الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 578الرجوع إلى "الثقافة"

نظرات فلسفية :, الدولة والفرد

Share

يحدثنا روسو في كتابه " العقد الاجتماعي " كيف كان الأفراد يعيشون أول الأمر عيشة فوضى وهمجية لا يرعون فيها حرمة ، ولا يتبعون شريعة ، ولا يقفون بأطماعهم عند حد . وكثيرًا ما كانت هذه الأطماع تصطدم وتصطرع ، فتنشأ من هذا كله تلك المعارك والحروب التي ساد فيها قانون الغاب ، وجعلت من حياة الرجل البدائي سلسلة من أعمال القتل والسلب والنهب . وحدثنا روسو كذلك كيف أن الأفراد لم يستطيعوا أن يستمروا في حياة هذا قانونها وتلك دعائهمها ، فأجمعوا أمرهم على أن يتنازل كل منهم عن جزء من حقه وأطماعه ، وبذلك يترك الفرصة لغيره لكي يحقق هو الآخر جزءا من أطماعه ؛ وعلى أساس هذا العقد الذي عقدوه فيما بينهم نشأت الدولة.

وهذا كلام معقول . فالدولة - كما صورها روسو - قد قامت على قمع غرائز الفرد والحد من أطماعه البدائية . لقد قالت الدولة للفرد . إياك أن تحاول تحقيق كل مطامعك واغتصاب كل حقوقك . إن المسألة ليست فوضى ، فلا تحاول مثلا أن تغتصب أرض جارك وتأخذها لنفسك ؛ لو سولت نفسك لك هذا فإن غياهب السجون تنتظرك . لا تراوغ ، فقد أعددت لكل شئ عدته إن امتلاك قطعة أرض كانت ملكًا للغير يعد جريمة في نظري ، إنه اغتصاب لحق من حقوقه وأنا قوامة على الحدود والحقوق . وقالت له كذلك : إياك أن تحدثك نفسك بسرقة الضعيف أو نهبه أو التحكم فيه على أية صورة من الصور ، إنه ضعيف بنفسه قوي بي ، هزيل في ذاته جبار عتيد بي . أفهمت . إن الضعف والقوة ليسا كل شئ في حياتك الجديدة . إن القوانين التي وضعتها أنا والتي تقوم كلها على صيانة الحقوق وبث روح الثقة والطمأنينة في نفس الضعيف هي التي تسيطر عليك الآن . وقالت له  كذلك: إياك إياك والقتل، إنه سلب للغير في أهم حق من كذلك : إياك إياك والقتل ، فإنه سلب للغير في أهم حق من

حقوقه وهو حق الحياة ؛ إنك ستفقد حياتك أنت الآخر ثمنًا لهذا التهجم . ثم ما هذه البشاعة ؟ أتتملى بمنظر الدماء وهي تسيل ؟ ألا يحرك فيك هذا المنظر أية عاطفة إنسانية ؟ لا . لا إنك اليوم إنسان ، ولست حيوانًا ، وعليك أن تقدر لإنسانيتك قدرها .

ولا بد أن يكون الفرد قد قابل هذه المبادئ أول الأمر بشيء من الدهشة وبغير قليل من النكران . ولا بد أن يكون قد عجب لهذه السلطة الوهمية التي أخذت في فرض مجموعة من القوانين عليه جعلته يطامن من غرائزه ، ويحد من سجيته البدائية ، ولكنه سرعان ما ألفها ووجد حياته في ظل هذه السلطة أمتع وأجدى من حياته الأولى ، ونظر إلى نفسه نظرة إعلاء وإ كبار : إنه أصبح اليوم إنسانًا

ولكنه أخذ يصحو شيئًا فشيئًا ، فما بال هذه الدولة التي لم تقم إلا على هذه المبادئ الإنسانية السامية تصدر أوامرها إلى جيوشها وجحافلها بأن تتقدم ، وتأمر جنودها بإطلاق النيران ، وبأن يعيشوا من دماء الأعداء ما وسعهم ذلك نهلًا وعلًا . وبأن يمروا فوق جثهم غير عابثين ! والويل لهم لو اختلجت في نفوسهم أثناء ذلك أية عاطفة إنسانية ، وإياهم إياهم أن يلبوا أي نداء للرحمة أو ينصتوا لأي صوت ينادي باستخدام الشفقة . يا للويل ! إن الدولة تأمر أفرادها إذًا أن يقتلوا ويذبوا ويعبوا من الدماء وهي التي أمرتهم قبل ذلك بألا يقتلوا وبأن يكونوا أناسي . ثم لم هذا كله ؟ لم تصدر الدولة أوامرها إلى أفرادها بأن يخوضوا تلك المذابح والمعارك ؛ لم تتناقض مع نفسها هكذا ؟ أتدري لماذا؟ إنها تود أن تغتصب من جارتها ما تملك ! إنها تود أن توسع من ممتلكاتها على حساب غيرها خير عابئة بما لهذا الغير من حقوق ! عجبا ! ألم تحذر الدولة الفرد قبل ذلك من أن يسطو على ممتلكات غيره ؛ ألم تلق بكثيرين من أفرادها في ظلمات السجون

لا لشئ إلا لأنهم قد ارتكبوا بالنسبة إلى الآخرين من رعاياها ما ترتكبه هي الآن بالنسبة إلى دولة أخرى ؛ إنها إذا قد حللت لنفسها ما حرمته على الغير ، واستباحت لذاتها ما قد سخطت على الفرد من أجله . ثم هي في هذا كله لا تحترم إلا القوة ، ولا تبجل من الدول إلا أقواها وأوسعها نفوذًا وأكثرها سيطرة ، وتحتقر من الدول أضعفها وأقلها شأنًا ، وتحاول دائمًا أن تكم أنفاسها وتسلبها حقوقها ! ما هذا ؟ ألم تقل الدولة للفرد يوم قامت أن يحترم الضعيف احترامه للقوي لأن له من الحقوق ما لهذا القوي ؟ ! ها هي ذى تناقض نفسها بنفسها .

حق للفرد إذًا أن يكفر بالدولة . وحق له أن يقابل تغريرها به بالاستخفاف بمبادئها والتنكر لها . وحق له أن يثور في وجهها .

ولكن لتطمئن كل دولة ، فإن هذا لم يحدث ولن يحدث ؛ ذلك أن كل دولة قد علمت أفرادها فيما علمتهم أن يحترموها هي فقط على حساب الدول الأخرى ، وأن يتحمسوا لها وحدها ، وأن يغتبطوا إذا ما رأوها قوية طاغية مذلة لغيرها من الدول . إنها قد علمتهم أن يصفقوا لها ولعلمها فقط إذا ما رأوه خفاقًا رفرافًا وحينئذ ينسى الأفراد تلك المبادئ التي ناشدتهم الدولة يوم قامت باتباعها وعدم تخطيها . وحينئذ تضمن الدولة دوام تغريرها بالأفراد .

وهكذا كتب على الفرد أن يكون مختلًا منافقًا؛ عليه أن يلقي وراء ظهره بكل المبادىء السامية التي علمته إياها الدولة إذا ما طلبت هي منه ذلك ، ثم عليه من ناحية أخرى أن يكبرها وينزلها من نفسه مكانًا عليًا إذا ما طلبت الدولة منه ذلك أيضًا . عليه أن يكون قوامًا على الحقوق ساهرًا على الحرمات حينًا ، وعليه أن يعصف بكل هذه الحقوق ويطأ هذه الحرمات بأقدامه حينًا آخر . والفرد الذي يستطيع أن يمثل هذا الدور ويجمع في نفسه بين هذا النوع الغريب من ازدواج الشخصية هو ذلك الذي تكبره الدولة وتصوغ له قلائد المديح.

ولا بد أن يخلو الفرد إلى نفسه قليلًا لكي يفكر فيما آل إليه مصيره على يد هذه الدولة . وفي قيمة هذه المبادئ التي استندت إليها ، ولا بد أن يصل في تفكيره هذا إلى

نتيجة حتمية هي : أن هذه المبادئ التي تنشها الدولة له مبادئ مرنة ليست بها تلك الصرامة التي تصورها عليها أول الأمر ، وأن احترامه لها لا يمكن أن يرقى إلى درجة القداسة أبدًا ، وأن عليه ألا يأخذ نفسه بكل هذا الجد ولا يصطنع كل هذه الدقة عند محاولته تطبيق هذا القانون أو ذاك من قوانينها ، ما دام يرى تحت سمعه وبصره عبث الدولة بنفس هذه القوانين التي وضعتها . حقا ! إنه يعرف أن في مخالفته لتلك القوانين عقوبة قاصية له ، وهو يعرف كذلك أن أي عبث بها سيؤدي به إلى غياهب السجون ، ولكنه سيظل دائمًا يتحين الفرصة التي تتيح له أن يعبث بتلك القوانين في الخفاء ، وأن يحاول تعطيلها في مأمن من أعين الساهرين على تطبيقها ؛ واحترامه لهذه القوانين بعد ذلك لن يكون مقصودًا لذاته بل لما عساه أن تناله به هذه القوانين من أذى وما تصيبه من مكروه . ولا بد له لكى يحقق هذا كله ، أي لكي يتم له العبث بالقوانين دون أن تمتد الدولة إليه بسوء ، أن يسلح نفسه بصفات كثيرة لا توافقه عليها الدولة ولا يقرها المجتمع ولا يرضاها القانون الأخلاقي . وعدم موافقة سلوك الفرد للقانون الأخلاقي نتيجة طبيعية جدًا لاستخفافه بالقوانين الوضعية ولاستخفاف الدولة نفسها بما سنته من قوانين . والمحنة الأخلاقية التي يجتازها العالم اليوم قد يستطيع ردها بعض المنصفين إلى تناقض الدولة مع نفسها ، وإلى محاولتها الاستخفاف بعقل الفرد : فتأمره بما لا تأتمر هي به ، وتنهاء عما لا تنتهي هي عنه ، وتستبيح لنفسها ما تحرمه عليه ، فضاق الفرد بها ذرعًا ، وحاول من جانبه أن يستخف بها وقوانينها ؛ وقد استتبع ذلك استخفافه بالقواعد الأخلاقية لتتمشى هذه القواعد مع القوانين الوضعية ، ولاقتباس هذه الأخيرة عن الأولى أكثر ما جاءت به.

إن استخفاف الدولة بما سنته من قوانين وما تبعه من استخفاف الفرد بهذه القوانين وبالقوانين الأخلاقية أيضًا جعل الفرد ينظر إلى كل شئ في الكون على أنه مرن متغير متقلب ، لا يخضع لصرامة ، ولا تسيطر عليه دقة مقفلة . لقد أصبح الناس جميعًا من أتباع هيرقليطس، ذلك الفيلسوف الإغريقي القديم الذي صدق حين قال : إن كل شئ في تغير ، وإنك لن تستطيع أن تنزل البحر مرتين متتاليتين دون أن تشعر بأن مياها جديدة تتدفق من حولك .

اشترك في نشرتنا البريدية