الاعتناء بنظارته ، شديد الحرص
عليها ، فإذا صلى كانت أمامه في مصلاه ، وإذا نام استقرت بجانبه . فهي نظارته ، ولكنها عينه ودليله وحارسه ، وبدونها يقصر مدى بصره ، وتختفي أمامه معالم الطريق ، وتغيب عنه صور الأشياء .
وفي أوائل سبتمبر من عام ١٩٣٢ ، التفى الثوار العرب الطرابلسيون بالقوى الإيطالية المسلحة ، فدارت ، على سفح الحبل الأشم ، رحي حرب ضروس يطير لها قلب الجريء . وبينما الموت مائل يعبث بالأرواح، وعمر المختار ، على ضامره ، بقود الخيل من نصر إلى نصر ، إذ جرح جواده ، فكبا في حومة ميدانه ، وطارت النظارة عن أنف صاحبها ، فترجل وهو يكاد لا يبصر ، والتف عليه فرسان العدو من كل جانب ، فجرحوه وأسروه وأوثقوه .
أما النظارة ، فكان نصيبها ، وقد سلمت نصيب صاحبها تخطفها الطليان وتقربوا بها إلى قائدهم الجنرال " جراسياني " حاكم برقة وفائد الحملة ضد المجاهدين .
حدثني طرابلسي كريم ، قال : في مساء ١٥ سبتمبر من عام ١٩٣٢ ، جيء بعمر المختار إلي مكتب " جراسياني " فدخل عليه وهو يرسف بالقيود ، وعلى جسمه الناحل رداء أبيض ، وقد توج الشبب رأسه وكسته الشيخوخة روعتها وجلالها ، فدار بينهما الحوار التالي :
- أتعرف هذه النظارة ؟
- أعرفها . هي نظارتي . وقد صحبتني ، وأنا أقاتلك في مائتين و ثمانين معركة . فلما سقطت مني في الميدان عشيت عيناي ، واضطربت امامي رؤى الأشياء ، فرابني بصري وانا شيخ كبير ، وصرت إلي ما تري . . والامور لها مصاير .
قال " جراسياني " المتجبر ، وهو ينظر إلى ناحية المشنقة التي نصبها الطليان قبل محاكمة الأسير : سوف لا تحتاج إليها بعد اليوم .
- قال عمر : لكم أن تفعلوا ما تشاءون . والله على كل شئ شهيد .
ثم كانت فترة ، أعرب فيها الصمت عن أروع ما يمكن أن يأتي به بيان خطيب . ثم اختفت النظارة في جيب الطاغية الإيطالي ، وعاد عمر إلى حيث ينتظر القضاء . وبعد ليلة موحشة غرقت نجومها في لجة من الحزن ، وتأخر صبحها على سكان برقة العربية ، صعدت روح أبى الأبطال إلي بارئها . وطوى الكتاب .
وشاء القدر أن يجعل لنظارة الأمير عبد الكريم مصيراً غير هذا المصير ، ونهاية يسر لها العرب قاطبة بقدر ما حزنوا على أختها الطرابلسية . فكان تاريخ حياتها أقرب إلى نسج الخيال منها إلى الحقيقة ، لولا قرب العهد ، ووجود الأثر .
شهدت هذه النظارة ، مع الأمير ، موقعة " أنوال " في غسق ليل اليوم الحادي والعشرين من شهر يوليو سنة ١٩٢١ ، فرأت كيف انتصر مائة وخمسة وعشرون جنديا عربيا على جيش من عشرين ألف أسباني ، بين بلدتي "اغريقن " و " امزورو " على سفوح الريف . وحضرت معارك " واولو " وملاحم " شون " ، واندحار كتائب
القائد " دى فاليرا " خصم الأمير الآلد ، وانتحار " سلفستري " الجبار بعد هزائم قواته المتكررة .
وكاد الظفر يبسم عن إنقاذ بلاد الريف كلها من مخالب الآسبان لولا تدخل فرنسا لمساعدة أختها " اللاتينية " ، فقوى الظلم المبين على الحق الصراح ، وفتحت جبهة ثانية على العرب ، وأصبحوا بين نارين ، صليها المجاهدون خمسة أعوام طوال ، بين النصر والصبر ، حتى نفذ زادهم وعتادهم وألقوا السلاح ، على أن يحتفظ الخصم لهم بحريتهم وبشروط اشترطوها عليه .
غير أن قائد الجيوش الفرنسية ، " المرشال بيتان " كذب ما عاهد عليه ، ولم يف بوعده للأمير ، وخانت حكومة باريس شروط التسليم ، فألقت اسيرها وراء البحار في جزيرة " رينيون " النائية .
وكتب لهذه النظارة أن تعيش مع صاحبها في منفاه البعيد ، عشرين عاماً تحت أعين الحرس وفي قيود الأسر .
ولما طال ليل المنفى علي السجين ، واختنقت فرنسا في لجة السياسة الاستعمارية ، قام الفرنسيون بمحاولة للأستفادة من أسيرهم ، وعزموا على نقله إلي بلادهم ، علهم يخدعون الشعب المراكشي فيرضى عنهم كلما لوحوا له بهذا الزعيم ، وعسى أن يرضى عبد الكريم فيكون لهم سلاحاً يهددون به من يوجسون منه خيفة على نفوذهم في المغرب الأقصي .
فلما كان شهر مايو من عام ١٩٤٧ ، حدا بالأمير أمل جديد إلي حياة أرق هواء من النفي ، وأجمل ثوبا من الأسر ، وأبقى علي المجد ، وأحفظ للذكر .
وهناك علي إفريز " كاثوديا " الماخرة في باب البحر الاحمر وعند مبتدأ قنال السويس ، رقصت النظارة على أنف الأمير ، وتشوقت إلي أرض مصر العربية ، وتشوقت إلي الاعتصام بهذا العقل المنيع ، عند عرب من أبناء عمها ، كرام النجار ، حماة الضيف . ولم تزل تخفق بين البأس
والرجاء حتى كان ما كان من أمر صاحبها في " بورسعيد " والتجائه إلي حمى الفاروق .
فألقت عصاها واستقرت بها النوى
كما قر عيناً بالإياب المسافر
وفي صباح يوم جميل من شهر يوليو المنصرم ، وقف عبد الكريم المتعب المستجم في مستشفى الإسكندرية ، يطل من نافذته على زرقة البحر الخالد ، والموج بين كر وفر على مسرح الشاطئ الرملي يمثل دور الفرسان على سفوح الريف وجبال الأطلس . وفي تلك الساعة الحالمة والذكريات رائحة غادية ، فاجأ جلالة ملك مصر الشاب ضيفه العزيز يزورة على غير ميعاد ، فكان لقاء تجلى فيه لطف العربي الكريم .
ومن خلال الجمل القصيرة ، والابتسامات الخفيفة ، امتد نظر العاهل إلى نظارة الأمير العتيقة ، وقد أزري بها الدهر ، فدار بينهما حديث روى عبد الكريم بعضه بلسانه كما يلى :
- أهذه نظارتك ؟ - نعم يا صاحب الجلالة . - وهي الوحيدة عندك ؟ - أجل ، وأطال الله عمر سيدنا . - أراها قديمة ، وربما أصبحت غير صالحة لخدمتك ،
وسأوصي من يصنع نظاراتي الخاصة أن يصنع لك غيرها ويعتني بذلك .
فكان لهذه الالتفاتة السامية أثر جميل تغلغل في نفس عبد الكريم حتى أدمع عينيه ، وأثر حاسم في تاريخ النظارة نفسها . فعما قريب تنطوي صحيفتها الرائعة ، ويسكن الدهر بعد اضطراب . ومن يدري ! فقد يكون لها غدا مكان مرموق في بيت كريم عتيق ، أو في متحف عالي جليل ، حيث يزورها الناس ليقرأوا عنها سطراً من المجد ، فيذكروا
أختها التي اغتصبها الجور وغيبها الظلم ، ويترحموا على الشيخ الشهيد عمر المختار ، ويتلفتوا إلى البلد العربي الجريح " طرابلس الغرب " .
هما نظارتان ، لكل منهما قصة رائعة . وأروع من قصتيهما ذلك العدل السماوي الذي عجل بتنفيذ الحكم على الظالمين . فلقد عاش " جراسياني " حتى اليوم ، ورأى بعينيه انهيار دولته ، ومصرع سيده " موسوليني" ، وشرب كأس الألم حتى الثمالة ، ففقد صوابه وأختل عقله . وعاش " المارشال بيتان " حتى اليوم فشهد بعينيه مصرع دولته وبؤس شعبه ، وشرب كأس الألم حتى الثمالة أيضا ، وحكم عليه قومه بالإعدام ، وهو اليوم ينتظر أجله بين جدران سجن ضيق ، في جزيرة نائية ، وإن لم تكن جزيرة " رينيون " .
آمنت بالله . كم للظلم من مرتع وخيم ! وكم في التاريخ من عظات ! وكم تحت السماء من أفراح وآلام !

