الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 14الرجوع إلى "الثقافة"

نظرات في الادب الغربي, الشرق فى أدب الغرب

Share

الشرق مهد المدنييات القديمة، ومهبط الديانات العظيمة ، سبق الغرب من قديم الزمن إلى تشييد الدنيات والتبحر في العلوم والفنون ، ولما أراد الغرب الاقتداء به أخذ عنه الشيء الكثير : أخذ الاغريق في العصور القديمة عن المصريين والفينيقيين والبابليين وغيرهم ، وأخذت أوربا الحديثة عن العرب في الشرق وفي صقلية وفى الأندلس. وظل الشرق في مختلف العهود يمثل في نظر الغربيين المسلك الأنبل، والسلطان الباذخ ، والغنى الواسع . وظل في نظرهم موطن الملوك الأقوياء ، والأنبياء الحكماء ، والنساك والزهاد .

واستمرت بين الشرق والغرب الحروب الكبيرة من قديم العصور. بدأت بالغارات التي شنها دارا وخلفاؤه من

ملوك فارس على اليونان ، وأدت إلى غارة الاسكندر على فارس والشرق كله ، وما لبثت أن تبعت هذه غارات الرومان الذين بسطوا سلطانهم على جانب كبير من الشرق، وفي حكمهم ظهر الدين المسيحى الذى انتقل غرباً وهم أوربا ، واتصلت الغارات القدمة بين فارس وبين الدولة الرومانية الشرقية ، لا سيما منذ نهضت في فارس الدولة الساسانية ، وتابع أردشير وسابور خطة دارا واجزرسيس ، فلما ورثت الدولة الإسلامية ملك فارس ، وبسطك جناحيها على الشرق ، واسلت ثارات فارس ضد الدولة البيزنطية ، وحارب العباسيون الروم في نفس الميادين التي حاربهم فيها من قبل الساسانيون، من قلال أرمينية ، وهضاب آسيا الصغرى ، وتخوم الشام .

فلما اشتدت على الروم وطأة المسلمين ، استنجدوا بأمم الغرب أصحابهم في الدين ، فكانت الحروب الصليبية، تلك الغارات المتتابعة التي شنها الأوربيون على الشرق مدى عشرات السنين ، بل مثاتها . فلما آبوا منها فى النهاية بالفشل، وسد العثمانيون والماليك في وجوههم طريق الشرق ، انصرفوا إلى الغرب ، فكشفوا طريقاً جديدا إلى الهند ، وكشفوا أمريكا ، وانتفعوا بما أخذوا من علم عن المسلمين ، وتبحروا في ذلك ، فكانت نهضهم العظيمة الحديثة، وابتلى الشرق منهم بغارات جديدة أكثر توفيقاً من غارات الصليبيين ، لأنها مزودة بالعلم ، مؤيدة بالقوة .

وفي خلال تلك الحروب التي اشتعلت في مدي القرون

كان يخرج إلى الشرق رحالة الغرب ، منهم من يطلب العلم ومنهم ذو الغاية السياسية ، فطاف في الشرق من قديم الزمن هيرودوت واسطرابون وماركو بولو ، وفي العصر الحديث طاف بالشرق العربى فى القرن الثامن عشر عدد من المبعوثين الفرنسيين، إذ كان الفرنسيون يفكرون في غزو أرض الدولة العثمانية التي بلغت إذ ذاك منتهى الخمول والتأخر ، فكان ممن أوقدهم الفرنسيون لهذا الغرض قولى الذى نشر كتاب رحلته سنة ۱۷۸۷ ، وكانت كتاباته وكتابات ساقارى من أول ما عرف الغربيون في العصر الحديث عن الشرق الغريب ، بعد أن ساد التقاطع بين الشرق والغرب قروناً منذ عهد الحروب الصليبية . ومن الرحالين الانجليز الذين جابوا الشرق في العصر الحديث كنجليك ثم لين بول الذي زار مصر في عهد محمد على ، وكتب مؤلفه القيم « أخلاق المصريين المحدثين وعاداتهم ». وتزايد الاتصال بين الشرق والغرب بعد ذلك على أيدى الرحالة والتجار والقناصل والمبشرين والمستعمرين ، وكثر خروج الغربيين إلى الشرق وزاد الاتصال استحكاما برقى وسائل المواصلات. وأصبح كثير من الغربيين يستوطنون الشرق ويقيمون به أبداً. وكان من كبار الكتاب الأوربيين في العصر الحديث من يغرم بالشرق غراما لا يحد كبير لوتى ، وكان منهم من كان الشرق مسقط رأسه کردبارد کیلنج الذي ولد في الهند وعاش بها زمناً طويلا

وترقت علوم المشرقيات منذ القرن الثامن عشر ، وترجمت كتب كثيرة من أمهات كتب اللغات العربية والفارسية والهندية، واحتفى الأوربيون خاصة من كتب أدب الفرس برباعيات الخيام » التي ترجمها فتزجر الد في القرن الماضي ، وبكتاب «ألف ليلة وليلة» الذي ترجم إلى شتى اللغات وعرف بالليالي العربية ، وبفضله ذاع اسم الخليفة هارون الرشيد وحاز بين الأوربيين منزلة قصر منها غيره من الخلفاء وكثير

من ملوك الشرق ، كما ساعد على ذيوع مبيته بين الغربيين تلك السفارة التى كانت بينه وبين شارلمان امبراطور الفرنجة. وأغرم الأوربيون كذلك بتاريخ صلاح الدين الأيوبى بطل الحروب الصليبية ، وبأباطرة المغول العظام ذوى المالك المترامية والفتوح الواسعة ، كجنكيز خان وحفيده قبلاى خان وتيمورلنك وحفيد هذا أكبر الأكبر امبراطور الهند المعاصر لأليصابات

كان الشرق يمثل في أخلاد الغربيين إلى عصر حديث جدا مهد المدنيات كما تقدم القول ومهبط الوحي ومقر الملوك العظام والدول ذات التى الباذخ ، وكان يروعهم من أمره ما يسمعون عن طائل كنوز، وفاخر حاصلاته وصناعاته وغرابة أزيائه واختلاف أناسه . وعلى هذا النحو الرومانسي الرائع صوروه في آدابهم : صور شكسبير شخصية عطيل القائد المغربي المقدام الحاد الطبع المتوقد العاطفة ، وذكر عنه أنه كسب حب ديدمونة بقصه عليها قصص مغامراته في بلاده الغربية، وصور مارلو تيمورلنك ووصف سعة أطراف دولته وترامی فتوحه ، وصور والترسكوت السلطان صلاح الدين في رواية « الطلسم » التي يجمع فيها بينه وبين رتشارد قلب الأسد ملك انجلترا ، ونظم كولردج قصيدة بديعة حول قصر قبلاى خان بالصين ، وتناول تيسون عصر هارون الرشيد فى بعض ما نظم

وجرت على أقلام كتاب الغرب عبارات مأثورة في صدد كلامهم عن الشرق تدل على فكرتهم عنه : فكانوا يسمونه الشرق الفاخر » ، وبذلك سماء وردزورث في مقطوعة له ، نظمها حين سقطت جمهورية البندقية على يد نابليون وفيها يزعم أن البندقية أدى لها الشرق الفاخر الجزية . وكانوا يتحدثون كذلك عن « جاذبية الشرق » وكان نابليون من أكثر الناس تأثراً بهذه الجاذبية ، ومن ثم كان يحلم بتشييد امبراطورية تحاكي امبراطوريات تيمورلنك والاسكندر وغيرهما . ويتحدثون أيضاً عن « الشرق الذى

لا يتغير " وهكذا كانوا يظنون ان الشرق مهد المحافظة والبقاء على وتيرة واحدة لا تتبدل .

وساد بين أدباء أوربا في القرن الثامن عشر خاصة فن من الأدب هو القصة ذات المغزى والرموز : يرمى فيها إلى الحياة مثلاً بنهر وإلى الأطماع البشرية بفقاقيعه وهلم جرا ، وترى القصة في نهايتها إلى مغزى خلقي أو موعظة حكيمة . وكان الأدباء حين يريدون معالجة هذا الضرب من الأدب يلفت ذعنهم التفاتاً طبيعياً إلى الشرق، فيجرون القول على لسان شرقي، وقد يجعلون مشهد القصة بلداً شرقياً ، فيجرون القصة على لسان زرادشت مثلاً أو بوذا ويجرون الحوادث في سهول العراق أو أوعار فارس ، كما فعل الكاتب الإنجليزى أديسون في مقالة «رؤيا ميرزا» وجولد سميث في مقالة ( قصة من زرادشت ) ومنتسكيو في رسائل فارسية )

ومن مشهور المقطوعات الشعرية من هذا الباب في الإنجليزية مقطوعة للشاعر لبيه هنت: أراد ضرب المثل وصوع الحكمة فقص قصةً عن عربي دعاء «أبو بن أدهم» وزعم أن هذا العربي استيقظ ليلة من حلم سعيد فإذا إزاءه ملاك يشع نوراً يكتب أشياء في كتاب ذهبي في يده ، فسأله : ماذا يكتب ؟ فأجابه أنه يكتب أسماء من يحبون الله ، ولا سأله إن كان اسمه أحدها أجابه سلباً ، فطلب إليه أبو بن أدهم أن يجعل اسمه في الكتاب على أنه رجل يحب إخوانه في الإنسانية . وفي الليلة التالية عاد الملاك وأطلع العربي على الكتاب فإذا اسمه في طليعة الأسماء .

وأراد على أن يصور فخامة ملك الانسان قدرته ، وبراعته في الفن وحدقه ، ثم بطش الأقدار به ، وجريان البلى على معالم سلطانه ، فالتفت التفات طبيعيا إلى الشرق . ففى الشرق قامت المالك الضخمة ، وظهر الجبابرة المتكبرون وخدمهم الفن كما يشتهون . وفى الشرق المدنيات القديمة العريقة التي مرت عليها أزمان وأزمان ، وصارت

تقتبس منها الحكم ، وتستخلص العظات . فصور شلى في مقطوعة فذة سماها « أوز ماندياس المصرى » تمثال ملك جبار ما تزال كبرياؤه مرتسمة على رأس تمثاله ، وإن هوى التمثال وتعفر الرأس ، ولم تبق من ذلك البناء الهائل إلا سافان فائتان ، وقد نقش على القاعدة : « أنا أوزيما ندياس ملك الملوك ، انظروا إلى آثارى أيها الجبابرة وأقروا صاغرين».

هكذا كان أدباء الغرب ، يلتفتون إلى الشرق حين ينزعون إلى تصور ضخامة الملك ، أو اضطراع المطامع الانسانية ، أو تتابع الدول ، وتدارك الأحداث، وإليه كانوا يلتفتون حين يبغون استخلاص الحكمة ، أو التدبر فى شؤون الخلق والسكون . وكان بعض الأدباء كذلك الشعور هم ببعد الشرق ، وتباين أحوالله ، واختلافها عن أحوال الأوربيين ، يلجؤون إذا أرادوا نقد أحوال بلادهم إلى حيلة ،طريفة، وهى إجراء ذلك النقد على لسان صيني ، أو فارسي أو هندى ، يزور أوربا ويكاتب أصدقاء، في بلاده بما يشاهد، أو يدون ذلك في مذكراته . فالشؤون الأوربية هى بيت القصيد في هذه الآثار الأدبية ، وليس بها من الشرق إلا الاسم .

والحق أن معلومات الغربيين من الشرق ظلت زمناً طويلا ضئيلة جدا ، ولا تزال معلومات كثير منهم إلى اليوم عن الشرق زائفة ملؤها الأوهام . وذلك لأن قطيعة حادة ضربت بين الشرق والغرب ، عقب انكار الغربيين في الحروب الصليبية، وعقب استيلاء الترك العثمانيين على منافذ البحرين الأبيض والأحمر ، ولم تتقشع تلك القطيعة إلا في الزمن الحديث بعض التقشع . وأثر الشرق على العموم في الأدب الغربي قليل، وإن كان ممتعا . ومعلومات الأدباء الذين كتبوا الآثار ذات المسحة الشرقية سابقة الذكر كانت فيما يتعلق بالشرق ضئيلة جدا .

إنما كان حسب الشاعر من أمثال كولردج ، وورد

زورث ، ولبيه هنت ، وشلى ، أن يقع في كتاب على فقرة شاردة تتحدث في اقتصاب عن قبلاى خان ، أو هارون الرشيد ، أو عن تاريخ مصر القديم ، أو جغرافية جزيرة العرب، فيصوغ من تلك الفقرة الشاردة المقتضبة المدعة القيمة في ذاتها ، درة من الشعر ثمينة خالدة، ذلك أنه حسب الشاعر في مثل هذه الأحوال أن يعثر على هيكل أجوف من الحقائق ، ثم يتكفل خياله بالبقية ، وينسج على ذلك الهيكل ما شاء من حكمة أو وصف أو افتتان ، بل كان اقتضاب تلك الفقرات الشاردة والشعور يبعد الشرق ، واختلاف أحواله عن أحوال أوربا ، هما أكبر حافز إلى النظم ، وأعظم مستحث للوحى والخيال .

فأدباء الغرب كانوا دائما يلجؤون إلى الشرق حين يريدون أن يتناولوا « البعيد » في نظمهم ، وحب البعيد نزعة فاشية في الأدب العربي أكثر من فشوها في الأدب العربي بكثير . فجل شعراء العربية لم يكن يعنيهم من أمر إلا ما هو حاضر بين أيديهم من شؤون . أما أدباء الغرب فكانوا دائمي الطموح إلى البعيد في الزمان والمكان ، يريدون بتناوله ترويض الخيال والفرار من أسر الحاضر الراهن ، والتبصر في أحوال الحاضر على ضوء الماضى، وفى شؤون القريب على ضوء البعيد . كانوا إذا طلبوا « البعد » نشدوه في الزمان ، فالتفتوا إلى عهد الاغريق والرومان والقرون الوسطى، أو في المكان فالتفتوا إلى أم الشرق ، أو أم الشمال من اسكندينا وبين وأيسلنديين.

هذه هي أكبر وظائف الشرق في الأدب العربى وظيفة المكان ( البعيد » الذي يرهف الخيال ببعده وروائع الأقاصيص والأساطير التي تروى عنه ، ويزيد الخيال إرهاقاً قلة المعروف من أمره ، وكثرة الأساطير والاختلافات المختلطة بتاريخه بين الأوربيين . أما الشرق على حقيقته فقلما عرفه أولئك الأدباء ، وأما ثقافة الشرق وأدبه فقلما حفلوا بدراستهما وانتفعوا بهما في تلقيح آدابهم ، والأوصاف التي يوردها شكسبير أو مارلو أو شلى أو كوردج في أشعارهم

عن الشرق هي إما اختراع من خيالهم الشعرى المحض، أو خرافات لا صلة لها بالحقائق .

في مسرحيته عن الفائح الترى تيمورلنك يزعم مارلو أن جيوش تيمورلنك اجتاحت مصر وتقيمت مجرى النيل حتى استوت على النوبة وزنجبار ومجاهل أفريقيا ، وآيت باللوك مصفدين. وشلي يزعم في مقطوعته سالفة الذكر أن على قاعدة التمثال كانت عبارة « أنا أوزيانديس ملك الملوك ... » ، ولو كان ذاك حقا فلا بد أن تلك العبارة كانت مكتوبة بالهيروغليفية ، ولم يكن لأحد بفك رموزها في زمن على بصر ، ولكنه الخيال إذا انطلق تحرر من عقال الحقائق النافية ، كما لا يحفل العقاب فى هويه بالبعوضة على حد تعبير ميراو. وليست هذه المنافاة الصغريات الحقائق تعض من قيمة تلك الأشعار النفيسة التي لم تنظم لتكون سجلا الحقائق التاريخ ، بل لتكون مسارح للفكر والخيال ، ومطامح للنفس الانسانية تطمح فيها إلى البعيد فى الزمان والمكان.

إنما اتسمت آثار أدباء الغرب عن الشرق بالدقة وتحرى الواقع إلى حد عظيم في العصر الحديث ، بنشاط العلاقات واتصال المواصلات، وكانت القصة خير معوان على مراعاة مطالب هذا الذهب الواقعي الحديث ، فهى رحب من الشعر صدرا بالتفاصيل والدقائق . ومن هذا الضرب قصص الكاتب الانجليزي دوباره كبلنج عن الهند والحياة والمناظر الطبيعية فيها، ومن خير القصص التي كتفت حديثاً عن الهند قصة رحلة إلى الهند » لفورستر ، وفيها يصف حياة الانجليز في تلك البلاد، ونزعة التعالي يأخذون بها أنفسهم ، وكيف خرج أحدهم على تلك الخطة ، وخالط الأهلين مخالطة الند للند فصير أبناء جلدته حياته هناك جحياً لا يطاق، كما أن من محاسن الهندية في الأدب الإنجليزي المعاصر قصة الطبل » لماسون وقد عرضت بدور السينما بمصر

منذ أيام ،

اشترك في نشرتنا البريدية