وقفت في بطن الوادي أنطلع إلي سفح الجبل المشوشب عن يميني. وامجد الخالف الذي أودع في هذا الصخر الصلد كل ما يترقرق على صفحته من بهاء ، وجمال . وإذا تقطنان سوداوان تنحدران من قمة الحبل تحوي. لم أنينهما أول الأمر ولكنهما كانتا تقتربان . .
إنهما ارنب وكلب . الأرنب ينطلق في عدو الخفيف كأنه السهم المريض . والكلب من خلفه يهوي كانه جلود صخر خطه السبل من على . وليس بري الناظر إليهما إلا انهما حيوانان يجريان ، ولكن الفرق بينهما في الواقع هائل عظيم . . فما أبعد ما بين البواعث التي تدفع بكل منهما إلي هذا العدو السريع
إن احدهما تغمره السعادة . والثاني يغمره الشفاء فالكلب يجري وراء الأمل الهنئ . والارنب يجري فرار من الشر الوببيل
احدهما طامح طامع فهو لذلك سعيد ، والأخر خائف واجف فهو لذلك شقي
ثم تستمر هذه المطاردة إلا لحظات ثم تبدل الموقف . . فالأرنب كان قد لاذ يجحر ، فاستقر فيه وهو بلهث
وتجلس الكلب باب الحجر باسطا ذراعيه وهو كذلك يلهث . ولكن ما أوسع الفرق بين ما يخفق به قلب كل منهما من أحاسيس ؟ !
إن الأرنب الآن يخفق قلبه بالهناءة والسعادة لأنه معافي سليم قد أمنه الله من خوفه . أما الكلب فيقبض دمه بالحسرة والتعاسة لان امله ضاع . ولان رجاءه خاب
إني نظرت إلي هذه الحال فوجدت فيها لونين من السعادة . أحدهما سعادة يتذوقها من أحدق به الخطر فنجح في الأفلات منه . والآخر سعادة يعرفها من يضع نصب عينيه أملا منشودا فهو يعمل على تحقيقه .
وهذا اللون الأخير من السعادة هو اللون الجدير بالإنسان الكامل
ولكن انظر ماذا يفعل رجال الأخلاق والتربية إذا صادفهم مثل هذا المنظر . إنهم يلوحون بعصاهم في القضاء صائحين : " هذا عدوان اثيم " ويحدون بذلك من نشاط " الكلب " ليفسحوا السبيل أمام " الأرنب " .
وهذا هو الخطأ المشترك الذي يقع فيه معظم الآباء ورجال التربية مع أطفالهم الصغار حين يحدون من نشاط " النزعات الكلبية " في نفوسهم ليفسحوا السبيل أمام " النزعات الارنبية " أو بعبارة اخري حين يوجهونهم إلي تشدان السعادة في التماس العافية ، ويحدرونهم من التماسها في اقتحام المصاعب - حين ياقنونهم " سعادة الارنب " الخوف ويمنعويهم من ممارسة سعادة الكلب " الطموح
إن سر النجاح في تربية النشء هي تقييد " الأرنب " في نفس الطفل ، وإرخاء للكلب " . وإن نظام التربية الذي يقوم في جزئية من جزئياته على التخويف والإرهاب هو نظام غير جدير بان يحمل اسمه . لان السعادة الحقيقية - التي هي غاية الحياة لا يمكن ان تكون في الدعة . والأمن . والحياة الميسرة . ولكنها تكون في السعي . والطموح . والتشوف ! إنها لا تكون في " الحصول " على الأشياء . ولكن في " تحصيلها " وهي ليست في قبض اليد على اغراض الحياة ، ولكن في بسطها لإدراك هذه الأغراض ! والفرق بين خريجي المدرستين ظاهر . فالدرسة الارنبية شعارها " الخشية وأملها " النجاة " والمدرسة الأخرى شعارها " الإقدام " وأملها " الظفر
هذا أحدث ما انتهى إليه اعلام التربية النفسية في تعليم الأطفال السعادة . افلا تراء مع ترديدا متأنها لهذا البيت الساذج القديمم :
حب السلامة يثني عزم صاحبه عن المعالي ويغري المرء بالكسل

