اننا نعنى بنظام التعليم : ان يكون التعليم موحد الخطة معين الاهداف متكاملا متماسكا ككل من اولى مراحله فى روضة الاطفال حتى آخر مراحله فى الجامعات . ثم يكون مضبوطا ومحددا على اساس حقوق الفرد واستعداده وقدراته ، ثم حاجات الامة التى هو عضو فيها .
فهل عندنا نظام للتعليم بهذا التعريف ؟ الحق ينبغى الا نظلم انفسنا ، فلسنا نحن فقط الفاقدين " لنظام تعليمي موحد الخطة معين الاهداف متكامل متماسك يراعي حقوق الفرد واستعداده وقدراته ثم حاجات الامة التى هو عضو فيها .
فان بلادا كثيرة اخرى لا تملك هذا النوع من نظم التعليم ، كما ان انواع التعليم المختلفة - وهى التى تكون فى مجموعها ما نسميه نظاما تعليميا - قد نشأ وتطورت وبعضها يكاد يستقل تمام الاستقلال عن الاخر ، سواء اكان هذا الاستقلال فى الغاية او فى الخطة او فى الهيئات المشرفة على كل لون على حدة ، ولعل من الاسباب التى ساعدت على هذه الانفصالية فى فنون التعليم المختلفة انه كانت تنشأ في بعض الاحيان حاجة الى لون معين من التعليم لتحقيق هدف خاص فيقوم هذا اللون لسد تلك الحاجة ، ثم تنشأ حاجة جديدة ، وهكذا دواليك ، ثم تسمى كل هذه المتفرقات الاشتات نظاما .
ولكن ليس هذا بعزاء لنا فالاصلاحات التربوية والنهضات التعليمية قائمة على قدم وساق فى مختلف بلاد الدنيا ، وعلينا الا نتخلف عن الركب فى هذا المضمار والا بقينا نتخبط فى دوامه اضطراب المناهج وفوضى البرامج وارتجال الخطط وتفكك المراحل ، وبالتالي فى فوضى التعليم التى ما قبلها وما بعدها فوضى .
فمن المؤكد بل من الضرورى ان نوجد لانفسنا - وفى اقرب وقت ممكن - نظاما تعليميا ذا خطة متكاملة موحدة منسقة ترتبط بها المنابع التعليمية مهما اختلفت
وظائفها ، كما ترتبط اجهزة الجسم جميعا فى عملية موحدة هى حياة الانسان . بحيث يكون هناك تخطيط عام شامل وهدف واحد معين يشتمل على كل فروع التعليم ويؤلف بينها فى وحدة ملتئمة ، وخطة منسقة تحقق الهدف المشترك للجهاز التعليمي ككل ، وتحقق بذلك الاهداف القومية للمجتمع .
ونحن اذا نظرنا وأمعنا النظر فى التركة المثقلة التى خلفها لنا الاستعمار فى نظمنا التعليمية والتي كان يهدف من ورائها الى القضاء على قوميتنا او اضعافها بقدر الامكان يأخذنا الاشفاق الشديد على الجيل الجديد والاجيال المقبلة ، ويقوى شعورنا بالمسؤولية العظيمة ازاء ابنائنا وبناتنا : ازاء ابناء وبنات هذا الوطن العربى المفدى ...
لقد كانت النظم التعليمية المفككة والمتفاوتة فيما بينها من حيث الاهداف والطرق والبرامج والادارة ، تعين على تشييد نظام الطبقات الاجتماعية الاجتماعية الذي ظل يسود مجتمعنا عشرات السنين حتى آن لهذه الحواجز ان تتحظم بفضل رجوع مقاليد الامور الى الشعب وبالعزم على إعادة النظر من جديد فى نظمنا التعليمية على اساس قومي تراعي فيه الوحدات الشاملة المتكاملة .
وختاما اذا كنا مخلصين لانفسنا واردنا ان نساير ركب التقدم فى جميع الميادين وخاصة فى ميدان التربية والتعليم واذا اردنا ان يكون لنا نظام قومى حقيقى للتعليم ينبغى الا نجعل التعليم لطائفة محظوظة ممن ترغب فيه وتقدر على تكاليفه او لاولئك الذين يحتاجون اليه لاغراض مهنية ، فنعزز بذلك نظام الطبقات البغيظ !! . فالدنيا قد تطورت ومركز الثقل قد انتقل من الافراد القلائل المدللين المحظوظين الى جماهير الشعب ؟ والمبدأ الديموقراطى آخذ يتغلل فى نفوس القوم فبعد ان كان يتخذ اسلوبا للحكم فحسب اصبح نظاما اجتماعيا يحترم الفرد كغاية لذاته ويشركه فى تحمل التبعات الفردية والاجتماعية ويمنحه فرصا متكافئة ، حتى اصبح من المآلوف فى كل بلد ان نسمع أوان نقرأ مفاهيم جديدة مثل " تعليم عام للجميع " و " ديمقراطية التعليم " و " تكافؤ الفرص التعليمية " كما بدأنا نتحقق ان التربية عملية لا تنتهى بابتهاء فترة التعليم المحددة وانما هى عملية تستمر ما دامت الحياة .
ولقد كانت هذه الاتجاهات الجديدة فى نظم التعليم وليدة عوامل كثيرة سياسية واجتماعية واقتصادية ونفسية ، فعصرنا الحاضر يختلف فى كل مقوماته
عن العصور الماضية ، فنظرتنا الاجتماعية اليوم غيرها بالامس ، والثورة الصناعية قد امتدت حتى شملت العالم كله ، وبلغت حدا من التخصص يجعل من المستحيل على الفرد ان يسير في موكبها من غير اعداد خاص ، ونظم الحياة قد تغيرت حتى لتضيع فرص كثيرة على المواطن الذى لا يقرأ ولا يكتب فى المجتمع الحديث ، بل لقد تعقدت شؤون هذا المجتمع حتى أصبح مجرد محو الامية غير ذى غناء ، ثم كان تطور المبدأ الديمقراطى - على النحو الذى أشرنا اليه - أساسا طفر بالنظم التعليمية طفرة واسعة ، فقد تحقق انصار هذا المبدأ انه اذا أريد له ان ينجح سواء باعتباره نظاما للحكم او باعتباره اسلوبا للحياة ، فان التعليم ينبغي ان يتاح لكل مواطن ، وان التعليم الاولى لا يكفى وحده لاعداد الفرد للمشاركة فى الحكم او فى الحياة الاجتماعية او الاقتصادية ، وان الفوارق التعليمية التى كانت خاضعة للامتيارات الطبقية ينبغى ان تزول ، وان المواهب الفردية التى كانت معطلة بحرمانها من الفرص التعليمية ينبغى ان نجد لها متنفسا حتى تنمو الى اقصى حدودها الممكنة وان الفوارق الفردية التى اكدها علم النفس الحديث ينبغى ان تعنى بتوفير الوان مختلفة متنوعة من التعليم لتتاح لكل فرصته طبقا لاستعداده ، وبحيث لا يؤثر هذا التنويع في زعزعة الاهداف القومية العامة ، أو يؤدي الى خلق نظام الطبقات في مراحل التعليم من جديد ، وان وظيفة المدرسة ينبغى الا تقف عند اتاحة الفرص التعليمية للجميع بل ان تشمل كذلك الخدمات الاجتماعية والطبية والنفسية ، والا تقتصر على التوجيه التربوى بل تتعداه الى التوجيه المهنى كذلك (١) .
بهذا وبهذا فقط نستطيع ان نساير تطور النظم التعليمية طبقا لحاجات المجتمع الحديث مؤمنين بان كل نظام قومى للتعليم ينبغى ان يكون اولا باللغة القومية ثم يكون موحدا فى طبيعته ، وان يتيح فرصا متكافئة للجميع طبقا للقدرات والاستعدادات ، وان يكون من المرونة والتنوع بحيث يوائم الفروق الفردية لا بين الوان التعليم المختلفة فحسب بل فى المدرسة الواحدة كذلك ، وان تتكامل مراحله والوانه فى خطة منسقة يفضى بعضها الى بعض وتحقق هدفا واحدا ، وان تتكيف برامجه ووسائله بما يتفق مع تحقيق الاهداف القومية
القائمة على ثقافة الامة وتقاليدها ، وانه اذا صح ان التربية هى الحياة - كما يعتقد المربى جون ديوى - ينبغى ان ينظم التعليم بحيث يمهد لاستمرار التربية طوال الحياة .
صلة التعلم بالقومية :
اما من حيث صلة التعليم بالقومية او بتعبير آخر تأثر التربية والمدرسة بالقومية فهو واضح اذا بنينا مفهومنا للقومية على اساس من ثقافة الامة ، تلك الثقافة التى هى نتاج عوامل : لغوية وتاريخية ودينية وجغرافية ونظم اجتماعية وخصائص جنسية ونظريات سياسية وتيارات اقتصادية الخ ... فاذا كانت قومية المجتمع مبنية على هذه المقومات والخصائص ، فبدهى ان التربية في هذا المجتمع ستجنح الى تدعيمها وحفظها كتراث مجيد وتنميتها ، ومن ثم تستهدف التربية تنمية التشابه العقلى Likemindedness بين افراد المجتمع فى سبيل الولاء لهذه الثقافة ، وبذلك يصبح تدريبهم لتحقيق هذا التشابه العقلى جزءا اساسيا من البرنامج التربوي ، وتغدو الثقافة قوة توجه الجماعة الى تحقيق الغايات القومية عن طريق التعبير التلقائى للافراد عن ذواتهم ، والتفاعل بينهم وبين بيئتهم .

