لا يقف الفيلسوف في تأمله عند حد إرجاع الظواهر الطبيعية التي يدركها بجوارحه إلى عللها وأسبابها القريبة ، ولا هو يقنع باستخلاص العبر والعظات المتناثرة شأن حكماء الشعب ، إنما هدفه الذي لا يفارق ذهنه . أن يعيد تنظيم العالم ، بل الوجود بأسره على أساس معقول . العالم كما تدركه حواسه يتكون من أجزاء لا حصر لها ، تنسجم أحيانا وتتنافر في كثير من الأحايين ؛ يأبى عقله إلا أن يرد الكثرة إلى الوحدة ، يرد الظواهر المتعددة إلى علة واحدة ليس من ورائها علة ؛ ويأبى عقله إلا أن يحيل الفوضى البادية في الواقع إلى وحدة متسقة يتصورها تصورا منطقيا من أجل هذا نشأت المذاهب الفلسفية ، وما كانت غير محاولات عقلية قام بها الفلاسفة لتصور الوجود تصورا معقولا يتفق مع العقل ، ويفسر له كل ما يجري بالكون من أحداث ، بحيث لا يترك ثغرة إلا ملأها بتفسير يستمد من المذهب . ومن أجل هذا لم يقنع الفيلسوف بدراسة العالم الموضوعي الباري لحواسه كما يقنع العلماء ؛ وكيف يقنع وكثير من الأمور التي تجري في عالمنا لا تجد لها تفسيرا في هذا العالم المحدود
إذا فليحلق فوق ظواهر الطبيعة ، وليتجاوزها إلى ما وراءها ، إلى " ما وراء الطبيعة " لعله يهتدي إلى التفسير الكافي ويجد السر الخافي . ولا يزال الفيلسوف يعلو ويعلو على جناح التأمل ، حتى لا يعود يميز التفاصيل التى يغرق فيها عامة الناس ، ولا يعبأ بالروابط العلية القريبة التي تشغل جمهرة العلماء ، إنما يرى الكون في مجموعه كلا واحدا متكاملا ، فيكب على الأمور العامة يتفحصها بمنطق العقل الذي قد يتفق ومنطق الواقع التجريبي لدى بعض الفلاسفة الواقعيين ، وقد يتعارض معه لدى المثاليين منهم .
أوضح ذلك بمثال : كل كائن طبيعي لا يثبت على حال
واحدة ، بل تطرأ عليه في كل لحظة تغيرات لا حصر لها من حيث تركيبه وما يجري في بنيته من تفاعلات كيميائية وما تثيره فيه البيئة من سلوك وتصرفات . وبوسعنا ان نمضي في تعداد مظاهر التغير دون أن تتوقف . لا يعني الفيلسوف أن يقف عند تلك المظاهر المتغيرة ، بل هو يتأمل التغير في ذاته بصرف النظر عن الأمور المتغيرة ، يستخلص من عالم الطبيعة فكرة التغير ( أي الحركة ) بوجه عام فيتساءل : هل الحركة البادية لي حركة ظاهرية توهمني بها الحواس المتقلبة المتغيرة ؟ أم أن كل وجود يمضي ويعقبه وجود آخر لا استقرار له بدوره ؟ .
أجاب " هرقليطس " الفيلسوف الطبيعي القديم : لا شئ إلا الحركة الدائمة ، التجدد المستمر ، الأشياء تزول ولا شئ يبقى غير الحركة الجارفة الشاملة . ويحس هرقليطس - وقد يشاركه هذا الإحساس غير قليل من المفكرين - أن الإنسان القائم في هذا الخضم الهائج المائج لا يستطيع أن يعلم شيئا ، لأنه قبل أن يشير إلى الشئ يكون قد مضى وأضحى على حال غير الحال ؛ كل شئ بالنسبة إليه زائل قبل أن يعرفه . وهكذا قد تفضى بنا نظرية التغير المستمر إلى نظرية اخرى في المعرفة الإنسانية : عجز العقل الإنساني عن الوصول إلى حقيقة ثابتة عامة ، ولا سبيل إلا إلى حقائق متغيرة بتغير الأشياء ، والأشخاص . فالفرد مقياس كل شئ : ما يراه حقا فهو حق بالنسبة إليه ، وما يراه غيره حقا فهو حق بالاضافة إلى ذلك الغير ؛ فلا يطمعن المرء إذا في علم أيا كان ، لأن العلم لا يقوم بغير الحقائق الكلية الثابتة رغم تغير الموجودات الفردية .
لنعد ثانية إلي عالم الواقع لعلنا نصل إلي فلسفة تدحض فلسفة التغير المستمر . يطرأ على الإنسان منذ طفولته ، بل منذ كان نطفة في قرار مكين ، تغيرات متعاقبة حتى يكبر
ويثب من الطوق ويصير شابا فكهلا فشيخا ؛ ولكنه رغم هذه التغيرات جميعا هو الإنسان الذي لا يختلف تعريفه مهما اختلفت الأفراد التي تصدق عليها كلة إنسان . ألا يعني ذلك أن التغير الذي يصيب الفرد في مظاهره لا يمس وجودا يكمن وراء الظواهر ، ذلك هو جوه أو ماهيته الثابته الواحدة في جميع الأفراد ، أو في الفرد الواحد في جميع الظروف ؟ .
الحركة إذا تنال الظواهر دون الجواهر ، والأعراض دون الماهيات . وما الظواهر والأعراض وجودا حقا ، إنما الوجود الحق الجواهر والماهيات . الظواهر والأعراض كاللون والشكل والحركة والطعم والحجم والثقل . . ندركها بحواسنا . أما الجواهر والماهيات فنستنتجها ونستنتج صفاتها بالعقل وحده الذي يدرك ما وراء الواقع الملموس . والخلاصة التي يخرج بها أن الوجود الحق ليس حركة وتعددا ، ولكنه وحدة وثبات ؛ وأن العلم ممكن طالما هنالك شئ ثابت بوسع المرء أن يشير إليه . يذهب بعض الفلاسفة هذا المذهب فيؤمنون بالمحسوس ، ويؤمنون
بالمعقول . يؤمنون بالوجود المادي ويؤمنون بوجود لا مادي نسميه روحيا أو عقليا ، ويرون أن معرفة الوجود المادي بحواسنا توصلنا إلي إدراك الوجود العقلي بعقلنا أي بالأستدلال المنطقي ، ولكنهم يعتبرون العلم الحق هو العلم بالعقل لا بالحس .
يبد أن فلاسفة آخرين يغالون في نزعتهم العقلية المثالية ، فلا يكتفون بتفضيل الوجود الروحي على الوجود المادي . والمعرفة العقلية على المعرفة الحسية ، بل ينكرون الوجود المادي إطلاقا : يعتبرون العالم الطبيعي الذي نحيا فيه . ونضطرب في جنباته مع كائنات وأشياء ندركها ونحققها ونتعامل وإياها ، يعتبرون هذا العالم أوهاما هيأيها لنا حواسنا الخادعة ، ولا يقرون بوجود غير وجود الأفكار التى نعقلها بأذهاننا ، دون أن نحققها بحواسنا ؟ من هؤلاء ، بارمنيدس وأفلاطون في الفلسفة القديمة ، وباركلي وهيجل في الفلسفة الحديثة .

