الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 586 الرجوع إلى "الثقافة"

نظرات فلسفية :, فلسفة العدم

Share

عبثا تحاول أن تعرفنى الوجود أو القدم تعريفا صحيحا . ذلك أن معانى هذه الألفاط - كما قال ابن سينا فى كتاب ما بعد الطبيعة من الشفاء - ترتسم فى النفس ارتساما أوليا لا يحتاج معه إلى تعريفها . وقد قال أرسطو أيضا عن الوجود إنه اكثر الكل كلية ، أو إنه أعم المانى . ولما فيستحيل علينا أن نحده . ومع ذلك ، فإننا إذا قلنا إن هذا الشئ موجود ، فإننا نقصد بذلك أن تثبت صفة إيجابية له ، نستطيع بعدها أن تخلع عليه صفات إيجابية أخرى . وعلى العكس من ذلك ، فإن العدم يفيد النفى . وهذا ما يشهد به اللغويون أنفسهم " فعدمت " الشئ عندهم بمعنى فقدته والعدم أو العدم لديهم هو الفقر . إذا فالوجود شئ والعدم ليس بشئ . الوجود إثبات والعدم نفى . الوجود إيجاب والعدم سلب . هذا ما يشهد به الجميع . ولكن الفلاسفة - شأنهم دائما - أخذوا يقلبون فى معني العدم ، فحساوا له على معنى جديد غير المعنى الذى تواضع الناس عليه . ووصلوا إلى أن العدم لا يكون نفيا وسلبا دائما ، لأنه يحتوى على نوع من الإيجاب والإثبات والوجود ، مع ما فى ذلك من تناقض ظاهرى . وهاك البيان :

فقد فرق شلنج بين نوعين من السكون : بين السكون الذى هو موات وسلب لكل شئ ، وبين السكون الذى ينتج عن تصارع قوتين متضارتين متساويتين . فإذا خضع جسم ما لتأثيرين متساويين فى اتجاهين متضادين ، فإنه لن يتحرك . ولكن حالة السكون التى يكون عليها هذا الجسم تختلف عن حالة السكون التى يكون عليها جسم آخر لم يخضع لأي تأثير . فالسكون الأول نتيجة اصطرع قوى وتأثيرات متساوية أما السكون الثانى فهو عدم وسلب لكل حركة . السكون الأول سكون يسبق العاصفة ، إذ قد تتغلب فى إبانه قوة على قوة ، فيتحرك الجسم . أما السكون الثانى فلا ينذر بشئ .

وبعبارة أخرى : نستطيع أن نقول إن السكون الأول وجود والثانى عدم ، مع أن مظهر الاتنين هو العدم المطلق وهو انتفاء لكل حركة . ومعنى ذلك أن السكون أو العدم الأول يحتوى على الوجود فى باطنه ، أى أن السكون أو العدم الأول ليس انتفاء تاما للحركة ، بل هو عبارة عن حركة كامنة . وهكذا استطعنا أن نجد معنى إيجابيا للسكون أو العدم .

ولكن أحدا لم يستطع أن يتعمق معنى العدم وينفذ إلى قيمة الدور الذى يلعبه فى الوجود مثلا فعل الفلاسفة الوجوديون ، وعلى رأسهم هيدجر وجان بول سارتر ، ولابد لنا من مثال أو مثالين - نعرضهما لتقريب الفكرة إلى الأذهان - قبل أن نعرض لبعض آراء هذين الفيلسوفين فى العدم .

فإذا أردت مثلا أن تتخيل شيئا معينا بالذات ، فما الذى تفعله ؟ عليك أن تلقى من أمامك صورة العالم الواقعى بما فيه من أشياء واقعية ، وبما فيه من الصور الواقعية لهذا الشئ . ثم عليك بعد أن تلغى هذه الصورة المركبة أن تستحضر أمامك الصورة المتخيلة . ومعنى ذلك ، أنه لكى تستحضر أمامك فى الخيال صورة واضحة العالم لشئ ما ، عليك أن تسقط من حسابك صور الأشياء الأخرى التى تكون مرتبطة به. بل عليك أن تسقط من حسابك صورة العالم أجمع .

وبعبارة أخرى : عليك أن تعدم العالم لكى تظفر بصورة واضحة المعالم لهذا الشئ المتخيل . ومعنى ذلك ، أن تخيل شئ سمين لابد أن يسبقه عملية " إعدام "nesntisation  جميع الأشياء الأخرى . وهذا معناه أن العدم أو الإعدام اصبح عنصرا مقوما للوجود ، ولو أن هذا الوجود ليس إلا وجودا متخيلا فحسب

ودعنا من الخيال لنلتقى بحالة واقعية . فإذا فرضنا أنك

دخلت قهوة عامة لتبحث فيها عن صديق ضرب لك موعدا فى مكان معين منها ( وهذا المثال ضربه لنا سارتر فى كتابه " الوجود والعدم" فماذا يحدث ؟ إن القهوة كلها بما فيها من كراسى وموائد وأنوار ورؤاد ومشروبات وأصوات ، كل ذلك يتلاشى أمام ناظريك ، وتتجه بذهنك إلى السكان الذى اعتدت أن تقابل فيه هذا الصديق . أعنى أنك تبدأ بعملية " إعدام " تلغى فيها وجود القهوة بكل ما فيها خلا هذا الركن الذى اعتاد صديقك أن يجلس فيه . ومعنى ذلك أن العدم أو الإعدام يدخل هنا فى تكوين الوجود ، بل ويكون سابقا عليه أيضا . أى أنك لكى تجد ( من الوجود ) صديقك لابد أن يسبق ذلك إعدام ( من العدم ) أو قضاء على كل من وما فى القهوة ، وإسقاطه من الشعور . وإذا فرضنا أنك عندما اتجهت إلي الركن الذى اعتاد صديقك أن يجلس فيه ، ولم تجده . فما الذى يحدث ؟ إنك تعود فتنظر إلى الأشخاص والأشياء التى ألغت وجودها من قبل ،

وتتراوى لك هذه الأشخاص والأشياء فى تلك اللحظة على أنها تعود إلى الوجود من جديد . فإذا لم يجد فيها من تنشده عدت فألغيت وجودها وأسقطتها من حسابك مرة أخرى . وفأ كل هذا ، يدخل العدم أو الإعدام مقوما من مقومات الوجود .

ولترك بعد ذلك الأمثلة جانبا لنعرض لبعض ما قاله هيدجر وسارتر فى العدم .

يقول هيدجر : إن هناك نوعين من الوجود : وجود فى ذاته Das Scinde ووجود لذاته Dasein . أما الوجود الأول فيقصد به وجود الشئ الجامد الصلب الثابت الذى يظل على حالة واحدة لا تتغير . أما الوجود لذاته فهو وجود الإنسان المتغير الذى لا يستقر على حال ربما يتقبل إلى أخرى هو فى المساء غيره فى الصباح ، وهو قادر على إلغاء حالته الأولى ليحل محلها حالة جديدة . وهو من أجل ذلك ، يحتوى فى ذاته على عنصر العدم لأن تغيره هذا معناه إعدام حالة أو القضاء عليها ليستبدل بها حالة أخرى . وحينما أقول:

" أنا موجود " ، فإن وجودى هذا يختلف دون شك عن وجود الجبل الذى لا يريم أمامى مثلا . أتدرى مصدر الاختلاف بين الوجودين ؟ إن الوجود الأول يحتوي على

عنصر العدم ، أما الوجود الثاني فيخلو منه . وهكذا أصبح الوجود فى أعلي درجات (وهو وجود الإنسان) هو ذلك الذى ينطوى علي العدم . ومعنى ذلك أن العدم أصبح له معنى إيجابى ، وأصبح مقوما حقيقيا من مقومات الوجود ؛ لا بل مقوما لأرقى أنواع الوجود .

وواضح أن وجود الإنسان وجود فى ذاته ولذاته معا . أى أنه ذو طبيعة مزدوجة : فهو هذا الإنسان المتغير الذى لا يستقر والذى يعدم حالة من حالاته ليعيش فى حالة أخرى ، وهو من ناحية اخرى ذلك الجسم الجامد المادى . وجسم الإنسان ، على الرغم من أنه يظل دائما غريبا عنه إذ أنه بتحسه كشئ غريب عنه والطريقة عينها التى يمر بيده فيها على أي جسم آخر مثل شجرة أو تمثال ، إلا أنه مع ذلك يؤثر فيه وفى شعوره . ومن أجل ذلك قال سارتر عن الإنسان : إنه ذو طبيعة " لزجة Visqueux" لان من ناحية " جامد " صلب " ويمثل ذلك فيه جسمه المادى ، وهو من ناحية أخرى مرن " مائع " أى متقلب . ويمثل ذلك فيه قدرته الإعدامية ، ووجوده لذاته . وهو يتذبذب دائما بين هذين القطبين . وصفته المميزة دائما هى " اللزوجة La viscosite " التى تجعله جامعا لكونه مرنا عائما متقلبا من ناحية ، وكونه جامدا صلبا لا يتغير من ناحية أخرى .

وقد أدى هذا التصوير الطريف للوجود الإنسانى بسارتر إلى إعادته النظر فى حقيقة من أهم الحقائق الفلسفية وهى حقيقة الكوجيتو الديكارتية التى تقول : " أنا افكر فأنا إذا موجود " . فما هو المقصود من الوجود هنا ؟ هل المقصود به تيار وجودى كله ، مشتملا على وجودى السابق والحاضر والمستقبل ؛ ومعي ذلك أننى ساكون قادرا بمجرد تفكيرى على أن أضع يدى على كل لحظات وجودى ؟ كلا . إن سارتر ينكر هذا إنكارا تاما . ويقرر أن الوجود هنا لا يعنى إلا وجود اللحظة الحاضرة فحسب ، أى الوجود الحاضر الموقوت ليس إلا . فعندما أقول : " أنا إذا موجود " كنتيجة لتفكيرى فى شئ ما ، فإنى أن أفهم من بذلك :

" أنى كنت موجودا قبل ذلك" ولكى سأفهم من وراء ذلك " أنى موجود فعلا الآن فقط " بل وسيتضمن فهمى

لوجودى الحالى إلغاء أو إعدام وجودى الماضى أو السابق . أى أن العبارة " أنا إذا موجود " ستتضمن كذلك اعترافا بقدرتى الإعدامية على إلغاء وجودى الماضى . ومعنى ذلك أن الوجود الذى سأقطن إليه هنا بعد تفكيرى هو "الوجود لذاته" أى الوجود الإعدامى المتغير المتقلب

وليس أدل على ذلك ، أى ليس أدل على أن الوجود فى العبارة الديكارتية الشهيرة لا يفيد إلا الوجود الحاضر الموقوت متضمنا فى ذلك إلغاء أو " إعدام " الوجود السابق من أن " إيروسترات Erosirate "وهو يمثل القاتل فى رواية " الحائط " لسارتر بعد أن قتل ضحيته ، كان بوسعه أن يهرب من البوليس المطارد له أو أن ينتحر . ولكنه لم يفعل ؟ وذلك لأنه " فكر " فكانت نتيجة هذا التفكير أنه فطن إلى وجوده الحاضر فقط . أما وجوده السابق ، وجوده الذس لم يمض عليه إلا لحظات ، وجوده باعتباره قاتلا لم يمض على فتكه بضحيته إلا دقائق معدورات ، فقد أعدمه وأسقطه من حسابه ، وتصور نفسه مخلوفا آخر له وجوده الحاضر الذى يمتد بآمال واسعة إلى مستقبل مشرق ، ولكنه لم يتصور فيه وجوده الماضى أبدا . وهكذا أصبح العدم مقوما للوجود فى أهم حقيقة فلسفية ، وهي حقيقة الكوجينو الديكارتية .

أما موقف الإنسان من الأشياء الخارجية المحيطة به فيصوره لنا سارتر فيما يلى : فهذه الأشياء الموجودة فى منزلى الريفى قائمة هناك لا تريم ، تستقبلنى فيه كلما مروت به مرة فى العام : هذه الساعة ، وهذا الموقد ، وهذه الأرائك ، لم يغير فيها مر السنين . وأسرح الطرف من الناقذة فأرى الجبال والغابات لا تحرك ساكنا ، ولا يبدو عليها أنها تحفل بوجودى فهي قائمة هناك من غير أن يكون لوجودى تأثير عليها . وأحاول أن أفهم عن وجود هذه الأشياء الخارجية شيئا .

ولكني أخفق . ومن ثم يستولى على شعور بالحصر النفسى أو الضيق L’angoisse وسارتر هنا يتأثر كبركيجرد الذى كان أبرع من حلل هذا الشعور عند الإنسان - ثم أحاول بعد ذلك أن ألغى هذه الأشياء التى من حولى ، أى أن أعدم وجودها إعداما ، طالما تغايرنى ولا أمل لى فى أن أفهم من

ماهيتها شيئا ، ومن ثم ، أتجه بفكرى إلى إلغائها . وفى أثناء هذا كله ، أشعر بأن وجود هذه الأشياء الخارجية يثير فى نوعا من النقزز ، بل ويخلف عندى شعورا بالقئ La nausee( وهذا عنوان لأحد كتب ساتر ) . وهذا تعبير قوى قد لا يوافق عليه الذوق العام ويشمئز منه .

وما أكثر تعبيرات سارتر التى لا يوافقه عليها الذوق ، بل وحتى تلك التى لا تتمشى مع الأخلاق ؛ ولكنه يصور على كل حال هذا البأس الذى يملك على الإنسان حسه وكيانه وشعوره كله عندما يجد نفسه محاطا بأشياء كثيرة . لا يدري عنها شيئا ، ويمر ببصره سريعا على هذه الأشياء جميعها فلا يكاد يعى منها شيئا ، اللهم إلا أنها قائمة هناك ، وعلى الرغم منه ، وسواء أراد أم لم يرد .

وقد شغف سارتر بالعدم وأنزله من نفسه الكان الأول ، حتى جعل منه أو من الخلاء le vide وهو عكس الملاء le plein - مساويا للحرية . فالأشياء قائمة فى الخارج ، جامدة ، صلبة ، " ملاء " فى " ملاء " ليس بينى وبينها سبب ، ويقابلها الأنا أو الشعور ، وهو الخلاء المطلق الذى لايحتوى على شيء ، وليست لديه معرفة بالأشياء الخارجية ، ولا حتى بجسمه المادى الذى يتقمصه . ومن أجل ذلك ، فإن بطل رواية " النسبى "Le Sursis - ونستطيع أن نترجمها أيضا " فى مفترق الطرق " -

ينظر إلى الأشياء وإلى يديه فيروعه مقدار ما يفصله عن العالم بأسره ؛ ومع ذلك فإنه يستنتج من عزلته تلك عن العالم كله أنه حر . " كل شئ قائم فى الخارج . . أما فى باطنى ، فليس هناك من شئ ، ولا أثر لشئ . بل قل إنه ليس هناك باطن على الإطلاق . وليس ثمة شئ . والأنا هو لا شئ . ومع ذلك ، فأنا حر . . لست شيئا ، ولست مستحوذا على شىء . فأنا مقيد بالعالم مرتبط به ارتباط الشمس والضوء به ؟ ومع ذلك فانا " مبتعد " عنه ، كضوء الشمس الذى يتسرب إلى الأحجار والماء وينساب من تحتها دون أن يعلق به شئ ، أو ينشب فيه شئ وأنا حر مع ذلك . والحرية هى النفى الذى كتب على فيه أن أكون حرا " .

ولا يخفى أن سارتر هنا قد قال بمعنى جديد للحرية فمن المعروف فى علم الأخلاق أن الحرية هى قدرة الشخص على التأثير فى الظروف الخارجية وإخضاعها له . أما الحرية عند سارتر فليست تتعلق مطلقا بموقف الشخص من العالم الخارجى أو من الظروف المحيطة ، بل تتعلق بموقف الإنسان من نفسه ومن حياته الباطنة . فالإنسان الحر عند سارتر هو ذلك الذى يستطيع أن يعزل نفسه عن العالم ،

ويعيش فى عالمه الباطنى ؛ هو ذلك الذى يستطيع أن يلغى العالم الأكبر ليعيش فى العالم الأصغر وحده . ولكن حياته فى عالمه الباطنى لن تكون حياة على وتيرة واحدة ! وإلا لما كان حرا أبدا ، بل ستكون حياة متجددة " الأحوال " متدفقة التيارات . وسيكون فيها الإنسان مستغلا " قدرته الإعدامية " إلى أقصى حد . ولكن كل ذلك سيكون بينه وبين نفسه . ومن أجل ذلك ، فالقضاء على الحريات بالمعنى العادى المألوف لهذه الكلمة ، وعزل الإنسان عن كل ما فى العالم الخارجى ، يتيح له - فى رأى سارتر - أن يحيا فى باطنه حياة متجددة غنية إعدامية متقلبة . وهذا كله يجعل منه إنسانا حرا كما ينبغى . ولذلك نظر سارتر إلى فترة الاحتلال الألمانى لفرنسا عقب دخول الألمان فيها ، باعتبارها الفترة التى أتاحت للفرنسيين قدرا من الحرية لم يتح لهم من قبل . لأنها هى الفترة التى لم يسمح فيها للفرنسيين بأي نوع من الاتصال الخارجى ؛ ومن ثم عكفوا على ذواتهم يغيرون من أحوالها فى كل آن ما شاء الله لهم أن يغيروا فيها ، ويعدمون اليوم ما رضوا عنه بالأمس .

وتلك هى الحرية عند سارتر . وهكذا استطعنا أن نظفر بمعنى جديد للحرية كان الفضل فى العثور عليه هى تلك " القدرة الإعدامية " التى اكتشفناها فى الإنسان ، وهى تتمثل هنا فى إعدام الأشياء والظروف الخارجية كلها حتى يخلو الشخص إلى نفسه وينطوى على ذاته بكليته ، حتى إذا ما تم له ذلك غير من أحواله الذاتية وبدل ، وأصبحت حياته الباطنية بذلك سلسلة من أعمال الهدم والبناء والولادة والإعدام .

وقد سيطرت فكرة العدم على سارتر فى القصة ومنهجه فيها أيضا . فالروائيون عند سارتر طائفتان : فمنهم من يكتفى بعرض تاريخى لحياة بطله ، تأخذ فيه الحوادث بعضها برقاب بعض ، ويكتفى فيه المؤلف بعرض " الماضى " من حياة بطله . بيد أن هذا الماضى لن يكون حبا بحال من الأحوال ، بل سيكون جامدا مقفلا لا حياة فيه . ولن يختلف عن الوجود فى ذاته الذى سبق أن أشرنا إليه . وقد رأينا أنه وجود لا يمثل الوجود الحقيقى الحى المتغير الإعدامى فى الإنسان . ومنهم من يتخذ موقفا آخر جديرا بالاعتبار حقا فى نظر سارتر ؛ فهم يصورون من الإنسان " الوجود لذاته الكامن فيه ، وجوده المتقلب الإعدامى الذى لا يخضع للترتيب المنطقى ولا يدين بالتسلسل العقلى . وهم لا يسردون " ماضى " البطل كما يفعل أفراد الطائفة الأولى ، بل بصورون حاضره ؟ والمقصود هنا بالحاضر لا حاضره المادى ،

بل حاضره الروحى الملىء الخصب الذى يعج دائما بمشروعات المستقبل . وعلى ذلك فهؤلاء الروائيون يصورون الحاضر والمستقبل معا ، لأن الحاضر لا يكون موجودا إلا إذا كان مقدمة للمستقبل . ومن أجل ذلك فإن المحكوم عليه بالإعدام فى رواية " الحائط " لسارتر يرى نفسه فى الليلة السابقة على الحكم بالإعدام عليه أنه ميت فعلا . وذلك لأن مستقبله قد قضى عليه وأصبح مقفلا . فالحاضر الحصب المتنافض الذى ينتقل بسرعة من حالة إلى حالة أخرى ، ويعدم فى طريقه حالات ليواجه حالات جديدة أخرى ، ويكون مبشرا فى ذلك كله بمشروعات المستقبل - هذا الحاضر هو الذى يصوره لنا سارتر فى قصصه ورواياته .

هل من شك بعد ذلك فى أن العدم أصبح مقوما حقيقيا من مقومات الوجود ؟ إن كنت ما زلت فى شك من هذا ، فعليك أيها القارئ يكتب سارتر ورواياته . فاقرأها لتقتنع إن لم يكن قد أقنعك عرضى الخاطف لبعض آراء هذا الفيلسوف .

اشترك في نشرتنا البريدية