هذه الفقاعات الفلسفية التى لا تظهر إلا لتختفى . . هذه التيارات السطحية التى هيهات لها أن تمس القاع ، قد عرفها تاريخ الفكر الفلسفى من قديم قبل أن يعرفها أخيرا فى شخص جان بول سارتر وأتباعه من الوجوديين . عرفها فى القرن الماضى فى شخصية فكتور كوزان الفرنسى وعرفها فى القرن الثامن عشر فى شخصية وولف الألمانى . فقد كان هذان المفكران ملء السمع والبصر فى وقت ما ، وكانا يسيطران على الحياة الفكرية والفلسفية فى زمانهما ،
وفتن بهما أتباع كثيرون . حتى إذا ما خلت الإنسانية الواعية إلى نفسها ، واختبرت ما قدمه لها هذان المفكران من آراء لم يتكشف لها منهما عن شئ ذي بال ، فنبذتهما وأسقطهما التاريخ من حسابه إلى غير رجعة . ومصير سارتر وأتباعه من الوجوديين لن يختلف فى شئ عن مصير هذين الرجلين . فلن يحفل التاريخ بهم ، وسيسقطهم من حسابه كما أسقط الكثيرين من قبلهم . بل إن مياه المحيط قد أخذت تنحسر فعلا عن شاطئ الوجوديين منذ عام ١٩٤٧ .
وبعد . . فما هذه الآراء العجيبة التى طلع بها علينا الوجوديون الوجودية فلسفة عدمية سلبية من ألفها إلى يائها ، تود أولا وقبل كل شئ أن تقتل فينا التفكير وتشل القدرة على استخدام العقل . يقول شستوف وهو أحد الوجوديين فى كتابه عن هيدجر : " يجب أن تقتل فى نفسك العقل والمنطق إن أردت لنفسك خلاصا ، إذ أن الإنسان لا يستطيع أن يحيا بهما " . وعند ما مثل جان واهل - وهو الذى يرجع إليه الفضل فى دخول الوجودية فى فرنسا وفى غزوها للجمعيات الفلسفية
وللجامعات - عندما سئل : تحت أية طائفة من الفلاسفة نستطيع أن نضع مذهبك ؟ قال : " إنى أفضل أن ينظر إلى على أنى من أتباع برجسون " . وليس ثمة ما يدعو إلى الغرابة فى هذا التصريح ، لأننا نستطيع أن نتعرف على وجه شبه ظاهر بجمع بين مذهب برجسون وبين المذهب الوجودى . فمذهب برجسون ثورة على العقل وقواعده الجامدة ، واعتراف بقيمة الحياة بتيارها المتصل وديمومتها التى لا تنقطع . والمذهب الوجودى قائم كذلك على عدم اعتراف بالعقل . ولكنه لا ينته إلى هذه النتيجة المتفائلة التى انتهى إليها برجسون الذى اعترف بالقيمة الإيجابية للحياة وللزمان . أما المذهب الوجودى فيتضمن عدم اعترافه بالعقل عدم الاعتراف بكل شئ . ولذلك نجده لم ينته إلى شئ ، اللهم إلا إلى ذلك الجزع النفسى الذي يملك على الإنسان حسه و نفسه جميعا ، وإلى ذلك " الشعور بالقئ أو الغثيان" الذى يسيطر عليه عندما يواجه العالم .
وقد أدت تلك الثورة على العقل ببعض الوجوديين المتحمسين من أمثال كارل باسيرز وجبريل مارسل إلى الارتماء فى أحضان نزعة دينية ذات مسحة تصوفية ، على الرغم من أن هذا يناقض موقف سارتر الملحد من الدين .
فنجد باسيرز يعلن يأسه من العقل قائلا : " من منا لا يود بعد ذلك أن يتحدث الله إليه كما لو كان يتحدث إلى طفل ، حتى ولو كان هذا على حساب حريته . . إننا جميعا نود ذلك ما دمنا نجد أنفسنا فى قبضة يده " . وقد تزعم جبريل مارسل الحركة الوجودية الكاثوليكية " أول ما يجب على الوجودية الكاثوليكية أن تفعله . هو أن تتخلى تماما عن كل تفكير وعن كل فلسفة " وقد سار فى ركبه أناس
كثيرون . فنجد مثلا عمانويل مونبيه يكتب محاربا كل نزعة عقلية ومحددا خصائص الوجودية : " أول ما يجب أن يدين به الشخص الوجودى ، هو أن يبقى على أسرار الدين وألا يسمح بتدخل العقل فيفسدها " .
وقد تأثر المذهب كله بهذه الثورة على العقل . وكان أثر ذلك واضحا فى موضعين : فى القصة ومنهج سارتر فى كتابتها أولا ، وفى نظرة الوجودية إلى الحرية ثانيا . فالقصة عند سارتر تتميز بذلك الخليط الهائل من الحوادث ، وذلك الانتقال المفاجئ من فكرة إلى أخرى وعدم سرد الحوادث سردا منطقيا يخضع للتسلسل العقلى ويدين بقانون المقدمات فالنتائج . هذا عن القصة ، أما عن نظرة الوجوديين إلى الحرية ، فهى نظرة فريدة حقا لا يوافقهم عليها إلا من أصابه مس . فالحر عند سارتر هو ذلك الذى استطاعت الظروف الخارجية أن تشل تفكبره وتوقف أية قدرة له على التأثير فيما يحيط به ، هو ذلك الذى انطوى على نفسه واستطاع أن يحيا فى باطنه حياة متجددة متقلبة . وبمعنى آخر ، الحر عند سارتر هو ذلك الىي فقد حريته بالمعنى المألوف لهذه الكلمة . ومن ثم ، فقد نظر سارتر إلى فترة الاحتلال الألماني لفرنسا عقب غزو الألمان لها باعتبارها الفترة التى أتاحت للفرنسيين قدرا من الحرية لم يتح لهم من قبل ! ! ! .
هذه الثورة على العقل وعلى الحرية كما نفهمها وراءها خبئ كما يقولون . ولكى نصل إلى هذا الخبئ لا بد أن نرجع بذا كرتنا إلى عام ١٩٣٣ . ففى هذا العام استدعت الحكومة النازية هيدجر - وهو مؤسس الوجودية الحقيقى - لإلقاء محاضرات فى جامعة فريبورج . فأخذ يذيع محاضرات فى الشباب الألماني مشجعا إياهم على الانضمام إلى النازية وعلى الخضوع الأعمى الذى لا يسمح بأى تدخل للعقل ، لكل ما عليه عليهم النازية ولكل ما يأمر به الفوهرر : " إنني أطلب من الطالب أن يتقدم بثبات عسكرى صارم إلى الخطر ولا يبالى ، وأن يسير إلى الأمام معرضا نفسه لكل شئ . . وأن يأخذ نفسه فى صرامة
وجد بتوكيد مصير ألمانيا ومستقبلها . وهو ماثل أمامه حاليا مثولا محققا شرعيا مشرقا فى شخص هتلر " ( من خطبته الافتتاحية التى افتتح بها موسم محاضراته ) . ولم يمنعه حماسه هذا للفوهرر من أن يسير على رأس جموع طلبة جامعة فريبورج فى صفوف منتظمة ليعلنوا جميعا تأييدهم المطلق لعاهل ألمانيا ، قائلا لهم : " إن الفوهرر هو وحده الحقيقة الألمانية الحاضرة والمستقبلة ، وهو قانون ألمانيا الأوحد " . وطبيعى أن يدعو رجل له هذا الاتجاه إلى قتل التفكير ومحاربة الحرية والانطواء على الذات .
وطبيعى كذلك أن يدعو مثل هذا الرجل الشباب إلى الخضوع والامتثال ، وأن ينشر فيهم نزعة التشاؤم ، وان يفهمهم أن الإنسان كائن يائس ، وأن " الشعور بالضيق والجزع " مسيطر عليه ، فلا حيلة له فى أن يهرب منه .
وسار سارتر فى ركب هيدجر النازي ، حتى نجده يعلن أن الفرنسيين كانوا فى عهد الاحتلال الألماني أوفر حرية من كل عهد مضى . فالحرية عنده قائمة فى كبت الحرية . وعلى يد من ؟ على يد الألمان بالذات . . ومن ثم نفهم كذلك تلك الصيحات التى كان يرددها سارتر ومدام سيمون دى بوفوار معلنين فيها ثورتهما على حركات المقاومة أو حركات التحرير التى نشطت فى فرنسا بعد الغزو الألماني لها . فقد ذهبا إلى أن هذه الحركات لا فائدة من ورائها . ويحاول سارتر أن يبرر موقفه هنا تبريرا فلسفيا فيقول : وعلام كل هذه الحركات ؟ إنها لن تنتهى إلى شئ . وهل ينتهى أى فعل إنسانى إلى شئ ؟ إن كل الأفعل الإنسانية تنتهي إلى لا شئ ؛ وهى فى ذلك متساوية . لأنها تنتهى جميعا إلى الإخفاق . فليوفر كل جهوده ، وليرض بما قسم له .
ولا حاجة إلى حركات المقاومة والتحرير ولن يصعب علينا بعد ذلك ان نفهم ما يضمره سارتر فى قوله ذاك الفريد فى الحرية . إنه يود أن يقول إن الناس جميعا أحرار فيما بينهم وبين أنفسهم ، فليس ثمة ما يدعو بعد ذلك إلى أن يقاتلوا ويطالبوا من أجل الحرية ، وهى شئ هم حاصلون عليه فى ذواتهم . وهذا منطق معكوس لا يوافقه عليه
إلا رجل يدعو لكبت الحرية بمعناها المفهوم . وهذا إن جاز فى بلد كألمانيا النازية ، فإنه لا يجوز فى بلاد الديموقراطيات والحريات ومن بينها فرنسا ومصر .
ولقد فطنت الكنيسة الرسمية فى فرنسا أخيرا إلى ما تنطوي عليه الحركة الوجودية الكاثوليكية التي يتزعمها جبريل مارسل من اتجاهات خطيرة فناصبتها العداء . إذ وجدت أن هذه الحركة ترمى من وراء ارتمائها فى أحضان تلك النزعة الدينية التصوفية التى تصطبغ بها فى الظاهر لا إلى مجرد التدين ، بل إلى عداوة الحكم الديموقراطى الذى يقوم أولا وقبل كل شئ على الحرية وعلى تحكيم العقل فى كل شئ .
وهكذا استطعنا أن نفهم خبىء هذا المذهب الوجودى . وإنى أعلن على الملأ : أنه لا حياة للوجودية إلا فى ظل النازية وما شابهها من أنواع الحكم . أما وقد انتهت النازية إلى غير رجعة ، فقد آن للوجودية كذلك أن تفارقنا . ولن تمضى سنوات معدودات حتى يتلاشى هذا المذهب من أساسه ،
وينقضى إلى غير رجعة . إن هذا هو المصير المحتوم لكل تلك الفقاعات الفلسفية التى ما تظهر إلا لتختفى ، وما تطفو على السطح إلا ريثما تعود فتغوص مرة أخرى في اللجة إلى القرار . وعلى كتابنا الأفاضل الذين يتحمسون غاية التحمس للوجودية أن يطامنوا قليلا من حماسهم . . !! .
