الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 166الرجوع إلى "الثقافة"

نظرة فى الكون

Share

ما أجمل الطبيعة ، وما أجلها ، وما أحكمها ، وما أغناها !

هذه حبة واحدة أنبتت سبع سنابل ، فى كل سنبلة مائة حبة، وإن لكم فى الانعام لعبرة ، نسقيكم مما في بطونه - من بين فرث ودم - لبناً خالصاً سائغاً للشاربين " . وهذه الأرض يصيبها الماء فتخرج من الأزهار ومن بدائع الألوان ، فى الجبال وفى الوديان وفى الغابات ، ما يسحر العين ويأخذ باللب ؛ وهذا المحار فى البحار ينشق عن نصفين منسجمين متساويين فى النقوش والألوان والتعاريج يعجز عن تقليدهما امهر فنان ؛ وهذا الفم الذى يأكل ويقضم يخرج الدر من الحكم ، والطيب من بدائع الكلم ؛ وهذه الشجرة العظيمة الضخمة خرجت من بذرة ؛ وهذا الانسان العجيب نشأ من ماء مهين؛

" هو الذى انزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ، ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات ، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون . وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر ، والنجوم مسخرات بأمره ، إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون . وماذرأ لكم فى الأرض مختلفا ألوانه ، إن فى ذلك لآية لقوم يذكرون . وهو الذى سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسوبها ، وترى الفلك مواخر فيه ، ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون . وألقى فى الأرض رواسى أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون ".

وهكذا من ملايين وملايين من العجائب ، قلل عجبنا منها إلفنا لها وأنسنا بها .

ومن أعجب هذا الباب ما يأتى من باب الغرائز ؛ فهذا ضرب من الأسماك يسافر آلاف الأميال إلى حيث يجد المكان الملائم لنسله ، فإذا ماتت الكبار عادت الصغار إلى مكان آبائها بهاد من غريزتها ؛ وهذه الطيور كالسمان تحتشد فى الربيع والخريف جماعات ، وتقطع الجبال الشامخة والبحار الشاسعة لتصل إلى الأقاليم الملائمة ؛ ما الذى دلها على الطريق فى ذهابها وإيابها ، ولا علامات ولا دلالات ؟ إنها الغريزة العجيبة التى تدل حمام الزاجل على مأواء والقط على مسكنه ، إنها الغريزة التى تحمل كل حى من نبات وحيوان وإنسان على ان يأتى بمختلف الوسائل والأعاجيب ليحفظ نفسه ويحفظ نوعه .

إن أعمال الطبيعة وأعاجيبها ونظامها ودقتها فوق أفهامنا ، وفوق منطقنا وتفكيرنا وتعليلنا . كل صغير مما لا يرى إلا بالمكرسكوب ، أو كبير يرى بالتليسكوب ، يحيى حياة عجيبة يدق سرها عن الفهم ، ويقصر عن إدراكها العقل ، الحبة فى الأرض ، والذرة فى الهواء ، والسمكة فى الماء ، والنجم فى السماء .

وصدق الجاحظ إذ يقول : " ولو وقفت على جناح بعوضة وقوف معتبر ، وتأملته تأمل متفكر ، بعد ان تكون ثاقب النظر ، سليم الآلة ، غواصا على المعانى . . . لملأت - مما توجدك العبرة من غرائب - الطوامير ( ١) الطوال ، والجلود الواسعة الكبار . . . ولتبجست عليك كوامن المعانى ودقائتها ، وخفيات الحكيم وينابيع العلم . وقد قال تعالى : ( ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) ؛ والكلمات فى هذا الموضع ليس يريد بها

القول والكلام المؤلف من الحروف ، وإنما يريد بها النعم والأعاجيب وما أشبه ذلك ، فان كلا من هذه الفنون لو وقف عليها رجل رقيق اللسان صافي الذهن صحيح الفكر تام الأداة ، لما برح أن تحسره المعاني ، وتغمره الحكم " .

ولكن بجانب هذه المعاني اللطاف والعجائب التي لا تنتهي ، تري الطبيعة كذلك تقسو ولا ترحم ، لا تعبأ بالألم يصيب الأحياء ، كأنها آلة عمياء ، سلحت القوي ومكنته من الضعيف والضعيف من الأضعف . " هذا الأسد يصيد الذئب فيأكله ، والذئب يصيد الثعلب فيأكله ، والثعلب يصيد القنفذ فيأكله ، والقنفذ يصيد الأفعي فيأكلها ، والأفعي تصيد العصفور فتأكله ، والعصفور يصيد الجراد فيأكله ، والجراد يصيد فراخ الزنابير فيأكلها ، والزنابير تصيد النحل فتأكلها والنحلة نصيد الذبابة فتأكلها ، والذبابة تصيد البعوضة فتأكلها " . والإنسان سلط على الجميع ، وسلط بعضه على بعض . إنها لا تندم على إيلام ، ولا تحزن لموت،

ولا تعبأ أن تكون كلها ساحة قتال ، تسلح الغالب والمغلوب ، والقوي والضعيف ؛ ثم تقف متفرجة على القتال والالتهام ، والتنكيل والآلام ؛ كأن الأمر لا يعنيها في قليل ولا كثير . وضعت الشهوة في كل حي ، وأخضعت لها القوة والمكر والحيلة ، وأطلقت لكل أولئك العنان في المنافسة والمحاربة ، واتخذت ذلك قانونها وديدنها في كل شئ ، من أصغر حيوان إلي أعظم إنسان ؛ ثم نفضت يدها من كل ذلك ، ووقفت تسجل ولا تتدخل ، بل تمد هؤلاء وهؤلاء ، حتى لا يفتر النزاع ويبطل الخصام .

هذه أمة آمنة مطمئنة تلهو وتلعب ، وتعمل وتسعد ، تثور عليها الطبيعة ببركانها فتجعلها في لحظة حما ؛ وهذه

مدينة جميلة بسكانها وما عليها زلزلت بها الأرض فخسفت وأصبحت كأن لم تغن بالأمس ، وهذا مركب يعد خير إعداد ، و يوسع أكبر سعة ، ويجهز أحسن جهاز ، فيبتلعه البحر من عليه في لمحة ؛ وهذه الأمراض تنتاب الانسان فلا ترحم طفلا صغيرا ولا شيخا هرما ، ولا ترأف بالأم في وحيدها ، ولا بالأسرة في عائلها ؛ وهذا الموت سليط على كل حي ، فذهب بلذته وطاح بأمله . وهذا الانسان لعبت به غرائزه ، فأشعل نيران الحروب ، وأقام كل حين مجزرة هائلة مفزعة . وهكذا حتى أصبحت لذائذ الكائن الحي - وسط هذه الأمواج من الآلام - لحظات خاطفة ، ولمعات كوميض البرق .

نقرأ الصفحات الأولى من الطبيعة ، فنري الجمال والجلال ، والحسن والانسجام ، والعظمة ودقة الصنع ، وعجائب الغريزة ؛ ونقرأ الصفحات الثانية فنري القسوة والفظاعة والتعذيب والايلام .

من قديم حار العقل في تفسير هذه الظواهر المتناقضة . كيف يكون من الطبيعة بجانب هذه الحكمة هذا السفه ؟ وكيف يكون بجوار هذه الرحمة هذه القسوة ؟ وكيف يكون مصدر هذه اللذائذ مصدر هذه الآلام ؟

لقد ذهب بعض علماء الدين إلي أن نقمة الطبيعة من غضب الله على الانسان إذا خالف أمره وارتكب ما نهاه عنه ؛ ولكن - مع الأسف - لم نر هذا مطردا ، فقد ينعم في هذه الدنيا الماكر المخادع ، والغادر المنافق ، ويألم المؤمن الورع والتقي الصالح ، وكما قال الأول : قد يقتر الحسول التقـ     ـى ويكثر الحمق الأثيم ومن أجل هذا جري على السنة الناس المثل المخالف : " المؤمن مصاب " .

وذهب بعض الطبيعيين المحدثين إلي أن الألم يصيب الانسان إنما هو تحذير من الأخطار المستقبلة ؛ فصداع

الرأس علامة مرض تنبه الانسان إلى وجوب ملافاته ، والمغص كذلك ، والرمد كذلك ؛ وهذا التعليل أيضا ليس صادقا دائما ، وإن صدق في آلام الانسان فما تفسير إيلام الطبيعة بأحداثها ؟

وأذكر أني قرأت مرة قولا طريفا لبعض المفكرين في هذا الموضوع ، خلاصته أن موضع الخطأ في هذا السؤال هو أن الانسان يريد أن يطبق أخلاقيته على أخلاقية العالم ، فهو يسمي بعض الأعمال رحمة وبعضها قسوة ، وبعضها نعمة وبعضها نقمة ، وبعضها لذة وبعضها ألما؛ ولكن هذه التسمية صحيحة بالنسبة له فقط وبمقياسه هو فقط ، ولكن وراء عالمه الانساني عوالم أخرى في الأرض ، ووراء عوالم الأرض عوالم لا عداد لها في غير الأرض . أليس من غرور الانسان أنه يريد أن يطبق العدل والظلم في العالم حسبما يدرك بنظره القاصر وفكره المحدود ، ويريد أن يخضع العوالم الواسعة لعالمه الضيق ، ويريد أن يطبق قوانين العالم الكلية على قوانينه هو الجزئية ؟

وهو جواب ماهر لم أستطع أن أقف أمامه موقف تأييد أو تفنيد ومشايعة أو معارضة . يظهر لي أن موضع الخطأ في فهم هذه المسألة أنهم يعرضون مشكلة الآلام وحدها ويريدون حلها ، وهي لا يمكن أن تفهم إلا إذا عرضت الدنيا كلها على أنها وحدة . كيف نفهم الأبيض من غير أسود ، والحرارة من غير برودة ، والطول من غير قصر ، والعمي من غير بصر ؟

كذلك الآلام لا يمكن أن تفهم إلا على أنها جزء لا يستغني عنه من نظام هذا العالم ، ولو انعدمت الآلام لانهار نظام هذا العالم من أساسه . إن الفضيلة لا يمكن أن توجد في هذا العالم إلا إذا وجدت الرذيلة فلا نفهم الايثار حتى نفهم الأثرة ،

ولا توجد البطولة حتى توجد النذالة ، ولا العدل حتى يوجد الظلم ، ولا الشجاعة حتى يكون الجبن ؛ كذلك لا يوجد الحب من غير عذاب ولا اللذة من غير ألم ولا التوبة من غير إثم .

ولو انعدمت الآلام والرذائل والآثام ، ما كانت الفضائل العالية ، ولا الأعمال النبيلة ، ولا أعمال البطولة التي يتغني بها الشعراء . ولو انعدم القبح لانعدم الجمال . ولولا الأشقياء ما كان السعداء .

لا معني لأنى أحب من أحب إلا إذا اشتمل ذلك على الألم ، فمعنى أني أحبه أنى أشاركه أحزانه ، وأخاف عليه الأذي يناله ، وأخاف انقطاع الصلة بيني وبينه ، وهل هذه كلها إلا آلام إذا ذهبت ذهب الحب .

إن احتمال الآلام في هذه الدنيا كان لنا منه أكبر الفضائل ، من حزم وصبر وثقة بالنفس وتضحية للخير وعذاب للاصلاح ، ولولاه ما كانت .

لولا عواطف الألم ما كان شعر ولا فن ، ولا نحت ولا موسيقى ولا تصوير ، ولا معان إنسانية ، ولا وطنية ولا قومية .

فلو كان العالم كما يتطلبه العامة خاليا من الآلام لكان بالطبيعة أيضا خاليا من اللذائذ ، ولو كان خاليا من الرذائل كما يبغون لخلا أيضا من الفضائل ، إذ لا يمكن أن تتصور لذة بدون ألم ، ولا فضيلة بدون رذيلة .

إن عالمنا هذا بني على الخير والشر ، واللذة والألم ، والفضيلة والرذيلة ، والسعادة والشقاء ، وكل منهما كأحد جانبي الوجه لا يكمل إلا بجانبه الآخر ، ولا يفهم إلا بالآخر . فمن أراد عالما لا ألم فيه فليطلبه في غير هذا العالم ، وعلى غير هذا النظام كله . وتبارك الله رب العالمين .

اشترك في نشرتنا البريدية