من مأثر لجنة التأليف والترجمة والنشر طبع كتاب " التصوير عدد العرب " للعلامة السيد أحمد باشا تيمور ، مع دراسات فنية وتعاليق باقمة ألحقها به الدكتور حسن. وقد قرابا الاصل والملاحيق وتبين لنا منهما اعلم الواسع والاستقصاء الجميل ، إلا انتار بثننا عن الاستمرار فى القراءة واستدامنها أمور قليلة ، رأينا فيها ما يستوجب التلبث والتمكث، ثم استمررنا أدراجنا حتى آخر الكتاب وإنما لراءون من غيرة "لجنة التأليف " على الثقافة أن ننشر أقوالنا في تلك الربائث ، وإنها لأرحب صدرا من أن يضيق بملحوظات بعثنا على نشرها خدمة الثقافة نفسها فنقول أولا لإتمام بحث كتبناه فى هذا الموضوع :
إن أول كلة " مصور " رأيناها أطلقت على إنسان معالج الفن التصوير،هي التي وردت في ترجمة ابن البواب الخطاط الكاتب المشهور ؛ وكان مستعملها من مؤرخى القرن السابع للهجرة وأوائل الثامن ، وهو أبو الفضل كمال الدين عبد الرزاق بن احمد الشبياني المعروف بابن الفوطي فقد قال في ترجمة ابن البواب المذكور في كتابه الموسوم بتلخيص مجمع الأداب المرتب على معجم الأسماء فى معجم الألقاب ، ما هذا بعضه : " فلم الله في أرضه : أبو الحسن على بن هلال بن عبد العزيز البغدادى الواعظ المترسل الكاتب ، واضع الخط . كان قبل الكتابة مصورا للدور ، ثم صور الكتب . وكانت وفاته في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة . وإلى الأن سنة ثلاث عشرة وسبعمائة لم يلحق أحد شأوه وهيهات " .
هذا الاستعمال لكلمة " المصور " يدل على نوع من الحرية الدينية في عهد الغول بالعراق . وهي تراخي الدولة
في مراعاة " الحسية " المبنية على الشريعة الإسلامية وآدابها . والمعنيون بالتاريخ يذكرون خير النزاع الذي جري بين أمير المؤمنين القائم بأمر الله العباسي ، وأبي نصر ابن أبى كالبحار أخر ملوك بنى يويه ببغداد ، من جراء تلقيه بالرحم : اسم من الأسماء الحسنى . وذكر ابن الفوطى من المصورين رجلا تركي الأصل صوفيا ، قال في باب الملقبين بعز الدين : " عز الدين أبو محمد الحسن بن عبد الله ابن إبراهيم الرومى، نزيل بغداد الفقير ، كان من الفقراء المجردين والزهاد المنقطعين ، وكان قليل المخالطة للناس ، مقبلا على شأنه ؛ استوطن بغداد إلي أن مات بها في شوال سنة تسع وتسعين وستمائة ، وكان أوحد عصره في صناعة النقش ، واستدعي من بغداد إلي أذربيجان لتصوير الحيطان في عمارة السلطان " وإن الباحث ليعجب من مقدرة عز الدين الرومى في فن النقش والتزويق والتدهين والتلوين والتزوير والتصوير ، بحيث استدعى من بغداد إلي بلاد العجم ، وهي مباءة أهل الفنون ، ومثابة البارعين في الصناعات ، ليصور حيطان ترية غازان وما حولها من مدارس وخانقاء ومرافق ! إنها البراعة لا غير .
وذكر المؤرخ نفسه نسخة من كتاب " شاهنامه " مصورة منظومة نظما جديدا ، صنعها أبو الفضل أحمد بن بنجير الكازرو في الملقب بالقانع الشاعر ، ونزيل بلاد الروم ، فقد نظمها من أولها إلى آخرها ؛ وتخلص في اخر ترجمة كل شاء بذكر السلطان هولا كو ومديحه ، وعرضها بحضرته في سنة " ٦٦٠ ه =١١٦١ م " فأمر بان تقرر له مشاعرة وافية وجامكية وافرة . قال كمال الدين بن الفوطى : " ورأيت هذه النسخة في ثلاث مجلدات قطع النصف وقد صورها وهي بخزانة كتب الرصد " .
والآن نبدأ بذكر ملحوظاتنا التي لحظناها في كتاب " التصوير عن العرب " واستوجبت منا التعقيب :
1- جاء في ص ٧ من الكتاب : " ومنها دار
رضوان ، وفيها يقول الرشيد عماد الدين عبد الرحمن بن النابلسى " وفي قوله " الرشيد عماد الدين " غلط ، فإنه اشتهر بلقب " رشيد الدين " ولم يلقبه أحد " عماد الدين " ، ولا اختلف مؤرخان فى لقبه . والألف واللام في " الرشيد " عوض من " الدين " كما قالوا " الفخر الرازي " و المسلم البرزالي " لفخر الدين وعلم الدين . قال ابن شاكر الكتبى: " عبد الرحمن بن بدر بن الحسن ابن الفرج بن بكسار ، رشيد الدين النابلسى الشاعر المجيد . . . وكانت وفاة الرشيد في شهور ستة تسع عشرة وستمائة ..." وقال الذهي في تاريخ الإسلام : " عبد الرحمن بن بدر بن الحسن بن مفرج : رشيد الدين النابلسى الملقب بمذلويه ، سمع مقامات الحريري . ."
٣ - وجاء في ص ٣١ من الكتاب : " . . وجد لجعفر ابن يحيى بعد قتله بركة في داره التى فى سويقة جعفر ، فيها أربعة آلاف دينار ، وزن كل دينار مائة دينار ودينار ، وعلي كل دينار من أحد جانبيه :
وأصغر من ضرب دار الملوك يلوح على وجهه جعفر
ومن الجانب الآخر :
يزيد على مائة واحدا أذا ناله معسر ييسر
ولا تدري إن كان المراد صورته أم اسمه ؟ " ا ه
وقال مصلح الكتاب ومخرجه في ص ١٧٠ منه : " ويرجح عندنا ان المراد اسم جعفر لا صورته . انظر كتاب النقود العربية ، وعلم النعيات للكرملي ص ١٢٣ " ا ه . وقد نظرنا في الكتاب الذي اشار إليه فلم نجد مناسبة بين ما رجح واسترجح ، والذي أحال عليه ، لأن كتاب النقود احتوى على الأسماء المكتوبة على النقود الباقية المعروفة من عهد الرشيد ووجود الاسم لا ينفي وجود الصورة ، وإن لم يعثر الباحثون على دينار مصور من تلك الدنانير لاسباب سنذ كرها ؛ فقد حدث محمد بن عمران بن يحيى بن خالد قال : امر جعفر بن يحيى بن خالد ان تضرب دنانير في كل
دينار ثلاثمائة مثقال وبصور عليها صورة وجهه ، فضربت ؛ فبلغ أيا العتاهية ، فأخذ طبقا فوضع عليه بعض الالطاف فوجه به إلى جعفر ، وكتب إليه رقعة في اخرها بيتان من الشعر - وذكر البيتين - وفي الشطر الأول من البيت الثاني " ثلاث مثين يكن وزنه " ، لان اختلاف الوزن أدى إلى اختلاف الكلمات . قال : فأمر بقبض ما على الطبق ، وصير عليه دينارا من تلك الدنانير ورده إليه " . فالخبر هذا مثبت لذلك الخبر ، ، ومؤكد أن صورة جعفر البرمكى كانت مصورة على تلك الدنانير العظيمة الوزن والسعة بالإضافة إلى دنانير العادة ، حتى لقد احتاج أبو العتاهية أن يهئ طبقا بتخذه مهدي ويرسل به إلي جعفر ، ليأمن على الدينار الواسع الاقطار ، من البروز والإنكشاف ؛ ومثل هذا الدينار لا يؤمل ان يعثر عليه اليوم ، لأنه صعب الخزن وقليل الأشياء في أوليته ، فهو من دنانير الأفراح والأعياد ، ، بذاب يباع بالمثاقيل بعد ضربه .
د - وجاء في ص ٧٧ وصف للساعة المائية التي كانت في إيوان الساعات مقابل المدرسة المستنصرية ببغداد ، قال . " رأينا وصفها في حوادث سنة ٦٣٣ من جزء قديم في التاريخ عندنا لم نعلم اسمه ولا اسم مؤلفه . ونص عبارته ..." قلنا : هو كتاب (الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة ( إكمال الدين عبد الرزاق المعروف بابن الفوطى ، مؤرخ العراق في عصره على الإطلاق ، ونحن قمنا باصلاحه والإشراف على طبعه بنفقة احد المتجرين بالكتب ، واتخذته لجنة إصلاح ( النجوم الزاهرة ) مرجعا للتحقيق ، وذلك لعظيم فوائده وقريد أخباره ، وهو الكتاب الذي اشار إليه مؤلف (التصوير عند العرب ) قبل هذا في ص ٥٣ منه . فأما الخبر الأول فقد جاء في ص ٣٠٣ من المطبوع ، وأما الخبر الثاني في ص ٨٢-٣ منه . ومما ورد في ص ٧٧ التى علقنا هذا الكلام على ما فيها ، هذه الجملة : " ثم تطلع أقمار من ذهب
في سماء لازوردية في ذلك الفلك ، مع طلوع الشمس الحقيقية " والصواب : (ثم تطلع شموس ) ، لأن الشموس الصناعية تطلع مع الشمس الحقيقية أما الأقمار فقد قال المؤرخ فيها : " فإذا جاء الليل فهناك أقمار طالعة من ضوء خلفها " وقد أصلحنا نحن الغلطة فى المطبوع قال المؤرخ عبد الرحمن الإربلى في وصف هذه الساعة : " وتطلع شموس من ذهب في سماء زرقاء في ذلك الفلك مع طلوع الشمس ، تدور مع دورانها وتغيب مع غيبوبتها ، فإذا غابت الشمس وجاء الليل ، فهناك اقمار طالعة من صوء خلفها . . " فهذا تأكيد تاريخي أوردناه بعد القول العقلي .
٤ - وجاء فى صفحة ١٣٦ وهو من التعاليق والملاحيق قول المصلح الفاضل في الصور والتماثيل التي كان الناس يستندون إليها قدرة محدودة " كالحبات المنفوشة على قلمة حلب وفي باب الطلسم ببغداد ، وكانت اقامه المنصور على رأس القبة الخضراء ..." وأحال في الحاشية علي معجم البلدان لياقوت ، وتاريخ بغداد للخطيب ، والدر المنتخب لابن الشحنة . وكان حربا أن يحيل - بادئ ذي بدء - على كلام المؤلف ، فقد ذكر ، في ص ٥٢-٣ من الكتاب ، ونقل تفنيد بأقوت لمثل هذه الأباطيل . اما باب الطلسم ببغداد ، اعني الباب المعروف قديما يباب الحلية ، وقد تسفه الاتراك في شهر ادار من سنة ١٩١٧ فلم يعرف عن الخليفة الذي أمر بينائه أدنى ركون إلي السحر وأقل تصديق به .
5 وجاء في ص ١٦٢ من الملاحيق أيضا : " انظر إلى مقالنا عن المشكاوات الزجاجية في عصر المماليك " وفي هذه الجملة ثلاث غلطات ، تذكرها على سبيل التمثيل بأن نقول : الصواب " فى المتكيات الزجاج " وفى ص ٥٤ : " الصور الخشب " (1) وهو الصواب .
٦ - وورد في ص ٢٠٢ : " السلطان السلجوقي " محمود بن ملكشاء " والصواب : " محمود بن محمد بن ملكشاء " وسبب ذلك انه ذكر مع اسم هذا السلطان سنة " 521 " وهي من عهده ، وقد توفي سنة ٥٢٥ ه ؛ أما محمود بن ملكشاه فلا صلة له بهذا العصر ، لأنه سلطن وعمر ، اربع سنوات وأشهر سنة ٤٨٥ ، وتوفى بعد أن بقى في عهد اضطراب سنتين وأشهرا .
٧ - وورد في ص ٢٣٢ : " فإن اقدم مثال مؤرخ من هذا الرنك موجود على باب حران في مدينة الرها ، ويرجع إلي الملك المظفر شهاب الدين غازي ، الذي حكم الرها من سنة 608 إلي سنة ٦١٧ ه " . قلت : وقد أحال في الحاشية على كتاب ، ولكننا شككنا في التاريخ حينما قرأناه ، والصواب إلى سنة ٤٦٤ ه مكان سنة ٦١٧ . قال المغريزى فى وفيات سنة ٦٤٦ ه ما هذا نصه : " وفيها مات الملك المظفر شهاب الدين نازي بن العادل أبى بكر بن ابوب صاحب الرها ، وقام من بعده ابنه الكامل محمد في سلطنة الرها وميا فارقين " .
ومن الثابت هو أن الملك المظفر حكم في تلك النواحي إلى أن مات وهو على الحكم ، فما الذي دعا إلي اختيار سنة " ٦١٧ " غاية لحكمه ؟
٨ - وورد في ص ٢٣٤ شرح لصورة أبى زيد السروجي وجمله التي وجدت في مخطوط باريس ، قول الشارح : وهذا المخطوط أبدع المخطوطات المصورة التى تعرفها من مدرسة التصور السلجوقية في العراق . . " . واحال على كتاب نشرته دار الكتب الوطنية بباريس ، وكتاب لميجون ، وثالث لبلوشه ، ورابع لمارتن ؟ فإن كان الشارح الفاضل شابع هؤلاء ، فإن ذلك لا ينقص عجبنا بل يزيده ، لان الصورة مؤرخة بسنة " ٦٣٤ " ه . أي " ١٢٣٧ " م ، فأي سلجفة بقيت في تلك الآزمان ؟
اجل انقرضت الدولة السلجوفية من العراق سنة " 547" ه انقرضا كاملا ، وبقيت آثار لها ودماء بلاد العجم حتى سنة " 590" ه فاستؤصلت ، فكيف كانت المدرسة سلجوقية ؟ والصحيح ان هذا من طبقة الصور العباسية ، أى المدرسة العباسية . إن حازلنا النصير بالدرسة ، وليس هنالك - وهي الطبقة التى ابتدات من خلافة امير المؤمنين إبى العباس الناصر لدين الله الشافعي والمختصون بهذا الفن يعلمون أمر صورة الرجل التى كانت فوق باب الطلتم ، بين تعبانين ، وان الكل بني ستة ٦١٨ ه بامر هذا الخليفة الهمام ، ، فهي إذن طبقة الرسوم العباسية الناصرية ، ولا وجه لتسميتها باسم خيالي مخالف للتاريخ .
٩ - ونختم كلمتنا بالإشارة إلى تساهل الشارج الفاضل في ترجمة " الكلمات الفنية " فقد ورد في الشكل
ذي الرقم (32) مقابل الصفحة (258) ما هذا بعضه : " تمثال خنزير من الخزق ذى الدهان الأزرق " ، والعرب سمت هذا أهل اللغة : الحاشم : الحرف الأخضر ، وقال الأصمعى : قال أهل اللغة : الخائتم : والحرف الأحضر ، وقال الأصمي : كل حرف ختم " . وهذا يفيد أن الحشم يشمل ذا اللونين لتقاربهما . وفي ص 246: " وبينهما حاجز شرفة بارزة (بلكون ) . " والعرب سميت مثل ذلك بالجناح والروشن . وللاجنحة اي البلكونات أحكام في الحسبة : قال الماردي في الأحكام السلطانية : " وهكذا القول في إخراج الأجنحة و الأسيطة و .. يقر ما لايضر ويمنع ما ضر " أما الشرف والشرفات فتكون كالأسنان على السطوح .
(بغداد)
