الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 146الرجوع إلى "الرسالة"

نظام الطلاق في الإسلام، تأليف الأستاذ الشيخ محمد شاكر

Share

رأت وزارة الحقانية في هذه الأيام أن تسير في إصلاح أحكام  الأصول الشخصية، فنشرت على رجال القضاء الشرعي وغيرهم  كتابا في ١٣ نوفمبر سنة ١٩٣٥م تدعو من شاء منهم أن يقترح  ما يراه من أحكام المذاهب الأخرى سبباً للتخفيف عن الناس،  ورفع الحرج عنهم

فكان الأستاذ الجليل، والعالم المجتهد، الشيخ أحمد محمد شاكر  القاضي الشرعي، وأبو الأشبال أيضاً، حفظه الله لهم وحفظهم  له، أول من بادر إلى إجابة هذه الدعوة، ولا غرو فالولد سر  أبيه، ونشاطه من نشاطه، وإذا كان في الأزهر والمعاهد الدينية  الآن شيء من النشاط، فهي مدينة فيه الوالد الأستاذ أبي الأشبال  الأستاذ الكبير الشيخ محمد شاكر شيخ معهد الإسكندرية  ووكيل الجامع الأزهر، والعضو الآن في هيئة كبار العلماء،  فهو منشئ النظام الحاضر بالمعاهد، وهو باعث هذا النشاط  الموجود الآن فيها

وإذا قلت عن الأستاذ أبي الأشبال   (العالم المجتهد)  فذلك  هو ما يستحقه بطريقته في تأليف هذا الكتاب، إذ سار فيه  على طريق السلف الصالح من الرجوع في استنباط الأحكام إلى  كتاب الله تعالى وسنة رسول صلى الله عليه وسلم، ولا يعول  في ذلك على أقوال أئمة المذاهب كما يعول عليها غيره، ولا يتعداها  إلى النظر الصائب الخالي عن التعصب في كتاب أو سنة

وهو مرة يأخذ بأحد أقوال الأئمة الأربعة إذا وجده متفقاً  مع كتاب الله وسنة رسوله، ومرة يأخذ بقول الشيعة أو غيرهم  إذا كان متفقاً عنده مع ذلك، كما ذهب إلى الأخذ بقول الشيعة  في وجوب الإشهاد على الطلاق لقوله تعالى:   (فإذا بلغن أجلهن  فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف واشهدوا ذوي عدل  منكم واقيموا الشهادة لله ) فالظاهر من سياق الآية أن قوله

(وأشهدوا) راجع إلى الطلاق وإلى الرجعة معاً، وهو قول ابن  عباس، فقد روي عنه الطبري فى التفسير: إن أراد مراجعتها  قبل أن تنقضي عدتها أشهد رجلين كما قال الله   (وأشهدوا ذوي  عدل منكم)  عند الطلاق وعند المراجعة، وهو قول عطاء أيضاً:  فقد روى عبد الرزاق وعبد بن حُمَيد قال: النكاح بالشهود والطلاق  بالشهود، والمراجعة بالشهود، نقله السيوطي في الدر المنثور

وقد اختار الأستاذ أبو الأشبال بطلان الرجعة إذا قصد بها  الرجل المضارة، لقوله تعالى:   (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن  أرادوا إصلاحا)  وقوله   (لا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا)  وإذا كان  للمرأة أن تطلب الطلاق للمضارة، فأولى أن يكون لها الحق في  طلب الحكم بإبطال الرجعة للمضارة أيضاً

ولكنه كما ترى ترك ذلك لنظر المحاكم، ولا يخفى أن هذا يجر  إلى منازعات لا طائل تحتها، والأولى من هذا أن تكون الرجعة  برضا المرأة، لأنها إذا لم تكن برضاها فالمضارة حاصلة قطعاً، وإذا  كانت تستأمر في النكاح، فلتستأمر في الرجعة أيضاً

ومما ذهب إليه الأستاذ أبو الأشبال أن الطلاق الثلاث الذي  اختلف في أنه يقع ثلاثاً أو طلقة واحدة إنما هو أن يطلق الرجل  امرأته مرة، ثم يطلقها مرة ثانية في عدتها، ثم يطلقها مرة ثالثة  فيها، سواء أكان ذلك في مجلس واحد أم في مجالس متعددة،  أما الطلاق بلفظ الثلاث فليس هو محل ذلك الخلاف، وإنما يقع  واحدة قطعاً، لأن قول القائل     (أنت طالق)   يوجد به حين  القول حقيقة معنوية واقعية هي الطلاق، ووصفه بعد ذلك هذا  الفعل بالعدد   (مرتين أو ثلاثاً)  وصف باطل غير صحيح، لأن الذي  تحقق بقوله     (أنت طالق)   مرة واحدة لا مرتين ولا ثلاث، ولا ي تحقق ذلك إلا بنطق ثان أو ثالث كسابقهما

وهذا مذهب له خطورته لولا أن العمل الآن على أن الطلاق  الثلاث بلفظ واحد يقع طلقة واحدة، فلندع ذلك الماضي إلى  رحمة الله، ولنفكر في حاضرنا وحده هذا وكتاب الأستاذ أبي الأشبال جدير بإقبال المسلمين عامة،  وطلاب العلوم الدينية خاصة، لينتفعوا بما فيه من فقه صحيح،  واجتهاد نافع، واطلاع واسع

اشترك في نشرتنا البريدية