تواجه الحركة الفكرية مجموعة من التيارات الخطرة التي استهوت بعض الشبان في أوربا في السنين الأخيرة ثم امتد أثرها إلى بعض المثقفين في البلاد العربية . ولما لهذه التيارات من خطر بالغ على التكوين الفكري والاجتماعي للمثقفين في العالم العربي رأينا أن نعرض لبعضها في هذا المقال محللين مصدرها مشيرين إلى بالغ الخطر في تقبلها والعمل بها . وإنما دفعنا إلى هذا غموض ما كتب عن الوجودية ، خصوصا مما جعل بعض المثقفين يخرجون بفكرة خاطئة أقرب الإعجاب منها إلى الاستهجان ، وإلى الإحساس بالطرافة وعنصر المخاطرة منها إلى الإحساس بمناصر الانحلال والتعفن في ثناياها . .
ولقد تعرضت مجلة " الكاتب المصري " منذ سنين لهذه الفلسفة في مقالات ترجمت عن الفرنسية بقلم أحد مؤيديها ، وتعرضت مجلة (المصور) مرة لنشاط الوجوديين في لبنان . ومهما قيل من أن عنصر التشويق الصحفي هو الدافع إلى كتابة هذا المقال إلا أنه يوهم أن الوجوديين نوعان : نوع جاد ونوع هازل ، وان الوجودية لها جوانبها السليمة مع جوانبها الخاطئة .
ولكى نفهم حقيقة نشاط الوجوديين ودوافعه يجب أن نتعرض أولا للوجودية كمذهب فلسفى واجتماعي . الوجودية فلسفة اجتماعية بتزعم شرحها والدفاع عنها جان بول سارتر الأديب والفيلسوفوفي الفرنسي المشهور . وهي تقوم على أساس إنكار الوجود الإلهي . ولهذا فهي ككل فلسفة تبدأ يرفض التبعية للدين ملزمة أن تتخذ لها موقفا من مشكلة إرادة الإنسان وحريته . فإذا كان الوجود الإلهي ليس قائما كان
من الواجب على هذه الفلسفة أن تحدد موقفها من عناصر الحرية الإنسانية : دوافعها وأهدافها واتجاهاتها . وإلى هذه الحدود لن نجد فرقا هاما بين الوجودية وغيرها من الفلسفات التى قامت في الغرب وآمن بها كثيرون . وإنما بدأ الوجودة في طريقها الخاص ، بما تبنيه على فكرة إنكار الوجود الإلهي من أفكار أخري . فهي تؤمن بما ورد على لسان " كيريلوف " في إحدي روايات "ديستوفسكى " إذ يقول : " إذا كان الله ليس له وجود فكل شئ مباح " هذه هي نقطة البدء في فهم الوجودية كما يقول سارتر نفسه ، وهكذا يتضح أن سارتر لا يعني من الحرية إلا الفوضوية في أجلى معانيها .
ليس من الغريب إذا أن نفهم موقف الوجودية من جذرين أساسيين للحرية والإرادة البشرية فيما نعتقد ، ألا وهما العلم والتاريخ . نعم إنما نؤمن بأن الإنسان يولد في عالم لم يكن له يد في تكوينه . فلم تختر أنت مثلا أن تولد في القاهرة أو في إحدى قري الصعيد ، ولم تخير بين أن تعيش في عصر للمماليك أو في العصر الحديث . وحين ولدت لم يكن لك يد في التقدم أو التأخر الذي يعيش المجتمع في ظله ، لم يكن لك في تكوين العلاقات الاجتماعية القائمة بين الناس . أو في خلق الظروف الاقتصادية التي يحيا المجتمع تحت رحمتها . وبالاختصار فكل إنسان يواجه حين يولد وينمو مجتمعا لم تكن له أى إرادة في تكوين ظروفه التي هو عليها ، ومن هذه الزاوية " لإنسان غير حر ، ولكن الإنسان بمجرد ان يواجه هذا المجتمع واعيا ، وأن يفهم من دراسة التاريخ دراسة علمية حقيقية الظروف التي شكلت هذا المجتمع ، والظروف التي تدفع إلى تغيير مساوئه فإنه ينقلب بعد ذلك حرا لا مسيرا في الكفاح من أجل هذا التغيير .
إن الإنسان يصنع التاريخ لا في حدود الظروف التي اختارها هو ، وإنما في حدود الظروف التي وجدها وورثها عن ماض لم يكن له يد في تكوينه . وكما يقول الشاعر يونج " إن الإنسان ليس هو مستقبل الإنسان فقط ، وإنما هو ماضيه كذلك " .
أما الوجودية فهي تنكر كل محصول البشرية من التجارب في الماضي ، لا تأبه به . بل تنادى بضرورة تجاهله ، وأن يبدأ الإنسان من جديد تماما كالإنسان البدائي الذي عاش في الغابات .
" يجب أن يبدأ الإنسان من اللاشىء " هكذا يقول سارتر ، وهو في هذا يعود بنا القهقري بضعة آلاف من السنين . وفي تمثيليته المشهورة " لا خروج " يتضح مغزي القصة في أنه من المستحيل أن يحكم على الإنسان قبل تنتهي سلسلة أعمال حياته . أى قبل أن يموت ، وما دام ليس لنا شرف مشاهدة وفاة الجنس البشري فليس من الممكن أن نحكم على تاريخه ؛ ليس غريبا إذا أن نحتقر الوجودية العلم ، وأن ننكر قيمته ، وأن تصور هذا السكون تصويرا بعيدا تمام البعد عما سجله العلم من اكتشافات رائعة يتضح هذا في تعريف سارتر للمادة ، فهو يقول في مجلة " الأزمنة الحديثة " : " ما من شئ يميز المادة سوي قصورها الذاتي ، فهي غير قادرة على أن تنتج شيئا آخر بنفسها ، إنها عربة محملة بالحركة والطاقة التي تأتيها من خارجها ، إن المادة تعترضها ثم تطلقها" ، ومنذ مدة علق المرحوم " بول لانجفين " على هذا قائلا : " إن هذا التعريف متأخر ألفين من السنين بالنسبة لتقدم العلوم الحديثة " .
لقد كان " ليكريتس " يتخيل هذا الوهم عن المادة : عدد لا نهائي من الدقائق الصغيرة تتساقط في فراغ ثم تأخذ في التباعد وفقا للقوانين الأولية للاحتكاك ، ولكى يدخل عنصر الإرادة في مثل هذا المركب كان لابد لليكريتس من معجزة ، خروج على هذه الآلية ، وهو ما سماه : " ميل الشئ "وهذا هو نفس ما يطلبه سارتر حين يبحث عن " هذا الشئ الصغير من التراجع الذي لا غني لإنسان عنه حتى يسيطر على " حتمية " حياته .
ولكن سارتر لم يعد له عذر ليكريتس ، فإن تقدم العلوم في بحر ألفين من السنين يعطينا فكرة أدق اليوم عن المادة و " الحتمية " Determinism فلكي يعيش الإنسان ويتقدم في إنتاج احتياجات وجوده كان لابد له من علم يجعل منه سيدا ومالكا للطبيعة .
إن عليه أن يعرف قوانين الطبيعة حتى يدرك في أي خطة من حلقانها يجب أن يفرض إرادته لكي يصوغ الطبيعة كما يحب هو ، هذه المعرفة للعلاقات المختلفة بين ظواهر الطبيعة هي ما نسميه بالحتمية ، وهي ليست معرفة جامدة ثابتة ، بل إنها تتضح اكثر ، وتتحسن وفق كل اكتشاف علمى عظيم ، ففي أيام " ديكارت " ، وبعد أن بدت اكتشافاته في الهندسة التحليلية كانت الدالة الجبرية هي النموذج لهذه المعرفة ، وفي هذه المرحلة كانت كلمات فوكانسن في " أوتوماتا " Automata تبدو كأنها الكلمة الفاصلة في العلوم التطبيقية ، إذ شعر الكثيرون في ذلك الوقت بأن ظواهر الطبيعة مرتبطة بعضها ببعض كما ترتبط الأجزاء المختلفة في الآلة الواحدة .
ولكن هذا الموقف لم يكن نهائيا بالنسبة للبشرية ، فالحتمية الميكانيكية لم تكن إلا مرحلة في تصور الطبيعة وقوانينها ، فإن تقدم العلوم البيولوجية والتاريخية والاجتماعية قد ساعدنا على تكوين فكرة أخصب من الحتمية ، وقد أصبح من الطبيعي ونحن في عصر الطاقة الذرية أن يكون لنا تصور أدق عن المادة والحتمية عما كان عليه في أيام " ديكارت " .
ونحن في هذا ندرك أن الإنسان ليس آلة مسخرة أو صانعا المعجزات ، وأن إرادته ليست شيئا مناقضا للحتمية ، بل على العكس ؛ فالحتمية - بمعنى معرفة العلاقات بين ظواهر الطبعة المختلفة - تغذي هذه الارادة ، فأنا أكثر حرية حين تكون معرفتى عن العالم أحسن من سلفي وحين استطيع أن أقول في تأكيد أكبر : " لا استطيع إلا أن أختار ذلك " .
وقد قال سبنوزا : " أن تكون حرا معناه أن تحمل في باطن نفسك كل الأسباب العاقلة لتصرفك " .
وهذا ما يدفعنا إلى القول بأن الحرية معناها أن تكون أكثر سيطرة على قوي الطبيعة ، على علاقات المجتمع ، وعلى أنفسنا ، ولكن سارتر لا يعترف بهذا كله ، ولا يري في حتى ولو بصيصا من الحقيقة ؛ وباحتقاره للعلم والتاريخ وتجاهلهما فصل ساتر نفسه عن أى خطة للعمل وللكفاح فهو لا يقدم ولا يقبل أي وسيلة فعالة لتغيير الواقع الاجتماعي الذي نشكو منه ، وهو بهذا الموقف سمح لتلاميذه أن تسبح عقولهم في " ذاتية " بلا قوانين وعالم بلا تكوين ، إذ ماذا يبقى من موضوعية هذا العالم إذا أنكرنا قوانينه ؟ .
إن سارتر يرفض بموقفه هذا المذهب المادي للفلسفة ومع ذلك فهو ينكر تشيعه للمذهب المثالي . هنا نري عبث إنشاء " حزب ثالث " بين المادة والمثالية . إذ ما من شك في أن سارتر قد غرق بوجوديته في مثالية محزنة ، وأنه ليس في فلسفته شئ واحد يفتح الطريق أمام أي تصرف أو عمل لتغيير الواقع الاجتماعي الذي نشكو منه . بل على العكس إنها تحاول أن تغلق كل السبل على الكفاح من أجل مجتمع أفضل وسطرة أكبر على الطبيعة ؛ وفي هذا تتمثل رجعية فلسفة سارتر . وفي تمثيلية " الذباب" يصور سارتر قلق بعض المثقفين الذين يبحثون عن شئ حقيقى خارج المعرفة البشرية : " إنني أعيش في الهواء . . إنني أعيش وحدي" . هذه هي صرخة " أورست " الذي يبحث عن " لذة الذهاب إلى مكان ما " إن سارتر لا يستطيع أن ينزع هذا القناع ويخرج من خلف هذه الآمال المجردة إلى عالم الحقيقة والواقع .
كتب سارتر منذ مدة في " أكسبون " يقول : إن تفكيره ليس بعيدا عن التصور الماركسي للانسان وإن آماله هي أن يكمل الماركسية من الناحية الذاتية . ولكن الوجودية لا تكمل الماركسية بل تناقضها . ففي موقفها من الحرية والإرادة ونظرتها المثالية للمعرفة وفي إنكارها للتاريخ وعدم احتفالها بالعلم يتمثل احتقار الوجودية للإنسان .
إنها تجرده من كل سلاح له في كفاحه في سبيل حرية حقيقية ، ألا وهو المعرفة الطبيعية والمعرفة الاجتماعية . ولذا
فهي فلسفة هدم وفناء ، هدفها أن تبشر بالطريق إلي الأنحلال والموت . إنها ليست فكرة تأكيد وخلق وبناء المستقبل ، بل هي فكرة تدمير وتشكيك في الماضي وفي المستقبل معا . وفي هذا يكمن الخطر الحقيقي للفلسفة الوجودية على بعض المثقفين في البلاد العربية . ففي المجتمع العربي حيث لا يزال الكفاح من أجل مجتمع أفضل يتمثل في الكفاح الوطني ضد الاستعمار الأجنبي بما في ذلك نفوذه الاقتصادي والسياسي والعسكري ، تقف الوجودية ( بجانب اتجاهات فكرية اخري ) كفلسفة استعمارية تحاول أن تبعد من الناحية الفعلية مثقفينا عن قضية الكفاح الوطني في المجال الفكري أو السياسي ، وتدفع بهم إلى أبراج عاجية تكون أروع آمال الوجودي فيها تصيد امرأة ماجنة أو البحث عن مشاعر متعفنة في شذوذ جنسي خبيث . . الخ .. ألم يقل كيريلوف : " إذا كان الله ليس له وجود فكل شئ مباح " .
( لندن)

