الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 234الرجوع إلى "الثقافة"

نظرات في التربية النفسية :، سعادة الكلب وسعادة الارنب

Share

وقفت في بطن الوادي أنطلع إلي سفح الجبل المشوشب عن يميني. وامجد الخالف الذي أودع في هذا الصخر الصلد كل ما يترقرق على صفحته من بهاء ، وجمال . وإذا تقطنان سوداوان تنحدران من قمة الحبل تحوي. لم أنينهما أول الأمر ولكنهما كانتا تقتربان . .

إنهما ارنب وكلب . الأرنب ينطلق في عدو الخفيف كأنه السهم المريض . والكلب من خلفه يهوي كانه جلود صخر خطه السبل من على . وليس بري الناظر إليهما إلا انهما حيوانان يجريان ، ولكن الفرق بينهما في الواقع هائل عظيم . . فما أبعد ما بين البواعث التي تدفع بكل منهما إلي هذا العدو السريع

إن احدهما تغمره  السعادة . والثاني يغمره الشفاء فالكلب يجري وراء الأمل الهنئ . والارنب يجري فرار من الشر الوببيل

احدهما طامح طامع فهو لذلك سعيد ، والأخر خائف واجف فهو لذلك شقي

ثم تستمر هذه المطاردة إلا لحظات ثم تبدل الموقف . . فالأرنب كان قد لاذ يجحر ، فاستقر فيه وهو بلهث

وتجلس الكلب باب الحجر باسطا ذراعيه وهو كذلك يلهث . ولكن ما أوسع الفرق بين ما يخفق به قلب كل منهما من أحاسيس ؟ !

إن الأرنب الآن يخفق قلبه بالهناءة والسعادة لأنه معافي سليم قد أمنه الله من خوفه . أما الكلب فيقبض دمه بالحسرة والتعاسة لان امله ضاع . ولان رجاءه خاب

إني نظرت إلي هذه الحال فوجدت فيها لونين  من السعادة . أحدهما سعادة يتذوقها من أحدق به الخطر فنجح في الأفلات منه . والآخر سعادة يعرفها من يضع نصب عينيه أملا منشودا فهو يعمل على تحقيقه .

وهذا اللون الأخير من السعادة هو اللون الجدير بالإنسان الكامل

ولكن انظر ماذا يفعل رجال الأخلاق والتربية إذا صادفهم مثل هذا المنظر . إنهم يلوحون بعصاهم في القضاء صائحين : " هذا عدوان اثيم  " ويحدون بذلك من نشاط " الكلب " ليفسحوا السبيل أمام " الأرنب " .

وهذا هو الخطأ المشترك الذي يقع فيه معظم الآباء ورجال التربية مع أطفالهم الصغار حين يحدون من نشاط " النزعات الكلبية " في نفوسهم ليفسحوا السبيل أمام " النزعات الارنبية " أو بعبارة اخري حين يوجهونهم إلي تشدان السعادة في التماس العافية ، ويحدرونهم من التماسها في اقتحام المصاعب - حين ياقنونهم " سعادة الارنب " الخوف ويمنعويهم  من ممارسة سعادة الكلب " الطموح

إن سر النجاح في تربية النشء هي تقييد " الأرنب " في نفس الطفل ، وإرخاء للكلب " . وإن نظام التربية الذي يقوم في جزئية من جزئياته على التخويف والإرهاب هو نظام غير جدير بان يحمل اسمه . لان السعادة الحقيقية - التي هي غاية الحياة لا يمكن ان تكون في الدعة . والأمن . والحياة الميسرة . ولكنها تكون في السعي . والطموح . والتشوف ! إنها لا تكون في " الحصول " على الأشياء . ولكن في " تحصيلها " وهي ليست في قبض اليد على اغراض الحياة ، ولكن في بسطها لإدراك هذه الأغراض ! والفرق بين خريجي المدرستين ظاهر . فالدرسة الارنبية شعارها " الخشية وأملها " النجاة " والمدرسة الأخرى شعارها " الإقدام " وأملها " الظفر

هذا أحدث ما انتهى إليه اعلام التربية النفسية في تعليم الأطفال السعادة . افلا تراء مع ترديدا متأنها لهذا البيت الساذج القديمم :

حب السلامة يثني  عزم صاحبه    عن المعالي ويغري المرء بالكسل

اشترك في نشرتنا البريدية