يحب الانجليز بلادهم حبا لا يقل عن حب الفرنسيين أو الألمان أو الايطاليين أو أي قوم آخرين أوطانهم ، ولكن طريقة الانجليز في التعبير عن ذلك الحب تخالف طريقة سواهم فأدبهم لا يفيض كما يفيض الأدب الأيطالي أو الفرنسي مثلا بتمجيد الوطن تمجيدا حربيا ، والتفاخر بانتصاراته في الحروب ، رغم ما أحرز الانجليز من نصر في الشرق والغرب ، وفي البر والبحر . ولا يمتلئ الأدب الانجليزي بالتباهي بالماضي والتطاول بالتاريخ الحافل ، كما يتباهي الإيطاليون مثلا بتاريخ الدولة الرومانية . ولا يخلو الأدب الانجليزي من ذلك الفخر الحربي أو السياسي أو القومي ولكنه قليل متفرق .
إنما يظهر حب الانجليز لبلادهم ويتجلي في أدبهم على صورة وديعة متواضعة ، هي مع ذلك أعمق شعورا وأغزر عاطفة وأسمى دلالة . تلك هي عشقهم لمظاهر الطبيعة الانجليزية وتصويرهم لمفاتن الريف الانجليزي ، فالريف الانجليزي يحظي في الشعر والنثر بجانب عظيم من الاحتفال ، ويحتل منزلة رفيعة ، والطبيعة أوسع أبواب القول في الشعر الإنجليزي ، وإليها هرع كل شاعر أثقلته هموم الحياة ، أو خابت آماله ، أو انهارت مثله العليا ، فلم ير غير الطبيعة مفزعا ، ولا غير وصف محاسنها عزاء ، ومن أكبر قصصى انجلترا المحدثين ، الذين اتخذوا الريف مسرحا
لقصصهم دون المدن ، ووشوا قصصهم ببدائع أوصاف الطبيعة " ماري وب " التي رسمت أجمل الصور للريف في مقاطعة شروبشر .
ولدت ماري وب " في بعض قي مقاطعة شروبشر علي مقربة من حدود ويلز سنة ١٨٨١ ، وقد انحدرت أسرتها من أصل ويلزي ، وكان أبوها طبيبا حسن الحال ، كان هو وزوجه موضع محبة أهل القرية ، لما كانا يتصفان به من
حسن العشرة ، وحب الخير ، وعمل البر ، وهي خصال ورثتها عنهما ابنتهما " ماري وب " التي كانت تحبهما حبا جما ، كما ورثت عن أبيها حبه الأدب ، فقد كان ينظم الشعر الفكاهي في الأعياد والهنئات ، وقلدته ابنته في ذلك ، ولم نزل طفلة لاعبة ، وتلقت علومها في الدار على يد مربية ، ثم في المدرسة ، وكانت مقبلة علي الدرس أشد إقبال ، محبة للغات والآداب خاصة .
وكانت تحب قصص شكسبير فوق كل ما عداها ، كما قرأت في طفولتها أشعار شاعر مقاطعتها " هاوسمن " المجموعة في ديوان صغير يدعي " غلام شروبشر " ، فكان هذان هما العاملان الأكبران في توجيه شاعريتها . أما في عالم القصة فقد كانت تعجب أشد الإعجاب بقصص معاصرها هاردي ، وبه تأثر كثير من قصصها ، وللإعراب عن إعجابها به أهدت إليه إحدي قصصها بعد استئذانه ، هذا إلي أمها ظلت حياتها تعاود قراءة الإنجيل ، شأن كل أديب انجليزي محيد حريص على حسن البصر بلغته .
وفيما عدا هذه الدراسة الخصبة الممتعة ، وذلك الوسط البيني الملائم لنمو خير الملكات ونضح أجمل الخصال والميول ، تأثرت ماري بالحياة الريفية المحيطة بها أعمق تأثر ، حتى غدت تلك البيئة الريفية في شروبشر مادة حياتها روحا وجسما
كانت ماري فتاة ضئيلة البنية مرهفة الشعور متوقدة الذكاء مستوفزة النشاط ، وكانت منذ طفولتها تحب الأشجار والأزهار حبا جما ، تنهض مبكرة وتخرج إلى الحقول لتجلس في الأعشاب تراقب تفتح البراعم . وقد ظل هذا الحب للزهور إحدي ميزات قصصها الواضحة ، كما كانت تفيض عطفا على الحيوان من غنم وبقر ونحل وطيور . وهذه ميزة أخري من مزاياها في قصصها ، كما كانت على شديد حيائها محبة للريفين تتخذ منهم أصدقاء كثيرين ، وقد صورت أصدقاءها منهم في قصصها أدق تصوير . وكانت فيما بعد
إذا طافت في دروب القرية مع زائر من زوارها تشير إلي كل شخص من أولئك الريفيين وتخبره بموضعه من قصصها .
ومما زاد ماري رهافة شعور وحبا للطبيعة وعطفا على الأحياء ، مرض أصابها في صباها فأقعدها عن الحركه وهي التي تستوفز نشاطا ودأ ، وظلت طريق الفراش زمنا طويلا محرومة من لقاء الناس والخروج والنزهة ، اللهم إلا الجلوس في النافذة في الأصباح الصاحية ، والتطلع إلي قلاع شروبشر الجميلة ووديانها وأشجارها وحقولها الممتدة إلي الأفق البعيد .
في هذه الوحدة اشتد شعور الفتاة تيقظا وفكرها تفتحا وصلتها بالطبيعة توشجا ، فبدأت في علتها هذه وفي عهد نقاهتها تنظم الشعر وتكتب المقالات تكون فيها فلسفتها عن الحياة ، ولم تكن قد التفتت إلي القصة بعد ، فأما مقالاتها فكانت من أوائل ما نشرت ، وكانت مجموعة باسم " ينيو ع السرور " ولم تعاود المقالة بعدها ، وخلاصة فلسفتها تلك أن الامتزاج بالطبيعة هو سبيل السعادة الصحيحة ، وهذا أيضا جماع الفلسفة التي يمكن استخلاصها من قصائدها . وقد بلغت بعض تلك القصائد درجة عالية من الكمال ، حتى إن الشاعر دلامار استأذنها في نشر اثنين منها أو ثلاث في ديوان مختار من الشعر الحديث أصدره .
ولم تكن ماري في طفولتها وصباها - برغم ميلها إلي الأدب - بالمنعزلة عن أترابها أو المتجافية عن أسباب حبورهم ، بل كانت تشارك بنشاطها المتدفق في ألعابهم ومناسبات غبطتهم . وكثيرا ما قامت بتنظيم حملات التمثيل والاستعراض بين إخوتها الخمسة الذين كانوا يصغرونها ، كما كانت تدور في عيد الميلاد توزع الهدايا علي أطفال الجيرة ، وكما أنها بعد انقطاعها عن المدرسة تولت
تعليم إخونها حتي أقعدتها العلة عن ذلك .
ولما بلغت ماري الحادية والثلاثين قابلت شابا من أبناء شروبشر قد نال درجته الجامعية واحترف التدريس وتوثق بينهما الحب وتزوجا ، وظلا مقيمين في نفس المقاطعة التي لم تكن ماري تطيق فراقها وإن تنقل أبواها في صغرها بين عدد من قلااها . وفازت ماري في حبابها الزوجية التي دامت خمس عشرة سنة ، بأوفر سعادة ، وإلى زوجها اهدت أولى رواياتها واخراها . وعقب زواجها مباشرة التفتت إلي القصة ، ولم تكن قد عالجتها بعد ، وإنما كانت منصرفة إلي الشعر تقرضه من حين إلى آخر ، وكان نفسها القلقة قد هدأت واستقرت بالزواج والتفتت إلي الماضي في هدوء ووثوق تستوعب حقائقه وتستثير كنوزه .
وكانت حياتها الزوجية هادئة ساكنة خلوا من التقلبات ، إلا فترة ضيق مادي وروحي عبرت بها زمن الحرب الكبرى : فقد شعرت ماري إزاء تلك الحرب يمثل ما شعر به كل امرئ رقيق الشعور من كراهية واستبشاع ، وقد زاد ماري حرجا بها أن ثلاثة من إخوتها انخرطوا في سلكها وغادروا انجلترا ، كما أصاب زوجها عسرمالي ، حتى اضطرا إلي التحول عن مسكنهما الجميل إلي آخر متواضع ، وأخيرا اضطرت ماري إلي إطراح القلم جانبا ، ولم يكن قد عاد عليها بعد بأدنى ريح مالي ، ومعاونة زوجها في كسب قوتهما ، فكانا ينهضان مبكرين كل صباح فيجمعان زهور حديقتهما وفاكهتها وتحملها ماري مدى أميال إلي سوق الجهة ، فتتولي بيعها سراة يومها وتعود في المساء لم تكسب أكثر من شتلتات تعد علي الأصابع ، ولكنها تعود مغتبطة راضية ؛ مغتبطة بشعورها بلذة العمل من أجل الحياة ، مقتبطة بتجاربها العملية في تلك التجارة ، تلك التجارب التي خلدتها في قصيدتها " يوم السوق " واتخذت منها مادة لبعض قصصها .
وسرعان ما تحسنت حالهما ، حتى استطاعا أن يبنيا بيتا جميلا سمياء " كوخ الينبوع " . وفيما عدا تلك الشدة العارضة كانت حياة ماري كما تقدم القول رخية وادعة ، فتأتي لها أن تتوافر على الكتابة كما تحب ، وقد كانت إذا التفتت إليها أكبت عليها بجلد عجيب ! تكتب في الدار وفي القطار وحيثما وانتها الفرصة ، وكانت أفكارها تسابق قلمها ، وكانت كلما أسرعت في الكتابة كانت كتابتها أجود ، فاستطاعت في سنوات معدودة ان يخرج عددا طيبا من القصص المحكمة ، كل منها تتقدم على سابقاتها جودة وإحكاما بإطراد
تدور قصص " ماري وب " جميعا في الريف في إقليم شروب ، ذي المناظر الممتازة واللهجة الممتازة ، وتصور الحياة التي دبت فيها ماري منذ نعومتها والأشخاص الذين عرفتهم ماري منذ صغرها ، وتتماثل قصصها جميعا في الهيكل العام : فالقصة عادة ذات تصميم مفرد ، فيها زوجان من العشاق ، بين الزوج الأول حب طاهر عفيف مستقيم حسن المغبة ، وبين الزوج الثاني حب علي دخل غير مخلص من احد الجانبين أوكلبهما ، يسير في النهاية إلي الدمار وتخلع المؤلفة على فتاة الحب النفي السليم العفي ، من الخصال ما كانت تعهد في نفسها في صدر شيامها من الإخلاص والنقاء وقصد الخير وهلم جرا .
بل إن الأشخاص في رواياتها هم هم لم يتجددوا وإنما تراهم وقد تطوروا : زادوا في مخيلة الكاتبة على عمر الزمن وضوحا ، وزادت شخصياتهم قوة ، وزادت الكاتبة مضاء في تصويرهم وتحليلهم
وصفحات كل قصة فياضة بالوصف الطبيعي الممتع ومن القصصين من يبدأ الفصل من فصول قصته بوصف النظر الذي سيكون مسرحا للوقائع ، ثم يغفل الطبيعة بعد ذلك إغفالا تاما ، ويتوافر علي سرد الحوادث ، أما " ماري وب "
فتمزج وصف الطبيعة بوصف الأشخاص بذكر الحوادث بسرد المحادثات مزجا طبيعيا شائقا ، ولا تبرح صورها الطبيعية تتوالى فلا تنفد ، ولاغرو فإنما كانت " ماري وب " تصف ما نشأت وسطه من المناظر وما صحبته طول حياتها من الظواهر وما استوعبته في أيام عليها ووحدتها من المشاعر . ومن دقيق تلك المشاعري وعميق تلك التأملات قولها في رائحة القمح " أي رائحة تماثلها ؟ إن فيها لما يقوف جميع الروائح : فيها الصيف وفيها الصقيع ، وفيها الماء ، كما فيها قلب الحجر الذي امتصه القمح في سبقانه الحوفاء ، وفيها الخبز والحياة للإنسان والحيوان" .
وكما تفيض قصص " ماري وب " حبا للنبات والزهر تسيل حدبا علي الحيوان والطير ، لا ينقطع ذكر الحيوان في قصصها والرحمة له والتفجع لمظاهر قسوة القاسين عليه . والعطف على الحيوان من أظهر مزايا الأدب الإنجليزي لاسيما الحديث منه . والشعب الإنجليزي عامة مشهور يحبه للكلاب والقطط ، وكثير من ادبائه عرفوا بحدبهم الشديد على تلك العجماوات : يروي عن القصصي ستيفنسون أنه مر برجل غليظ القلب يعذب كلبه ، فاعترض عليه محنقا ، فاستنكر الرجل تدخله بينه وبين كلبه ، فقال ستيفنسون : " ليس هذا كلبك إنما هو كلب الله ، وأنا أتصدى لحمايته !"
لا تكاد ماري وب " تبدأ أولى قصصها " السهم الذهي ؟ وتأخذ في وصف أناستها حتى تتعرض لشؤون الحيوان ، فتذكر كيف أن أحد أشخاص الرواية ، وهو رجل فظ غليظ يدفع الغنم بعيدا بعصاه ، فيطلب إليه الآخر ألا يعنف عليها قائلا : إن حب تلك الغنم له أحب إليه من العثور على كنز ثمين . ولا تكاد تمضي صفحة بعد ذلك حتى تري امرأة تعرب عن حبها لتلك البهائم قائلة إنها لا تفرق بين إنجابها ولنا وبين إحضارها إلي الوجود حملا وديعا ، قائلة إن لدى تلك العجماوات من المودة
والحنان ما يعوز كثيرا من الآدميين :
وفي شتي قصصها تذكر "ماري وب " كيف أن بعض القصصيين تتوشج العلاقة بينه وبين نجله ، فلا يبرم أمرا ولا يجد في الدار جديد ، إلا قصد من فوره إلي النحل فأخبره ، وكيف يحب الحمام أمرا بعينه ، ويكره أمرا آخر . والحق أن علاقة الرجل أو المرأة بالحيوان أو الطير هي عند "ماري وب " مشخص مهم من مشخصات خلقه ، وهي تصف أراذل قصصها عادة بالقسوة على تلك المخلوقات اليكما وتصف شخصياتها المحبوبة بالعطف على الحيوان ، ومحبة الحيوان لها ، بل يرتفع ثعلب صغير في قصة " عادت إلي الثري " إلي منزلة شخص مهم من أشخاص القصة ، ويلعب في توجيه حوادث القصة دورا خطيرا ، إذ تستأنسه بطلة القصة مند نعومته ، وتدفعها محاولتها حمايته من كلاب الصيد إلي حتفها .
والحق أن عادة صيد الطير والحيوان ، ما زالت قذي أعين الرحماء من أدباء انجلترا ومثقفيها ، ولا يفتأ أولئك الأدباء يصورون تلك الأعمال الوحشية في كتبهم صورا دامية منفرة ، وقد كانت ماري وب تحب أباها أجزل الحب ؛ ولا تنكر من أعماله شيئا إلا اقتناءه كلاب الصيد . وفي قصة " عادت إلى الثري " هذه صورت ذلك الصيد تصويرا بشعا شقت به غليها الذي كانت تشعر به حيال العادة الهمجية ؛
وكانت "ماري وب " تولي الإنسان مثل ما تولي النبات والحيوان من عطف وحنان ، وتأسي لشقائه أشد الأسي . كانت على حبها للطبيعة واتناسها بما فيها من مظاهر الجمال ، لا تغفل عما في الحياة من مظاهر القسوة ، ومناحي النقص وأسباب الشقاء ، فهي تقول في بعض كتاباتها : " أيتها الدنيا القذرة المسراء اليد العشواء العين ، متي تغتسلين وتنظفين ؟ " وهي تصور مأسي الحياة التي تنصب
على الخلق بلا جريرة : ففي إحدي قصصها تصور فتاة بكماء متيمة بحب رجل تشقي من أجله أشد الشقاء ، وهي صابرة باسمه ، وهي لا تستطيع النطق باسمه ، بله الإعراب عن حبها له ، وفي كبرى قصصها " بريتاس بين " تصور بطلتها " برودانس سارن " فلحاء مشوهة لا أمل لها في السيطرة على قلوب الشبان ، وحيالها منافسة لعوب وضيئة الوجه ساحرة البسمات
في هذه القصة قصة " بريشاس بين " بلغت " ماري وب " أوج نضجها الفني ، وبلغ من وثوقها بمقدرتها أن هجرت الجيل المعاصر ، وجعلت عصر تلك القصة العهد التالي للحروب النابوليونية ، بيد أن عهد الصفاء الذي نعمت به منذ زواجها كان قد آذن بالذهاب ، إذ عاودتها العلة التي شكت منها كثيرا في صباها ، حتى أشار الطبيب بضرورة تغييرها المناظر ، ونصح بانتقالها إلي لندن حينا ، على أن مفارقتها موطنها شروبشر لم تزدها إلا سوءا ، إذ كانت دائمة الحنين إليه ، وزاد علتها تمكنا ما ظلت تشكو من إعراض الجمهور القارئ عنها ، ومن جهل النقاد الذين تناولوا كتبها .
كانت " ماري وب " منذ ظهرت قصصها العالية قد ثالث إعجاب زملائها من الأدباء العارفين ، وأتاها كتاب ثناء خالف كريم من مستر ستانلي يولدوين رئيس وزراء انجلترا في ذلك الحين ، قال فيه مطربا قصتها الكبرى " بريشاس بين " :
" عزيزتي مسز وب : أرجو الأ تري في عملي تطفلا إذا أعربت لك عن عظيم الاعجاب الذي به قرأت بريشاس بين " فقد عاش أهلى قرونا في شروبشر قبل انتقالهم إلي وسترشر ، وقضيت أيامى الأولى في يودلي علي الحدود ؛ وفي كتابك يخيل إلي أنى أسمع مرة أخري تلك اللهجة وتلك العبارات التي كانت تحيط بي في مهدي ، ولم أستمتع بكتاب كل هذا
الاستمتاع منذ سنين ؛ وقد دفعه إلي أحد كتابي ، فقرأته في عيد الميلاد بمشهد من تلال كلي بموطني ، فشكرا لك على ذلك ألف شكر . . وسأظل دائما المخلص " " ستانلي بولدوين "
وليست تقتصر قيمة هذا الكتاب على مكة كاتبه السياسية ، بل له قيمته الأدبية الكبرى ، لأن ذلك الوزير قد عرف محبه للأدب ، وبصره بالنقد ، مثلما عرف بالحنكة السياسية .
فازت "ماري وب " بالتقدير من العارفين ، ولكن ظل مهمها إعراض الجمهور عن كتبها التي لم يكن يباع منها ما يتجاوز ألف نسخة ، وظل يحنقها ما يقابل جهلة النقاد كتابتها به من النقد السطحي التام عن الغفلة ، البعيد عن الانصاف ، فتفاقمت لذلك عليها حتى عجزت عن إتمام قصتها التالية التي كانت اختارت لها عهدا أبعد في القدم ، هو العهد التالي للفتح البرمندي لا انجلترا ، وكانت وعدت مستر بولدوين في ردها على رسالته بنسخة منها . . !
برحت العلة بماري وكان لسوء الاستقبال الذي نالته روايتها " بريشاس بين " أثر في ذلك ، ومن قبلها أسرعت بالشاعر كيتس إلي قبره حملات النقاد المغرضين عليه ، فقضت " ماري وب " تحبها في ستة ١٩٢٧ في العام التالي لظهور قصتها تلك ولم تتجاوز ستا وأربعين سنة ، وما تزال في أوج نضجها الفني ، وكان ناشرها قد أشار عليها باستغلال كتاب رئيس الوزراء في الإعلان عن كتبها فأبت إباء باتا ، فلما ماتت قام مستر بولدين في بعض الاجتماعات الأدبية منوها بذكرها ، منددا بالأهمال الذي عوملت به في حياتها ، فكان ذلك كافيا لعكس الآية ، وما لبثت "ماري وب " أن حازت في مماتها أضعاف الشهرة التي كانت تحلم بها في حياتها !
