لبى شاعر النيل المرحوم حافظ بك إبراهيم نداء ربه في ٢١ بوليو من عام ١٩٣٢ ، وقد مرت من ذلك التاريخ اثنتا عشرة سنة ، كنا نسال انفسنا خلالها : هل حقيقة مات شاعر النيل ، وهل غاب بلبله الصداح إلي الأبد ؟
أما أن حافظا قد انتقل إلي الدار الآخرة ، وغاب جسمه في التراب ، ولم نعد نراه كما كنا نراه من قبل ، ونجادله في شتى المواضيع فتؤخذ بسحر لفظه وبيانه ، ونستمتع بحلو حديثه وعذب انغامه ، فمما لا شك فيه ؛ أما حافظ الشاعر الذي يصور شعره مطامع امة ، ويعبر عن ادق ما يحسه الافراد ويختلج في صدورهم من عوامل الآلم والأمل ، فلم يمت . وهذا شعره حي في الصدور يتغني به الناس فيردد على ألسنتهم ذكراه .
رحل حافظ وخلف بعده ثروة من الشعر جعلته في طليعة الشعراء الذين ستحفظ مصر ذكراهم ، وتلقيها للأجبال جيلا بعد جيل ؛ ولكن أي مكانة كان يحتلها حافظ بين أولئك الشعراء ؟ ولأي من الأسباب كان حافظ شاعر النيل المحبب إلي ابنائه ، المقرب إلي قلوبهم ؟
كان حافظ ، كما يقول الأستاذ عباس العقاد ( ١ ) ، وسطا بين الشاعر كما كانوا يفهمونه في القرون الوسطى
وما بعدها ، وبين الشاعر كما كانوا يفهمونه في القرن العشرين ، فهو نديم يلقي جميع سامعيه ، ويعاشرهم في المجالس ، ويطيب خواطرهم بالملح والأحاديث ؛ تراه في الأندية السياسية بين الساسة والزعماء ، وتراه في حلقات الدرس بين رجال العلم والدين ، وتراه في مجامع اهل الآدب والفن وفي المقاهي العامة بين الأصدقاء والاحباب ، تراه في كل هذا بين مجادل ومسامر ومطارح للشعر ، ومتندر بحلو النكات وطريف القصص . . ورجل يخاطب قراء " من وراء المطبعة أو ستار التمثيل ، تقرأ له ولا نراه .
وكان حافظ وسطا بين شاعر الحرية القومية وشاعر الحرية الشخصية ، لم يهمل الناحية القومية ، تري ذلك واضحا في كلامه عن اللغة الفصحى ، وعن السفور والحجاب ، وعن مشروع الجامعة الذي يقول في الحث على تعضيده :
حياكم الله أحبوا العلم والأدبا إن تنشروا العلم ينشر فيكم العربا
ولا حياة لكم إلا بجامعة تكون أما لطلاب العلا وأبا
تبني الرجال وتبني كل شاهقة من المعالي وتبني العز والغلبا
ضعوا القلوب أساسا لا أقول لكم ضعوا النضار فإني أصغر الذهبا
وابنوا بأكبادكم سورا لها ودعوا قيل العدو فإني أعرف السببا (1)
ولم يهمل حافظ الناحية الشخصية ، تلمس ذلك في شكواه وهزله ، وفي مساجلاته ، وفيما يبدو في قصائده الاجتماعية من ميول نفسه وخلجات طبعه . يقول في وصف سعيه المتواصل وبؤسسه وإبائه ، وتمنيه الراحة من
ذلك بالموت :
سلام علي الدنيا سلام مودع رأي في ظلام القبر أنسا ومغنما
أضرت به الأولى فهام بأختها فإن ساءت الآخرى فويلاه منهما
فهي رياح الموت نكبا وأطفئي سراج حياتي قبل أن يتحطما
فما عصمتني من زماني فضائلي ولكن رأيت الموت للحر اعصما (1)
وكان حافظ من الشعراء الذين لم يستطيعوا الاستغناء بثقافتهم العربية عن غيرها من الثقافات . ولكنهم مع هذا لم يستطيعوا التبحر في تلك الثقافات ليقال إنهم من عارفي أسرارها وخفاياها ، أو من الذين تأثروا بها وطبعوا بطابعها . يقول الأستاذ أحمد أمين بك :
" وقد كان حافظ يلم بالفرنسية فمكنته من الاطلاع على شيء من ادابها ، وقد ترجم البؤساء لفيكتور هوجو ، وترجم بعض قطع لجان جاك روسو ، واشترك مع الاستاذ خليل مطران في ترجمة كتاب " موجز الاقتصاد وكان يقرأ بعض ما يترجم من الأدب الإنجليزى ، كما نري اثر ذلك في ترجمته لبعض قطع شكسبير ، ولكنه على كل حال لم ينل حظا وافرا من الأدب الغربي ، ولم يكن أثر ذلك كبيرا في شعره ، وإنما شعره - على الأكثر نتاج الأدب العربي ، والثقافة العربية ، والتجارب الشخصية " ( ٢ )
وكان حافظ في أول عهده بنظم القريض مثل مبالغة الأقدمين في شعره ، ولا سيما في المديح ، تري ذلك واضحا في قوله مهنئا سليمان أباظه باشا بشفائه من مرض الم به :
إذا سرت يوما حذر النمل بعضه مخافة جيش من مواليك يغشاه
وإن كنت في روض تغنت طيوره وصاحت علي الأفنان : يحرسك الله
وكان ابن داود له الريح خادم وتخدمك الأيام والسعد والجاه (1)
فلما تقدمت به الأيام وعرف من أحوال الأمة الشىء الكثير ، وخبر اخلاق رجالها ، خفف من غلوائه ، وقرب من قصد المحدثين ، وكان مديحه يمثل مراحل الأدب والحرية القومية في الأمة مرحلة بعد مرحلة .
وكان حافظ وسطا بين من يميلون إلي الشعر القديم ومن يميلون إلي فنون جديدة فيه ؛ قرأ شعر الأقدمين فأعجب به وحاكاه ، ثم ثارت ربة شعره على هذا القديم فحاول الفكاك من تقليده تمشيا مع النزعة الأدبية الجديدة . وقد قال في ذلك :
آن يا شعر أن تفك قيودا قيدتنا بها دعاة المحال فارفعوا هذه الكمائم عنا ودعونا نشم ريح الشمال(٢)
وعاد شوقي وحافظ من سفرهما إلي الخارج : الأول من اسبانيا حيث اللهو واللذة ، وحيث العلم والأدب والفن ، والطبيعة المبتسمة والجمال المضيء ؛ والثاني من السودان حيث الكد الذي لا يفيد ، والعناء الذي لا يغني ، وحيث الشمس المحرقة والطبيعة المظلمة القاسية . عاد الأول مبتسما راضيا بحياته ، وعاد الثاني حزينا كئيبا ساخطا علي الدنيا وعلى الناس . يقول الدكتور طه حسين بك :
" نعم ، عاد الشاعران إلي القاهرة في هذه الحال "
واستقبل كل منهما أهل القاهرة بما أمكن أن تتغني به نفسه من الشعر ، وسمع أهل القاهرة غناء حافظ وغناء شوقي ؛ فأعجبوا بشوقى وأحبوا حافظا . وكذلك انتقل إعجاب القاهرة بشوقي إلي أهل مصر صح إلى الشرق العربي ، وانتقل حب القاهرة لحافظ إلى أهل مصر تم إلى أهل الشرق العربي ؛ ثم مات حافظ فخزنت عليه مصر والشرق حزن المحب ، ومات شوقي فخزنت عليه مصر والشرق حزن العجب " ( ١ )
فما هي الدوافع التي جعلت مصر والشرق العربي يحبان حافظا هذا الحب ، فإذا مات جزعا لموته وحزنا عليه ذلك الحزن ؟
ولد حافظ ونشأ في اسرة من الشعب تحس إحساسه ، وتشعر شعوره ، تفرح لما يفرحه وتألم مما يتألم منه ، فطبيعة نشأته كانت تقرب بينه وبين أفراد الشعب . ولم يكن هناك ما يحجب أحدهما عن الآخر ، على الرغم من صداقته لكثير من عظماء الامة وساستها ، وعلي الرغم من صداقته لرؤساء الأسر العريقة . وهكذا خالط حافظ الناس جميعا فأصبح هو الناس جميعا ؟ وصور نفسه في شعره فصور الناس جميعا
وكان لحافظ أمنية أشاعت السرور في قلب والديه : وفتحت في صدريهما أبواب الامل ، ولكنه لم يكد يتم العامين من عمره حتي مات والده ، وما هو غير قليل من موت هذا الوالد حتى توفيت والدته ، وقد خلف له موتهما اليتم المبكر ، والآلم والحزن الذي تغلغل في أعماق نفسه ؛ ولقد احب المصريون حافظا لهذه المتاعب والالم التي تحملها منذ الصغر
وأحب المصريون والشرق العربي حافظا لغير هذا وذاك . يقول الدكتور طه حسين بك : " كانت نفس حافظ بسيطة يسيرة ، لاحظ لها من عمق ولا تعقيد ،
وكانت لهذه الخصال نفسها محببة إلى الناس مؤثرة فيهم ، وكان شعر حافظ صورة صادقة لهذه النفس البسيطة اليسيرة ، فأحبوه كما احبوا مصدره ، واعجبوا به كما اعجبوا بنبوغه
ورأي حافظ ما تعانيه الأمة من فوضى الأخلاق ، وأحس شكاية الآمة من شدة وقع الاحتلال ، وادرك تضييق الغرب على الشرق ، فثارت نفسه وبرمت بتلك الحال وكان حافظ قد صادق زعماء الوطنية وقادة الرأي ورجال الإصلاح ، فتأثر بهم وادرك آمالهم ، وما هو إلا قليل حتي عملت هذه العوامل كلها في نفسه ، وإذا به قد خرج على الناس قيثارة رددت شكواهم ، وأذاعت آمالهم
يقول الأستاذ أحمد أمين بك : " كان حافظ في شعره يقف موقف الصحافة الوطنية ، والخطباء الوطنيين ، وقادة الرأي الاجتماعيين ، يغشي مجالس كل هؤلاء ، ويتشرب من ارواحهم ، ويستمد من وحيهم ، وينذي عواطفه من عواطفهم ، ثم يخرج ذلك كله شعرا قويا ملتهبا يفعل في النفوس - وذلك شأن الشعر الحي ما لا تفعله الخطب والمقالات " ( ٢ )
ضاقت الأمة بظلم الاحتلال وقسوته ، فعبر حافظ في شعره عن هذا الضيق ؛ وأملت الامة في المستقبل امالا عريضة تحدث عنها حافظ ورسم حولها صورا براقة جذابة ؛ وبكت الأمة لما حل بها من نكبات ، فبكى حافظ لبكائها . قال في حادثة دنشواي :
أيها القائمون بالأمر فينا هل نسيتم ولاءنا والودادا
خفضوا جيشكم وناموا هنيئا وابتغوا صيدكم وجوبوا البلادا
واذا اعوزتكم ذات طوق بين تلك الربا فصيدوا العبادا
إنما نحن والحمام سواء لم تغادر أطواقنا الأجيادا
أحسنوا القتل إن شئتم بعفو أقصاءا أردتم أم كيادا
أحسنوا القتل إن شئتم بعفو أنفوسا أصبتم أم جمادا
ليت شعري أتلك محكمة الته تعيش عادت أم عهد نيرون عادا
كيف يخلو من القوي التشفي من ضعيف ألقي إليه القيادا
إنها مثلة تشف عن الغيظ ولسنا لغيظكم أندادا
أكرمونا بأرضنا حيث كنتم إنما يكرم الحواد الجوادا (1)
ولهذا أحب المصريون حافظا ، فقد كان شاعر الوطنية ، وشاعر الشعب ، وشاعر السياسة والاجتماع ؛ وقصائده تزخر بهذا كله ، وترسم صورة واضحة لهذا كله
*واتسع الأفق أمام حافظ فخلق في سماء الشرق يدعو إلي الوحدة العربية ، والوحدة الإسلامية ، وينادي بالقضاء على من يبذر بذور البغضاء بين شعوبه ، ويطالب بتبادل المنافع بين اجزاء هذا الشرق ، ويردد في شعره اماله ، ولذلك أحبه الشرق ، فلما مات بكي لموته وحزن عليه حزن المحب .
كان صوت حافظ يسري في جمهور سامعيه سريان الكهرباء في اسلا كها ، وكان حافظ يسرهم بهذا الصوت ، ويأخذ عليهم مشاعرهم ، ويلعب بأفئدتهم ، يستخفهم تارة ، ويحزنهم تارة اخرى ، ويثير نفوسهم مرة ، ويبعث فيهم
الهدوء والرضا مرة اخرى . يقول المرحوم الاستاذ الشيخ عبد العزيز البشري :
" ولا أحسب شاعرا يجيد الإنشاد كما يجيده حافظ ، وإن له لصوتا جهيرا فخما رائع المقاطع ، فاذا هو وقف ينشد الجماهير هزها هزا ، ورفع بالترتيل حظ الكلام درجات على درجات " (١)
ولذلك كان الناس يحبونه ، ويسرعون إلي مجلسه والإصغاء إليه .
رحم الله حافظا ، فقد كان شعره صدي لأفراح الأمة واحزانها ، وقيثارة رددت آمال الشرق العربي ؛ رحمه الله فقد كان صورة صادقة لنفوس المصريين ، وقد استحق بجدارة أن يكون شاعر النيل الذي يبكيه ويحزن عليه .
أسرة الشباب بعين شمس

