الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الثقافة"

نظرات في الأدب العربي, مارى وب، أحب شحصية بين قصصيات انجلترا المعاصلات

Share

يحب الانجليز بلادهم حبا لا يقل عن حب الفرنسيين أو الألمان أو الايطاليين أو أي قوم آخرين أوطانهم ، ولكن طريقة الانجليز في التعبير عن ذلك الحب تخالف طريقة سواهم فأدبهم لا يفيض كما يفيض الأدب الأيطالي أو الفرنسي مثلا بتمجيد الوطن تمجيدا حربيا ، والتفاخر بانتصاراته في الحروب ، رغم ما أحرز الانجليز من نصر في الشرق والغرب ، وفي البر والبحر . ولا يمتلئ الأدب الانجليزي بالتباهي بالماضي والتطاول بالتاريخ الحافل ، كما يتباهي الإيطاليون مثلا بتاريخ الدولة الرومانية . ولا يخلو الأدب الانجليزي من ذلك الفخر الحربي أو السياسي أو القومي ولكنه قليل متفرق .

إنما يظهر حب الانجليز لبلادهم ويتجلي في أدبهم على صورة وديعة متواضعة ، هي مع ذلك أعمق شعورا وأغزر عاطفة وأسمى دلالة . تلك هي عشقهم لمظاهر الطبيعة الانجليزية وتصويرهم لمفاتن الريف الانجليزي ، فالريف الانجليزي يحظي في الشعر والنثر بجانب عظيم من الاحتفال ، ويحتل منزلة رفيعة ، والطبيعة أوسع أبواب القول في الشعر الإنجليزي ، وإليها هرع كل شاعر أثقلته هموم الحياة ، أو خابت آماله ، أو انهارت مثله العليا ، فلم ير غير الطبيعة مفزعا ، ولا غير وصف محاسنها عزاء ، ومن أكبر قصصى انجلترا المحدثين ، الذين اتخذوا الريف مسرحا

لقصصهم دون المدن ، ووشوا قصصهم ببدائع أوصاف الطبيعة " ماري وب " التي رسمت أجمل الصور للريف في مقاطعة شروبشر .

ولدت ماري وب " في بعض قي مقاطعة شروبشر علي مقربة من حدود ويلز سنة ١٨٨١ ، وقد انحدرت أسرتها من أصل ويلزي ، وكان أبوها طبيبا حسن الحال ، كان هو وزوجه موضع محبة أهل القرية ، لما كانا يتصفان به من

حسن العشرة ، وحب الخير ، وعمل البر ، وهي خصال ورثتها عنهما ابنتهما " ماري وب " التي كانت تحبهما حبا جما ، كما ورثت عن أبيها حبه الأدب ، فقد كان ينظم الشعر الفكاهي في الأعياد والهنئات ، وقلدته ابنته في ذلك ، ولم نزل طفلة لاعبة ، وتلقت علومها في الدار على يد مربية ، ثم في المدرسة ، وكانت مقبلة علي الدرس أشد إقبال ، محبة للغات والآداب خاصة .

وكانت تحب قصص شكسبير فوق كل ما عداها ، كما قرأت في طفولتها أشعار شاعر مقاطعتها " هاوسمن " المجموعة في ديوان صغير يدعي " غلام شروبشر " ، فكان هذان هما العاملان الأكبران في توجيه شاعريتها . أما في عالم القصة فقد كانت تعجب أشد الإعجاب بقصص معاصرها هاردي ، وبه تأثر كثير من قصصها ، وللإعراب عن إعجابها به أهدت إليه إحدي قصصها بعد استئذانه ، هذا إلي أمها ظلت حياتها تعاود قراءة الإنجيل ، شأن كل أديب انجليزي محيد حريص على حسن البصر بلغته .

وفيما عدا هذه الدراسة الخصبة الممتعة ، وذلك الوسط البيني الملائم لنمو خير الملكات ونضح أجمل الخصال والميول ، تأثرت ماري بالحياة الريفية المحيطة بها أعمق تأثر ، حتى غدت تلك البيئة الريفية في شروبشر مادة حياتها روحا وجسما

كانت ماري فتاة ضئيلة البنية مرهفة الشعور متوقدة الذكاء مستوفزة النشاط ، وكانت منذ طفولتها تحب الأشجار والأزهار حبا جما ، تنهض مبكرة وتخرج إلى الحقول لتجلس في الأعشاب تراقب تفتح البراعم . وقد ظل هذا الحب للزهور إحدي ميزات قصصها الواضحة ، كما كانت تفيض عطفا على الحيوان من غنم وبقر ونحل وطيور . وهذه ميزة أخري من مزاياها في قصصها ، كما كانت على شديد حيائها محبة للريفين تتخذ منهم أصدقاء كثيرين ، وقد صورت أصدقاءها منهم في قصصها أدق تصوير . وكانت فيما بعد

إذا طافت في دروب القرية مع زائر من زوارها تشير إلي كل شخص من أولئك الريفيين وتخبره بموضعه من قصصها .

ومما زاد ماري رهافة شعور وحبا للطبيعة وعطفا على الأحياء ، مرض أصابها في صباها فأقعدها عن الحركه وهي التي تستوفز نشاطا ودأ ، وظلت طريق الفراش زمنا طويلا محرومة من لقاء الناس والخروج والنزهة ، اللهم إلا الجلوس في النافذة في الأصباح الصاحية ، والتطلع إلي قلاع شروبشر الجميلة ووديانها وأشجارها وحقولها الممتدة إلي الأفق البعيد .

في هذه الوحدة اشتد شعور الفتاة تيقظا وفكرها تفتحا وصلتها بالطبيعة توشجا ، فبدأت في علتها هذه وفي عهد نقاهتها تنظم الشعر وتكتب المقالات تكون فيها فلسفتها عن الحياة ، ولم تكن قد التفتت إلي القصة بعد ، فأما مقالاتها فكانت من أوائل ما نشرت ، وكانت مجموعة باسم " ينيو ع السرور " ولم تعاود المقالة بعدها ، وخلاصة فلسفتها تلك أن الامتزاج بالطبيعة هو سبيل السعادة الصحيحة ، وهذا أيضا جماع الفلسفة التي يمكن استخلاصها من قصائدها . وقد بلغت بعض تلك القصائد درجة عالية من الكمال ، حتى إن الشاعر دلامار استأذنها في نشر اثنين منها أو ثلاث في ديوان مختار من الشعر الحديث أصدره .

ولم تكن ماري في طفولتها وصباها - برغم ميلها إلي الأدب - بالمنعزلة عن أترابها أو المتجافية عن أسباب حبورهم ، بل كانت تشارك بنشاطها المتدفق في ألعابهم ومناسبات غبطتهم . وكثيرا ما قامت بتنظيم حملات التمثيل والاستعراض بين إخوتها الخمسة الذين كانوا يصغرونها ، كما كانت تدور في عيد الميلاد توزع الهدايا علي أطفال الجيرة ، وكما أنها بعد انقطاعها عن المدرسة تولت

تعليم إخونها حتي أقعدتها العلة عن ذلك .

ولما بلغت ماري الحادية والثلاثين قابلت شابا من أبناء شروبشر قد نال درجته الجامعية واحترف التدريس وتوثق بينهما الحب وتزوجا ، وظلا مقيمين في نفس المقاطعة التي لم تكن ماري تطيق فراقها وإن تنقل أبواها في صغرها بين عدد من قلااها . وفازت ماري في حبابها الزوجية التي دامت خمس عشرة سنة ، بأوفر سعادة ، وإلى زوجها اهدت أولى رواياتها واخراها . وعقب زواجها مباشرة التفتت إلي القصة ، ولم تكن قد عالجتها بعد ، وإنما كانت منصرفة إلي الشعر تقرضه من حين إلى آخر ، وكان نفسها القلقة قد هدأت واستقرت بالزواج والتفتت إلي الماضي في هدوء ووثوق تستوعب حقائقه وتستثير كنوزه .

وكانت حياتها الزوجية هادئة ساكنة خلوا من التقلبات ، إلا فترة ضيق مادي وروحي عبرت بها زمن الحرب الكبرى : فقد شعرت ماري إزاء تلك الحرب يمثل ما شعر به كل امرئ رقيق الشعور من كراهية واستبشاع ، وقد زاد ماري حرجا بها أن ثلاثة من إخوتها انخرطوا في سلكها وغادروا انجلترا ، كما أصاب زوجها عسرمالي ، حتى اضطرا إلي التحول عن مسكنهما الجميل إلي آخر متواضع ، وأخيرا اضطرت ماري إلي إطراح القلم جانبا ، ولم يكن قد عاد عليها بعد بأدنى ريح مالي ، ومعاونة زوجها في كسب قوتهما ، فكانا ينهضان مبكرين كل صباح فيجمعان زهور حديقتهما وفاكهتها وتحملها ماري مدى أميال إلي سوق الجهة ، فتتولي بيعها سراة يومها وتعود في المساء لم تكسب أكثر من شتلتات تعد علي الأصابع ، ولكنها تعود مغتبطة راضية ؛ مغتبطة بشعورها بلذة العمل من أجل الحياة ، مقتبطة بتجاربها العملية في تلك التجارة ، تلك التجارب التي خلدتها في قصيدتها " يوم السوق " واتخذت منها مادة لبعض قصصها .

وسرعان ما تحسنت حالهما ، حتى استطاعا أن يبنيا بيتا جميلا سمياء " كوخ الينبوع " . وفيما عدا تلك الشدة العارضة كانت حياة ماري كما تقدم القول رخية وادعة ، فتأتي لها أن تتوافر على الكتابة كما تحب ، وقد كانت إذا التفتت إليها أكبت عليها بجلد عجيب ! تكتب في الدار وفي القطار وحيثما وانتها الفرصة ، وكانت أفكارها تسابق قلمها ، وكانت كلما أسرعت في الكتابة كانت كتابتها أجود ، فاستطاعت في سنوات معدودة ان يخرج عددا طيبا من القصص المحكمة ، كل منها تتقدم على سابقاتها جودة وإحكاما بإطراد

تدور قصص " ماري وب " جميعا في الريف في إقليم شروب ، ذي المناظر الممتازة واللهجة الممتازة ، وتصور الحياة التي دبت فيها ماري منذ نعومتها والأشخاص الذين عرفتهم ماري منذ صغرها ، وتتماثل قصصها جميعا في الهيكل العام : فالقصة عادة ذات تصميم مفرد ، فيها زوجان من العشاق ، بين الزوج الأول حب طاهر عفيف مستقيم حسن المغبة ، وبين الزوج الثاني حب علي دخل غير مخلص من احد الجانبين أوكلبهما ، يسير في النهاية إلي الدمار وتخلع المؤلفة على فتاة الحب النفي السليم العفي ، من الخصال ما كانت تعهد في نفسها في صدر شيامها من الإخلاص والنقاء وقصد الخير وهلم جرا .

بل إن الأشخاص في رواياتها هم هم لم يتجددوا وإنما تراهم وقد تطوروا : زادوا في مخيلة الكاتبة على عمر الزمن وضوحا ، وزادت شخصياتهم قوة ، وزادت الكاتبة مضاء في تصويرهم وتحليلهم

وصفحات كل قصة فياضة بالوصف الطبيعي الممتع ومن القصصين من يبدأ الفصل من فصول قصته بوصف النظر الذي سيكون مسرحا للوقائع ، ثم يغفل الطبيعة بعد ذلك إغفالا تاما ، ويتوافر علي سرد الحوادث ، أما " ماري وب "

فتمزج وصف الطبيعة بوصف الأشخاص بذكر الحوادث بسرد المحادثات مزجا طبيعيا شائقا ، ولا تبرح صورها الطبيعية تتوالى فلا تنفد ، ولاغرو فإنما كانت " ماري وب " تصف ما نشأت وسطه من المناظر وما صحبته طول حياتها من الظواهر وما استوعبته في أيام عليها ووحدتها من المشاعر . ومن دقيق تلك المشاعري وعميق تلك التأملات قولها في رائحة القمح " أي رائحة تماثلها ؟ إن فيها لما يقوف جميع الروائح : فيها الصيف وفيها الصقيع ، وفيها الماء ، كما فيها قلب الحجر الذي امتصه القمح في سبقانه الحوفاء ، وفيها الخبز والحياة للإنسان والحيوان" .

وكما تفيض قصص " ماري وب " حبا للنبات والزهر تسيل حدبا علي الحيوان والطير ، لا ينقطع ذكر الحيوان في قصصها والرحمة له والتفجع لمظاهر قسوة القاسين عليه . والعطف على الحيوان من أظهر مزايا الأدب الإنجليزي لاسيما الحديث منه . والشعب الإنجليزي عامة مشهور يحبه للكلاب والقطط ، وكثير من ادبائه عرفوا بحدبهم الشديد على تلك العجماوات : يروي عن القصصي ستيفنسون أنه مر برجل غليظ القلب يعذب كلبه ، فاعترض عليه محنقا ، فاستنكر الرجل تدخله بينه وبين كلبه ، فقال ستيفنسون : " ليس هذا كلبك إنما هو كلب الله ، وأنا أتصدى لحمايته !"

لا تكاد ماري وب " تبدأ أولى قصصها " السهم الذهي ؟ وتأخذ في وصف أناستها حتى تتعرض لشؤون الحيوان ، فتذكر كيف أن أحد أشخاص الرواية ، وهو رجل فظ غليظ يدفع الغنم بعيدا بعصاه ، فيطلب إليه الآخر ألا يعنف عليها قائلا : إن حب تلك الغنم له أحب إليه من العثور على كنز ثمين . ولا تكاد تمضي صفحة بعد ذلك حتى تري امرأة تعرب عن حبها لتلك البهائم قائلة إنها لا تفرق بين إنجابها ولنا وبين إحضارها إلي الوجود حملا وديعا ، قائلة إن لدى تلك العجماوات من المودة

والحنان ما يعوز كثيرا من الآدميين :

وفي شتي قصصها تذكر "ماري وب " كيف أن بعض القصصيين تتوشج العلاقة بينه وبين نجله ، فلا يبرم أمرا ولا يجد في الدار جديد ، إلا قصد من فوره إلي النحل فأخبره ، وكيف يحب الحمام أمرا بعينه ، ويكره أمرا آخر . والحق أن علاقة الرجل أو المرأة بالحيوان أو الطير هي عند "ماري وب " مشخص مهم من مشخصات خلقه ، وهي تصف أراذل قصصها عادة بالقسوة على تلك المخلوقات اليكما وتصف شخصياتها المحبوبة بالعطف على الحيوان ، ومحبة الحيوان لها ، بل يرتفع ثعلب صغير في قصة " عادت إلي الثري " إلي منزلة شخص مهم من أشخاص القصة ، ويلعب في توجيه حوادث القصة دورا خطيرا ، إذ تستأنسه بطلة القصة مند نعومته ، وتدفعها محاولتها حمايته من كلاب الصيد إلي حتفها .

والحق أن عادة صيد الطير والحيوان ، ما زالت قذي أعين الرحماء من أدباء انجلترا ومثقفيها ، ولا يفتأ أولئك الأدباء يصورون تلك الأعمال الوحشية في كتبهم صورا دامية منفرة ، وقد كانت ماري وب تحب أباها أجزل الحب ؛ ولا تنكر من أعماله شيئا إلا اقتناءه كلاب الصيد . وفي قصة " عادت إلى الثري " هذه صورت ذلك الصيد تصويرا بشعا شقت به غليها الذي كانت تشعر به حيال العادة الهمجية ؛

وكانت "ماري وب " تولي الإنسان مثل ما تولي النبات والحيوان من عطف وحنان ، وتأسي لشقائه أشد الأسي . كانت على حبها للطبيعة واتناسها بما فيها من مظاهر الجمال ، لا تغفل عما في الحياة من مظاهر القسوة ، ومناحي النقص وأسباب الشقاء ، فهي تقول في بعض كتاباتها : " أيتها الدنيا القذرة المسراء اليد العشواء العين ، متي تغتسلين وتنظفين ؟ " وهي تصور مأسي الحياة التي تنصب

على الخلق بلا جريرة : ففي إحدي قصصها تصور فتاة بكماء متيمة بحب رجل تشقي من أجله أشد الشقاء ، وهي صابرة باسمه ، وهي لا تستطيع النطق باسمه ، بله الإعراب عن حبها له ، وفي كبرى قصصها " بريتاس بين " تصور بطلتها " برودانس سارن " فلحاء مشوهة لا أمل لها في السيطرة على قلوب الشبان ، وحيالها منافسة لعوب وضيئة الوجه ساحرة البسمات

في هذه القصة قصة " بريشاس بين " بلغت " ماري وب " أوج نضجها الفني ، وبلغ من وثوقها بمقدرتها أن هجرت الجيل المعاصر ، وجعلت عصر تلك القصة العهد التالي للحروب النابوليونية ، بيد أن عهد الصفاء الذي نعمت به منذ زواجها كان قد آذن بالذهاب ، إذ عاودتها العلة التي شكت منها كثيرا في صباها ، حتى أشار الطبيب بضرورة تغييرها المناظر ، ونصح بانتقالها إلي لندن حينا ، على أن مفارقتها موطنها شروبشر لم تزدها إلا سوءا ، إذ كانت دائمة الحنين إليه ، وزاد علتها تمكنا ما ظلت تشكو من إعراض الجمهور القارئ عنها ، ومن جهل النقاد الذين تناولوا كتبها .

كانت " ماري وب " منذ ظهرت قصصها العالية قد ثالث إعجاب زملائها من الأدباء العارفين ، وأتاها كتاب ثناء خالف كريم من مستر ستانلي يولدوين رئيس وزراء انجلترا في ذلك الحين ، قال فيه مطربا قصتها الكبرى " بريشاس بين " :

" عزيزتي مسز وب : أرجو الأ تري في عملي تطفلا إذا أعربت لك عن عظيم الاعجاب الذي به قرأت بريشاس بين " فقد عاش أهلى قرونا في شروبشر قبل انتقالهم إلي وسترشر ، وقضيت أيامى الأولى في يودلي علي الحدود ؛ وفي كتابك يخيل إلي أنى أسمع مرة أخري تلك اللهجة وتلك العبارات التي كانت تحيط بي في مهدي ، ولم أستمتع بكتاب كل هذا

الاستمتاع منذ سنين ؛ وقد دفعه إلي أحد كتابي ، فقرأته في عيد الميلاد بمشهد من تلال كلي بموطني ، فشكرا لك على ذلك ألف شكر . . وسأظل دائما المخلص " " ستانلي بولدوين "

وليست تقتصر قيمة هذا الكتاب على مكة كاتبه السياسية ، بل له قيمته الأدبية الكبرى ، لأن ذلك الوزير قد عرف محبه للأدب ، وبصره بالنقد ، مثلما عرف بالحنكة السياسية .

فازت "ماري وب " بالتقدير من العارفين ، ولكن ظل مهمها إعراض الجمهور عن كتبها التي لم يكن يباع منها ما يتجاوز ألف نسخة ، وظل يحنقها ما يقابل جهلة النقاد كتابتها به من النقد السطحي التام عن الغفلة ، البعيد عن الانصاف ، فتفاقمت لذلك عليها حتى عجزت عن إتمام قصتها التالية التي كانت اختارت لها عهدا أبعد في القدم ، هو العهد التالي للفتح البرمندي لا انجلترا ، وكانت وعدت مستر بولدوين في ردها على رسالته بنسخة منها . . !

برحت العلة بماري وكان لسوء الاستقبال الذي نالته روايتها " بريشاس بين " أثر في ذلك ، ومن قبلها أسرعت بالشاعر كيتس إلي قبره حملات النقاد المغرضين عليه ، فقضت " ماري وب " تحبها في ستة ١٩٢٧ في العام التالي لظهور قصتها تلك ولم تتجاوز ستا وأربعين سنة ، وما تزال في أوج نضجها الفني ، وكان ناشرها قد أشار عليها باستغلال كتاب رئيس الوزراء في الإعلان عن كتبها فأبت إباء باتا ، فلما ماتت قام مستر بولدين في بعض الاجتماعات الأدبية منوها بذكرها ، منددا بالأهمال الذي عوملت به في حياتها ، فكان ذلك كافيا لعكس الآية ، وما لبثت "ماري وب " أن حازت في مماتها أضعاف الشهرة التي كانت تحلم بها في حياتها !

اشترك في نشرتنا البريدية